أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التحزب والتنظيم , الحوار , التفاعل و اقرار السياسات في الاحزاب والمنظمات اليسارية والديمقراطية - حميد كوره جي - سكرتارية الحزب والجمود: نحو قيادة شبكية في العصر الرقمي 2















المزيد.....

سكرتارية الحزب والجمود: نحو قيادة شبكية في العصر الرقمي 2


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 20:01
المحور: التحزب والتنظيم , الحوار , التفاعل و اقرار السياسات في الاحزاب والمنظمات اليسارية والديمقراطية
    


في هذه اللحظة تحديداً، تصبح المركزية عكس ما يفترض أن تكون عليه: بدلاً من أن توحّد الإرادة بعد نقاش حقيقي، تمنع تشكل الإرادة الجماعية أصلاً. وهنا لا يعود الخطر في وجود قيادة قوية، بل في غياب الآليات التي تسمح للقيادة بأن تُراجع وتُحاسب وتُستبدل عندما تعجز عن مواكبة الواقع.
إن تجاوز إخفاقات «المركزية الديمقراطية» لا يقتضي بالضرورة التخلي عن كل ما أنتجته التجربة التاريخية، بقدر ما يقتضي إعادة النظر في الافتراضات التنظيمية التي نشأت في عصر مختلف تماماً. فالتنظيم الذي صُمم لواقع صناعي تتسم فيه علاقات العمل والسياسة بدرجة عالية من المركزية، يصعب عليه أن يتعامل بالطريقة نفسها مع واقع أصبحت فيه الرأسمالية أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والشبكات والمعلومات، وأصبحت فيه حركة الأفكار والأفراد أسرع بكثير من قدرة الهياكل التقليدية على الاستجابة.

من هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من النموذج الهرمي الصلب إلى أشكال تنظيمية أكثر مرونة، تجمع بين التنسيق العام والاستقلال النسبي للوحدات المحلية والميدانية. الهدف ليس تفكيك التنظيم وتحويله إلى مجموعات منفصلة، وإنما إعادة توزيع القدرة على المبادرة بحيث لا تبقى القاعدة مجرد منفذ لقرارات تُتخذ في مركز بعيد عنها. وبدلاً من أن ينحصر القرار في مكتب سياسي مغلق أو في موقع قيادي واحد، يمكن بناء شبكة من الوحدات واللجان التي تمتلك هامشاً حقيقياً من الاستقلال التكتيكي، مع التزامها بالمبادئ والأهداف العامة التي يحددها التنظيم بصورة ديمقراطية.

وفي مثل هذا النموذج، لا تُصنع القيادة مسبقاً وتُفرض على الواقع، بل تتشكل تدريجياً من داخل التجربة نفسها. فمن يخوض معركة عمالية ويكتسب ثقة زملائه، أو من يقود مبادرة بيئية أو ثقافية أو تقنية ناجحة، يمكن أن يصبح جزءاً من القيادة بحكم ما راكمه من خبرة وثقة، لا بحكم قربه من مركز القرار. وهذا النوع من القيادة المتحركة يجعل من الصعب تحول الموقع التنظيمي إلى ملكية شخصية أو إلى وظيفة دائمة تنتقل من جيل إلى آخر.

كما أن العلاقة بين الوحدات التنظيمية لا ينبغي أن تمر دائماً عبر سلسلة طويلة من المستويات الإدارية. فكلما أمكن للجان الميدانية والوحدات المحلية أن تتواصل مباشرة، وأن تتبادل المعلومات والخبرات، وأن تنسق تحركاتها بسرعة، أصبح التنظيم أكثر قدرة على الاستجابة للواقع. وهذا لا يلغي الحاجة إلى مركز للتنسيق، لكنه يغيّر وظيفته: من مركز يصدر الأوامر إلى مركز يربط الوحدات، ويوفر المعلومات والموارد، ويساعد على تنسيق القرارات المشتركة.

والديمقراطية الداخلية بدورها تحتاج إلى أكثر من مجرد التصويت الدوري أو الاحتكام إلى قاعدة الأغلبية. فالتصويت قد يحسم الخلاف، لكنه لا يضمن بالضرورة أن يكون النقاش الذي سبقه حراً أو متكافئاً. لذلك ينبغي أن تكون هناك مساحات فعلية للحوار والنقد، يستطيع فيها العضو الاعتراض على القيادة أو مراجعة قرار سابق من دون أن يتحول ذلك إلى اتهام بعدم الانضباط. الوحدة التنظيمية لا تصبح أكثر قوة عندما تختفي الخلافات، وإنما عندما تمتلك الوسائل التي تسمح بإدارتها بصورة علنية وعقلانية، وتحولها من مصدر للانقسام إلى مصدر للتعلم والتصحيح.

ويمكن للتكنولوجيا أن تساعد في بناء هذه المساحات، شرط ألا تتحول هي الأخرى إلى أداة جديدة للسيطرة. فالمنصات الرقمية مفتوحة المصدر يمكن أن تتيح للأعضاء المشاركة في صياغة البرامج والسياسات، ومناقشة المقترحات، وتعديلها، وتتبع مسار اتخاذ القرار. لكن قيمة هذه الأدوات لا تأتي من التكنولوجيا نفسها، بل من القواعد السياسية التي تحكم استخدامها: من يملك البيانات؟ من يستطيع الاطلاع عليها؟ من يملك حق الاقتراح؟ وكيف يمكن مساءلة من يتخذ القرار؟

وفي عصر الشبكات، لم يعد «المثقف العضوي» بالضرورة شخصية منفردة تمتلك المعرفة وتنتجها نيابة عن الآخرين. يمكن أن يصبح دوراً جماعياً تؤديه شبكة واسعة من الأعضاء، بحيث تنتج المعرفة من خلال التجربة والنقاش وتبادل الخبرات. العامل في موقع الإنتاج، والناشط في الحي، والباحث، والطالب، والمبرمج، والمهاجر، جميعهم قادرون على إنتاج معرفة سياسية إذا أُتيح لهم المجال للمشاركة في تفسير واقعهم، لا أن يكونوا مجرد جمهور يتلقى التحليل من المركز.

وهنا تصبح مسألة المعلومات جزءاً أساسياً من الديمقراطية التنظيمية. فالوثائق، والموارد المالية، ومحاضر الاجتماعات، والقرارات الأساسية، ينبغي أن تكون متاحة للأعضاء ضمن قواعد واضحة تحمي ما يحتاج فعلاً إلى السرية من دون تحويل السرية إلى قاعدة عامة. فاحتكار المعلومات يمنح من يملكها سلطة غير معلنة، وقد يكون أحياناً أكثر تأثيراً من امتلاك المنصب نفسه. وكلما أصبحت المعلومات أكثر شفافية، أصبح من الصعب أن تتشكل مراكز نفوذ مغلقة خلف الأبواب التنظيمية.

أما مهمة القيادة في هذا النموذج، فلا ينبغي أن تكون امتلاك الحقيقة أو احتكار الاتجاه السياسي، بل بناء الشروط التي تسمح للتنظيم كله بإنتاج قرارات أفضل. القيادة هنا تنسق أكثر مما تأمر، وتفسر أكثر مما تملي، وتتحمل مسؤولية القرار من دون أن تحتكر مصادر المعرفة. وبهذا المعنى، لا يكون تجاوز النموذج القديم مجرد تغيير في شكل الهيكل التنظيمي، بل تغييراً في الثقافة السياسية نفسها: من تنظيم يقوم على الطاعة والثقة بالأشخاص، إلى تنظيم تقوم قوته على المشاركة، وتداول المسؤولية، وشفافية المعلومات، والقدرة المستمرة على مراجعة الذات.

وبذلك تتغير وظيفة الهيئات التنسيقية نفسها: فبدلاً من أن تكون مركزاً لإنتاج التوجيه الأيديولوجي أو إصدار التعليمات، تصبح مهمتها الأساسية تنسيق الموارد، وتسهيل العمل المشترك، وتأمين البنية التحتية التي تحتاجها المبادرات والحركات المختلفة لكي تعمل وتتوسع.

لكن اللامركزية لا تضمن وحدها الديمقراطية. فحتى التنظيم الشبكي يمكن أن ينتج، مع الوقت، مراكز نفوذ غير معلنة تعيد إنتاج الهرمية القديمة بأدوات جديدة. ولهذا فإن بناء هذا النوع من التنظيم يحتاج إلى آليات رقابة شعبية مباشرة، يمكن الاستفادة في تطويرها من بعض التجارب العمالية التاريخية، وفي مقدمتها تجربة كومونة باريس.

ومن أهم هذه الآليات أن يكون للقاعدة حق سحب الثقة من أي ممثل أو منسق عندما يثبت إخلاله بالمهام التي كُلّف بها أو خروجه عن الالتزامات التي انتُخب على أساسها، من دون أن تضطر إلى انتظار مؤتمر دوري قد يفصلها عن القرار سنوات. وبالمثل، ينبغي أن يكون أداء اللجان والممثلين قابلاً للتقييم بصورة دورية وشفافة، بحيث تُعرف المسؤوليات والنتائج بوضوح، ويصبح من الصعب على مجموعة محددة أن تحول موقعها التنظيمي إلى نفوذ دائم.

هذا التحول ليس تجميلاً تنظيمياً ولا مجرد محاولة لمجاراة لغة العصر. إنه يتعلق بقدرة التنظيم نفسه على البقاء فعالاً في بيئة سياسية تغيرت شروطها بصورة عميقة. فالتنظيم الذي لا يستطيع مراجعة نفسه، أو تغيير قياداته، أو توزيع المعرفة والموارد، سيجد نفسه عاجلاً أم آجلاً منفصلاً عن الواقع الذي يفترض أنه يريد تغييره.

أما محاولة إدخال بعض الآليات الشبكية والأفقية داخل هيكل هرمي لم تتغير قواعده الأساسية، فقد تنتج شكلاً جديداً من التناقض. فليس من السهل أن تعمل أدوات تقوم على المشاركة وتوزيع المبادرة داخل بنية لا تزال تقوم على تركيز القرار وحماية المواقع. قد تبدو النتيجة في البداية تجديداً، لكن من دون تغيير علاقات القوة التي تحكم المؤسسة، يمكن أن تتحول «الشبكية» نفسها إلى واجهة حديثة لهرمية قديمة.

وهنا لا تكفي النوايا الحسنة أو الدعوات المتكررة إلى «الإصلاح». فهناك أسباب بنيوية تجعل المؤسسات تميل إلى حماية الشكل الذي استقرت عليه. ومع مرور الوقت، قد تتحول المنظمة التي نشأت أصلاً باعتبارها أداة للتغيير إلى مؤسسة يصبح الحفاظ على وجودها واستمراريتها هدفاً قائماً بذاته. وحين تتشكل داخلها طبقة بيروقراطية ترتبط مصالحها ومكانتها ببقاء النظام التنظيمي كما هو، يصبح أي تغيير حقيقي أكثر صعوبة، لأنه لا يعود مجرد تعديل في اللوائح، بل يصبح مساساً بمصالح ومواقع فعلية.

من هنا تنشأ مقاومة التغيير التي لا تظهر دائماً في صورة رفض صريح. أحياناً تتبنى المؤسسة نفسها مفردات مثل «التجديد» و«الشفافية» و«تمكين القاعدة»، لكنها تفعل ذلك بطريقة تجعل هذه المفاهيم منفصلة عن توزيع السلطة الحقيقي. تتحول الشفافية، مثلاً، إلى نشر بيانات شكلية، ويتحول التجديد إلى تغيير في الوجوه، بينما تبقى آليات اتخاذ القرار والرقابة والمساءلة على حالها. وهكذا يصبح خطاب الإصلاح وسيلة لامتصاص الضغط بدلاً من أن يكون مدخلاً لإعادة بناء المؤسسة.

وتزداد المفارقة وضوحاً إذا قارنا ذلك بالتغير الذي طرأ على بيئة الإنتاج والاتصال نفسها. فالتكنولوجيا الحديثة جعلت تداول المعلومات أسرع، والعمل أكثر اعتماداً على الشبكات، وأتاحت أشكالاً جديدة من التعاون وإنتاج المعرفة. وفي المقابل، لا تزال كثير من الأحزاب تعمل بعقلية تشكلت في ظروف كان فيها الوصول إلى المعلومات أبطأ، والاتصال أكثر كلفة، والسرية جزءاً أساسياً من العمل السياسي.

لا يعني هذا أن التكنولوجيا تفرض نموذجاً سياسياً واحداً، أو أن الشبكات الرقمية تعني تلقائياً الديمقراطية. لكنها تخلق إمكانات جديدة يصعب تجاهلها. وعندما يبقى القرار محصوراً في هيئات مغلقة، بينما يستطيع الأعضاء التواصل وتبادل المعلومات بصورة مباشرة وفورية، ينشأ تناقض متزايد بين طريقة عمل المجتمع وطريقة عمل التنظيم. يصبح السؤال عندها ليس فقط: هل تستطيع القيادة أن تتغير؟ بل: هل تستطيع أن تتخلى عن جزء من أدوات السيطرة التي راكمتها؟

وهذه ربما هي أصعب نقطة في عملية التحول. فإعادة بناء التنظيم الشبكي لا تحتاج فقط إلى لوائح جديدة أو منصات رقمية، وإنما إلى إعادة توزيع حقيقية للسلطة. ومن الطبيعي أن تواجه هذه العملية مقاومة من كل من ارتبطت مكانته أو نفوذه بالبنية القديمة. لذلك فإن انتظار أن تقوم البيروقراطية نفسها بالتخلي طوعاً عن الأدوات التي تمنحها نفوذها قد يكون رهاناً غير واقعي.

وفي حال بلغ الانسداد الداخلي حداً يجعل الإصلاح الجوهري مستحيلاً، يصبح من المشروع التفكير في بناء مسارات تنظيمية جديدة خارج الهياكل القديمة، لا باعتبارها غاية في حد ذاتها، وإنما باعتبارها محاولة لخلق تجربة مختلفة يمكن أن تتعلم من إخفاقات التجارب السابقة. ومن هنا يمكن أن تنشأ «كتلة تاريخية» جديدة، ليس بمعنى إعادة إنتاج تحالفات الماضي، وإنما بمعنى بناء قوة اجتماعية وسياسية قادرة على جمع فئات وتجارب لم تعد تجد لنفسها مكاناً داخل الأطر التقليدية.

هذه الحركات الجديدة قد تنشأ في مواقع العمل، وفي الأحياء، وفي الفضاءات الرقمية، وفي القضايا البيئية والثقافية والتكنولوجية، وعلى هامش الأطر الحزبية القائمة. وما يجمع بينها ليس بالضرورة برنامج أيديولوجي مكتمل منذ البداية، بل تجربة مشتركة في مواجهة مشكلات لم تعد المؤسسات القديمة قادرة على تمثيلها أو تنظيمها.

وفي هذا السياق يتغير معنى القيادة نفسه. فالكادر القيادي الجديد لا يفترض أن يكون «قائداً للجماهير» يقف خارجها ويوجهها، بل يمكن أن يكون محفزاً ومنسقاً داخل شبكة أوسع منه. تتمثل مهمته في ربط المبادرات ببعضها، وتسهيل الوصول إلى الموارد، وفتح قنوات تبادل المعرفة، ومساعدة الأعضاء على تحويل تجاربهم المتفرقة إلى فهم سياسي مشترك.

وبذلك لا تختفي القيادة، وإنما يتغير موقعها ووظيفتها. تصبح القيادة قدرة على بناء العلاقات وتسهيل التعاون وإنتاج الشروط التي تسمح للآخرين بالمشاركة، بدلاً من أن تكون امتيازاً دائماً في احتكار القرار. وهذا التحول، في جوهره، هو الانتقال من تنظيم يحتاج إلى قائد كي يعمل، إلى تنظيم يستطيع أفراده أن يعملوا معاً حتى عندما يتغير القائد.

ولا يعني التأسيس من جديد محو التاريخ أو التنكر للتجارب التي سبقتنا، كما لا يعني أن كل ما أنتجته التنظيمات السابقة أصبح بلا قيمة. على العكس، لا يمكن بناء تجربة جديدة من دون فهم أسباب نجاح التجارب السابقة وإخفاقاتها، وما تركته من دروس في التنظيم والعمل السياسي. المقصود هو أن نأخذ من هذا التاريخ ما يساعدنا على بناء هيكل مختلف، أكثر قدرة على مقاومة إعادة إنتاج المركزية المغلقة، وشخصنة السلطة، والتبعية للأفراد والمواقع التنظيمية.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى التكنولوجيا من زاوية تتجاوز استخدامها كأداة للسرعة والكفاءة فقط. فقد تحدث إنجلز عن الانتقال من «إدارة الأشخاص» إلى «إدارة الأشياء» بوصفه جزءاً من تصور أوسع لتحرر الإنسان من علاقات السيطرة. وبغض النظر عن الاختلاف في تفسير هذه الفكرة أو إسقاطها على واقعنا الحالي، فإنها تفتح سؤالاً مهماً: إذا أصبحت الآلات قادرة على تولي جزء متزايد من الأعمال التنظيمية الروتينية، فهل يمكن أن نستخدم ذلك لتحرير الإنسان من البيروقراطية بدلاً من استخدام التكنولوجيا لإنتاج بيروقراطية أكثر تعقيداً؟

يمكن للذكاء الاصطناعي، مثلاً، أن يساعد في التعامل مع بعض المهام التي تستهلك وقتاً كبيراً من الكوادر: تنظيم الجداول والاجتماعات، معالجة كميات ضخمة من البيانات، تحليل المؤشرات الديموغرافية والاقتصادية، تلخيص النقاشات، ومتابعة تنفيذ الخطط والمهام. كما يمكن استخدامه في قراءة اتجاهات الرأي العام ورصد التحولات الاجتماعية والاقتصادية، مع ضرورة التعامل مع هذه النتائج باعتبارها أدوات مساعدة لا بديلاً عن الحكم السياسي والخبرة الميدانية.

والفائدة الحقيقية هنا ليست أن تصبح الآلة «عقل التنظيم»، بل أن تتولى ما يمكن أتمتته من الأعمال المتكررة، حتى يتاح للإنسان وقت أكبر لما لا يمكن اختزاله في البيانات: التفكير النقدي، والإنتاج الفكري، والعمل الميداني، وبناء العلاقات الإنسانية، وفهم التجارب الاجتماعية من داخلها، وصياغة خطاب سياسي وثقافي وجمالي يحتاج إلى الحس والسياق والخيال.

لكن التكنولوجيا ليست محايدة تماماً لمجرد أنها تبدو كذلك. فالخوارزمية لا تعمل في فراغ؛ من يصممها يحدد ما الذي تقيسه، وما الذي تعتبره مهماً، وما البيانات التي تعتمد عليها، ومن يملك حق الوصول إليها. لذلك فإن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى العمل السياسي والتنظيمي من دون مساءلة هذه الأسئلة قد يؤدي ببساطة إلى نقل مركزية القرار من المكتب السياسي إلى بنية تقنية لا تقل غموضاً عنه.

لهذا، فإن التحدي أمام الحركات البديلة ليس امتلاك التكنولوجيا فحسب، وإنما امتلاك القدرة على تحديد القواعد التي تحكم استخدامها. ينبغي أن تكون الأدوات الرقمية قابلة للفهم والمراجعة قدر الإمكان، وأن تخضع البيانات والخوارزميات لرقابة بشرية وديمقراطية، وألا تتحول أنظمة التقييم أو تحليل السلوك إلى وسائل جديدة لمراقبة الأعضاء أو ضبطهم. التكنولوجيا المفيدة هي التي توسع قدرة الإنسان على المشاركة واتخاذ القرار، لا التي تنتزع منه هذه القدرة باسم الكفاءة.

وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون الهدف بناء تنظيم «تقوده الخوارزميات»، بل تنظيم يستخدم التكنولوجيا كي يمنح أفراده وقتاً ومساحة أكبر للتفكير والفعل. فالآلة تستطيع أن تعالج البيانات، وتكشف الأنماط، وتقترح البدائل، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التجربة الإنسانية نفسها، ولا أن تقرر وحدها ما الذي يستحق النضال من أجله. يبقى القرار السياسي فعلاً بشرياً وجماعياً، وتبقى مهمة التقنية أن تخدم هذا الفعل لا أن تحل محله.

ملاحظة حول نطاق المقال
هذا المقال لا يخاطب حزباً بعينه، ولا يفترض أن أزمة التنظيم تنحصر في تجربة واحدة. بل يتوجه إلى مختلف الأحزاب والحركات الشيوعية واليسارية في الشرق الأوسط، التقليدية منها وغير التقليدية، باعتبار أن السؤال المطروح يتجاوز أسماء التنظيمات وقياداتها: كيف يمكن بناء أشكال تنظيمية قادرة على الاستمرار والتجدد، من دون أن تعيد إنتاج المشكلات التي أدت إلى إنهاك التجارب السابقة؟



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سكرتارية الحزب والجمود: ضرورة القيادة الشبكية في العصر الرقم ...
- المعطف (Pälsen) للكاتب السويدي يلمار سودربيرغ
- سلام الحكومات وحقوق الشعوب
- كيف أمكن للنظام القمعي أن يشجع الشعر الأكثر راديكالية ونقداً ...
- غورباتشوف أم نابليون؟
- من الاستبداد الأيديولوجي إلى البراغماتية الأمنية
- إشكالية قراءة ماركس بين العلم والأيديولوجيا
- تشكيل صورة كارل ماركس عبر الزمن
- مخيّم الآمال العظمى
- من طبقة النومنكلاتورا إلى الأوليغارشية
- قانون الإصلاح الزراعي وتدمير الزراعة
- مرايا الغبار المتمرد
- ما وراء هرمز
- من -الزمهرير- إلى -القيظ-
- الدولة والثورة: تفكيك -العقلانية الإيديولوجية- في إيران، من ...
- الدولة والثورة: تفكيك -العقلانية الإيديولوجية- في إيران، من ...
- الثورة والدولة: تفكيك -العقلانية الأيديولوجية- في إيران من ا ...
- حول مشاركة الشيوعيين كتنظيم وأفراد في الطقوس الدينية والمجتم ...
- من فخ الأوهام إلى غرناطة الحديثة
- في محراب العبث


المزيد.....




- نزع السلاح: الفرق بين لبنان والعراق
- الذكرى 88 لتأسيس الأممية الرابعة: ملف
- فعاليات تقديم برنامج حزب التقدم والاشتراكية للحكومة 2027–203 ...
- الليبراليون يقتربون من دخول البرلمان والفارق يتقلّص بين اليم ...
- برنامج حزب التقدم والاشتراكية للحكومة 2027–2031
- بيان الأممية الرابعة: لا لنهب الولايات المتحدة لنفط فنزويلا! ...
- السودان: تصاعد حركة الجماهير واسترداد مسار التغيير
- أوروبا.. المهاجرون يدفعون الثمن واليمين المتطرف يستثمر الأزم ...
- Brussels Festival Gathers Voices of Resistance to US-NATO Im ...
- Thieving Matters: the Trump-Venezuela Oil Steal


المزيد.....

- الردود والتعقيبات على كتاب حزب العمال - الجزء الثالث/ 3 / بشير صقر
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر (الحلق ... / بشير صقر
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر (الحلق ... / بشير صقر
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ... / بشير صقر
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ... / بشير صقر
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر (الحلق ... / بشير صقر
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ... / بشير صقر
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ... / بشير صقر
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ... / بشير صقر
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر الموجة ... / بشير صقر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التحزب والتنظيم , الحوار , التفاعل و اقرار السياسات في الاحزاب والمنظمات اليسارية والديمقراطية - حميد كوره جي - سكرتارية الحزب والجمود: نحو قيادة شبكية في العصر الرقمي 2