|
|
وطن حرّ أم صالة انتظار السعادة؟
حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)
الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 01:27
المحور:
في نقد الشيوعية واليسار واحزابها
تعدّ مطالبة السلطة - سواء تمثلت في حزب رائد أو حكومة سلطوية - لمواطنيها بأن يكونوا "سعداء" من أبسط الأمور التي قد تقوم بها. ومع ذلك، فإن الخطر الكامن في هذا الشعار لا يتوقف عند كونه خيالياً؛ بل يمتد إلى بنيته الأخلاقية التسلطية التي تجرّد الإنسان من حقه في التعبير عن معاناته وفهم تعاسته الحقيقية. لذا فإن تحليل الشعار التاريخي "وطن حر وشعب سعيد" ليس مجرد رفاهية فكرية، بل هو عملية ضرورية لكشف التزييف الأيديولوجي والاجتماعي الذي مهد الطريق للطائفية والفساد في العراق الحالي. تستلزم الشجاعة الفكرية القدرة على تفكيك الأصنام الأيديولوجية، ليس فقط من خلال تحليل مخرجاتها الميدانية، بل بالعودة إلى جذورها ومفاهيمها. هذه الشجاعة هي ذاتها التي تدفعنا اليوم إلى استكشاف تجربة الكاتب الدراماتورجي الأمريكي آرثر ميلر بصورة أعمق. فالمؤلف، الذي قدم للعالم رائعته المسرحية "كلهم أبنائي"، لم يكن مجرد كاتب يخوض مغامرة أدبية عابرة، بل حمل في أعماله صرخة فكرية تعبر عن مرحلة فقدان البراءة في المجتمع الأمريكي. لقد استخدم المسرح كأداة لفضح الآثار النفسية والاجتماعية المدمرة لما يعرف بـ"الحلم الأمريكي"، منتقدًا التحليل النفسي في صيغته الأمريكية، الذي تحول حينها من وسيلة لفهم الذات إلى أداة للسيطرة وإعادة تشكيل السلوكيات الاجتماعية بما يخدم النظام العام.
ظل ميلر حتى آخر لحظة من حياته يدافع عن حرية الفرد في تقرير مصيره، وهو المبدأ الذي اتضح جلياً في قراراته الحاسمة، بدءاً من انسحابه الصاخب من اجتماع نادي القلم في تركيا احتجاجاً على القمع، وصولاً إلى مواجهته الصريحة للمكارثية. تميز موقفه بالنضج والاحترام لحرية الآخرين، رافضاً الأسلوب الوصائي، حيث أفسح المجال لشخصياته المسرحية مثل "جو كيلر" و"ويلي لومان" لاختيار مسار حياتهم، حتى لو كان مليئاً بالتعاسة أو المعاناة. على النقيض تماماً من هذا النهج الفلسفي الذي يعلي من إرادة الفرد، يقف شعار "وطن حر وشعب سعيد"، المبدأ التاريخي الذي اتبعه الحزب الشيوعي العراقي منذ عام 1944، كتعبير عن رؤية جماعية تسعى لتحقيق السعادة ضمن إطار موحد للجميع.
مغالطة التجسيد ووهم "السعادة الموعودة" تتجلى في كيفية تحويل هذا الشعار للسياسات والجماهير إلى كيانات ثابتة، مما يؤدي إلى فقدان الديناميكية والحيوية التي وصفها الفيلسوف ألفريد نورث وايتهيد بـ "مغالطة التجسيد الخاطئ". هذا الفكر يقف على النقيض من الديالكتيك الماركسي الذي يعتبر التاريخ عملية ديناميكية مليئة بالتناقضات والصراعات الطبقية الحية، وليس حالة جامدة. يعمل الشعار كوصية ملزمة: "كونوا سعداء!"، مما يعكس بشكل مثير للقلق المنظور النيوليبرالي الذي يجعل من السعادة واجباً مفروضاً، إضافة إلى الموقف الستاليني الذي رآى في الاكتئاب مرضاً برجوازياً، حيث لا يحق للمواطن أن يكون غير سعيد في "جنة الشيوعية". وبذلك، يُعامل الشعب كما لو كانوا أطفالاً تحت وصاية "الطليعة" أو "السلطة". هذه القوى لا تقدم وعداً بالتحرر بقدر ما تقدم وعداً بالعبودية: "تخلوا عن معاناتكم، وحريتكم، وذاكرتكم، وسنوفر لكم سعادة مصطنعة من قِبل الحزب"—وهو وعد يتشابه أساساً مع ما وصفه ماركس بأنه أفيون الشعوب.
يتجلى الخطأ النظري في استخدام الشعار في تجريد مفهوم "الشعب" بتبسيطه إلى كيان غير ملموس وغير مرتبط بواقعه المادي والتاريخي. ففي السياق النظري الماركسي، لا يُعتبر الشعب ككلية موحدة وثابتة، بل يُفهم كمجتمع يضم تباينات بنيوية، حيث ينقسم إلى طبقات تتفاوت بين المستغِلّين والمستغَلّين، الظالمين والمظلومين، مالكي وسائل الإنتاج والبروليتاريا، الفقراء والأغنياء. عندما يتبنى حزب يُفترض أن يكون ملتزماً بالعلمية والمنهج المادي شعاراً يتحدث عن "سعادة الشعب" دون القيام بعملية فرز طبقي واضحة، فإنه ينخرط في نوع من التضليل الأيديولوجي. ذلك لأنه يطمس حقيقة الصراع الطبقي ويتخلى عن دوره كطليعة تدافع بشجاعة عن حقوق الفقراء والمهمشين. في ظل هذا الشعار، يتم وضع الضحية والجلاد، الإقطاعي والعامل، في كفّة واحدة تحت مسمى السعادة المرجوة. وبهذا، يتحول الحزب من أداة ثورية تسعى لتفكيك علاقات الاستغلال إلى مجرد كيان رعوي يبيع الوهم للجميع بهدف تهدئة الأوضاع دون معالجة جذرية لها.
تفكيك مقولة النضال من أجل السعادة: تجليات الوصاية الرعوية
يسعى البعض إلى تقديم تبرير على نحو اعتذاري، مؤكدين أن الحزب لا يأمر الجماهير بالسعادة بأسلوب متسلط أو قهري، بل يلتزم النضال من أجل سعادتها في وطن حر. لكن هذا التفسير الظاهر لا يُزيل الأزمة النظرية بل يعززها، ويعكس بوضوح الهيمنة الأبوية على أعمق مستوياتها. تؤدي هذه النظرة إلى تحويل التحرر الاجتماعي من فعل تاريخي مستقل تشارك فيه الطبقات المضطهدة لانتزاع حقوقها وإزالة استغلالها، إلى "خدمة" أو "مكرمة" يتكفل الحزب بتقديمها للجماهير. يصبح الحزب هنا بمثابة "المُخلِّص" أو الراعي الذي يعلو فوق المجتمع، بينما الشعب يبقى في موقع المستهلك المنتظر لوصول النعيم الجاهز، في تناقض جلي مع الأسس الماركسية القائلة بأن تحرير الطبقة العاملة يجب أن يكون من صنعها ذاتياً. يتخذ الحزب في هذا الشعار دور الوصي على مفهوم السعادة، مُفترضاً ضمناً امتلاكه للرؤية النهائية لماهية السعادة وقدرته على توزيعها. السعادة، وفق هذا التصور، لا تنبع كاستجابة للحرية والمواجهة الذاتية كما أشار ميلر، بل تُعتبر مكافأة يقدمها الحزب للجماهير المطيعة عقب تحقيق ما يسمى بالتحرر الوطني. تفترض هذه الصياغة ربطاً ميكانيكياً يوتوبياً بين التحرر الوطني القومي وبين العدالة الاجتماعية؛ وكأن تحقيق "الوطن الحر" يحل التناقضات الطبقية بضربة لازمة ويجلب "السعادة" للجميع تلقائياً. وهو التبسيط ذاته الذي سمح للبرجوازية الوطنية بالالتفاف على حقوق العمال والفقراء فور استلام السلطة بحجة "الحفاظ على مكتسبات الوطن".
الجذور الاجتماعية: أبناء بيئة عشائرية وهيمنة السادة والشيوخ إن هذا القصور النظري لم يكن وليد الصدفة، بل هو انعكاس للبنية الاجتماعية والسياسية التي شكلت طبيعة الحزب ذاته. فمنذ نشأته، لم يتمكّن الحزب الشيوعي العراقي من تبنّي الفلسفة الماركسية العلمية على مستوى الممارسة العملية، بل ظلّ أقرب إلى قوة يسارية تسعى للمنافسة على مواقع راديكالية ضمن إطار البرجوازية الوطنية. أما شعار "وطن حر وشعب سعيد"، فهو ذو طابع برجوازي قومي يفتقر لمضمون الصراع الطبقي والتفكيك العميق لعلاقات الإنتاج القائمة. وعلى مدار مسيرته، اكتفى الحزب بسياسة تراعي "مشاعر الشعب وتقاليده المقدسة"، وهي في جوهرها تمثل إعادة إنتاج للعقلية التقليدية المتمثلة بـ"السيد" أو "الشيخ" أو "الراعي"، الذي ينشد الأمان والخير لرعيته عبر وسائل تعويضية ومسكنة، بدلاً من التركيز على بناء وعي طبقي متماسك ومنظم يدفع نحو تشكيل بروليتاريا حضرية حديثة تمتلك أدوات التغيير.
الخطر الحقيقي لهذا النمط من التفكير التسكيني يتجلى بوضوح في الواقع العراقي من خلال ثلاثة ملامح بنيوية تشكّل جذور الأزمة. أولًا، ترسيخ الطائفية والمحاصصة عبر تجريد مفهوم "الشعب" من أبعاده المادية والاجتماعية، وتحويله إلى فكرة رمزية مجردة. هذا النهج أتاح الفرصة للقوى الطائفية لإعادة تشكيل البنية الجماهيرية على أسس الهويات الأولية و"المكونات"، مما أدى إلى تعطيل بناء مواطنة قائمة على الحقوق والمؤسسات.
الملمح الثاني يتمثل في التواطؤ مع الفساد الريعي، إذ ينسجم مفهوم "السعادة المفروضة من الأعلى" مع طبيعة الدولة الريعية التي يغلب عليها الفساد. هنا، يُطلب من المواطنين انتظار الخدمات وكأنها هبة من الطبقات الحاكمة، بينما تقوم شبكات الفساد بنهب موارد البلاد، ما يترك المجتمع غارقًا في الفقر وانهيار مؤسساته.
أما الجانب الثالث، فهو التمسك بالقدسية الشعاراتية رغم تناقضها الصارخ مع الواقع. فنرى مجتمعًا غير سعيد يعيش في دائرة تصديق "وهم السعادة"، ما يعزز أنماط الولاء الخاضع للشعارات بدلًا من الالتزام بحقائق الحياة. في جوهر ذلك، نجد أن مساعي الحكومة والقوى المتعاملة معها لطمس المعاناة والذاكرة هي أشبه بعملية طمس لإنسانية الفرد ذاته، مما يعمق شعور الاغتراب وتآكل الهوية المجتمعية.
السعادة، بحسب آرثر ميلر، ليست هبة تُوزع من حزب أو معالج نفسي، بل هي نتيجة مؤلمة تُكسب بمواجهة الحقيقة وممارسة حرية الاختيار. والمجتمعات الحديثة لا تشيّد بالأحلام الرومانسية ولا بالشعارات القسرية، بل بالوعي المادي والعمل الحقوقي المؤسسي الذي يُسمى الأشياء بمسمياتها.
مرجع مهم: آرثر ميلر: نقيض الخرافة الستالينية, -شعب سعيد!- 126
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=936744
مالمو 2026-10-07
#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)
Hamid_Koorachi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
توماس ترانسترومر Tomas Tranströmer — قصائد هايكو
-
في تفنيد أطروحة حظر التعددية الشيوعية في البلد الواحد
-
الشعوب في مواجهة الاستبداد وتجار الحروب
-
معادلة تشكيل الحكومة السويدية وصناعة الملوك من الخارج
-
مرثية الطبقة الوسطى وانكماش الرهان المدني في العراق
-
استراتيجية الغياب كبديل للشرعية التقليدية
-
سكرتارية الحزب والجمود: نحو قيادة شبكية في العصر الرقمي 2
-
سكرتارية الحزب والجمود: ضرورة القيادة الشبكية في العصر الرقم
...
-
المعطف (Pälsen) للكاتب السويدي يلمار سودربيرغ
-
سلام الحكومات وحقوق الشعوب
-
كيف أمكن للنظام القمعي أن يشجع الشعر الأكثر راديكالية ونقداً
...
-
غورباتشوف أم نابليون؟
-
من الاستبداد الأيديولوجي إلى البراغماتية الأمنية
-
إشكالية قراءة ماركس بين العلم والأيديولوجيا
-
تشكيل صورة كارل ماركس عبر الزمن
-
مخيّم الآمال العظمى
-
من طبقة النومنكلاتورا إلى الأوليغارشية
-
قانون الإصلاح الزراعي وتدمير الزراعة
-
مرايا الغبار المتمرد
-
ما وراء هرمز
المزيد.....
-
رويترز: تركيا تقدم دعما دفاعيا وتقنيا للسعودية في مواجهة الح
...
-
إعلام: الدعم السعودي يشجع الجيش السوداني على رفض مقترحات اله
...
-
جدل سياسي في أنقرة بسبب اتفاق مكة.. قوات كوماندوس وطيارون أت
...
-
الحيتان الجنوبية الصائبة تعود إلى جنوب أفريقيا وتجذب الزوار
...
-
ترامب يفتح الباب أمام ضربة جديدة على إيران.. البنتاغون يجهّز
...
-
الجيش السوداني يرفض التفاوض مع قوات الدعم السريع.. البرهان:
...
-
حرب المطارات.. السعودية تعلن تدمير منصة إطلاق صواريخ بالستية
...
-
-نجاح تاريخي- ـ ألمانيا تلقي القبض على أحد أبرز قادة مجموعة
...
-
ترامب -يغازل- جائزة نوبل للسلام ويتعهد بإنهاء الحرب التاسعة
...
-
اليمن.. العليمي يعرض العفو والأمان على مسلحي الحوثي ويحدد هد
...
المزيد.....
-
نعوم تشومسكي حول الاتحاد السوفيتي والاشتراكية: صراع الحقيقة
...
/ أحمد الجوهري
-
عندما تنقلب السلحفاة على ظهرها
/ عبدالرزاق دحنون
-
إعادة بناء المادية التاريخية - جورج لارين ( الكتاب كاملا )
/ ترجمة سعيد العليمى
-
معركة من أجل الدولة ومحاولة الانقلاب على جورج حاوي
/ محمد علي مقلد
-
الحزب الشيوعي العراقي... وأزمة الهوية الايديولوجية..! مقاربة
...
/ فارس كمال نظمي
-
التوتاليتاريا مرض الأحزاب العربية
/ محمد علي مقلد
-
الطريق الروسى الى الاشتراكية
/ يوجين فارغا
-
الشيوعيون في مصر المعاصرة
/ طارق المهدوي
-
الطبقة الجديدة – ميلوفان ديلاس , مهداة إلى -روح- -الرفيق- في
...
/ مازن كم الماز
-
نحو أساس فلسفي للنظام الاقتصادي الإسلامي
/ د.عمار مجيد كاظم
المزيد.....
|