أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حميد كوره جي - المعطف (Pälsen) للكاتب السويدي يلمار سودربيرغ














المزيد.....

المعطف (Pälsen) للكاتب السويدي يلمار سودربيرغ


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 13:06
المحور: الادب والفن
    


المعطف (Pälsen)
تأليف: يلمار سودربيرغ

ترجمة: حميد كوره جي

كان الشتاءُ في ذلك العام قارصاً وقارضاً، كأنه نصلٌ يمرُّ على الرقاب. كان الناسُ ينكمشون في معاطفهم حتى صاروا أشباحاً رماديةً باهتة، وكان الدكتور "هينريك هيرتز" أكثرهم ضآلةً وشحوباً. سار في شارع المدينة الرئيسي بجسدٍ هزيل وثيابٍ رثّة، والبردُ ينهشُ في كرامته قبل عظامه. لم يكن يرتجفُ من الصقيع فحسب، بل من ثقل الفشل الذي ينوء به صدره المعتلّ بسُعالٍ لا ينقطع.
وفي غمرة انكساره، اعترض طريقه صديقُ الصبا "ريتشارد فورتمان". كان فورتمان يتجلّى في الطرقات كطاووسٍ يرفلُ في النعيم؛ بجسدٍ ممتلئ وعينين يشعّان بالظفر، يلفُّ قامتَه معطفٌ فاخرٌ من فرو الذئاب، ينمُّ عن ثراءٍ فاحشٍ وسطوةٍ لا تُهزم.
صاح فورتمان بهلعٍ مصطنع: "ويحكَ يا هينريك! ما الذي فعله الزمانُ بوجهك؟ تبدو وكأنك بُعثتَ من رماد القبور! لابد لك من دثارٍ يسترُ وهنك. خذ، استعر معطفي هذا لهذه الليلة، فأنا ذاهبٌ لحفلٍ تنكريّ ولا حاجة لي به، وتلحّف بدفئه لعله يطردُ عنك مسّ هذا الصقيع."
تردد هيرتز لحظة، لكنَّ قرصة البرد كانت أمضى من كبريائه. وما إن دلف جسده الضامر داخل الفراء الوثير، حتى سرى في عروقه تيارٌ من سحرٍ عجيب. لم يعد "هيرتز" ذاك الطبيب المنبوذ؛ بل استقام ظهره، وارتفعت هامته، وامتلأت نفسه بخيلاءٍ لم يعهده. صار يطأ الأرض بثبات، ويرمقُ المارّة بنظرةِ الندّ، وهم يردّون عليه بنظرات التقدير، واهمين بأنَّ تحت هذا الفراء رجلاً ذا شأنٍ عظيم.
وفي غمرة هذا الزهو العابر، تاقت نفسه لزوجته "إيلين". أراد أن يحمل إليها شذرةً من هذا الوقار المستعار، ليريها أنه لا يزال رجلاً يليقُ بأحلامها. دخل بيته مع الغسق، وتسلل إلى الردهة بخطواتٍ ناعمة يغمرها كبرياءُ المعطف الجديد.
كانت "إيلين" تقفُ أمام النافذة، تتأملُ سواد الليل المطبق. وحين سمعت وقع الأقدام وأبصرت في العتمة خيال ذلك المعطف المهيب، انتفضت كأنما لمستها جذوةُ نار. لم تكن ترى زوجها، بل رأت "ريتشارد فورتمان"؛ عشيقها الذي تقتاتُ على انتظاره.
ارتمت بين أحضان الفراء بلهفةٍ محزونة، وألصقت وجهها بنعومة الذئب وهمست بصوتٍ يقطرُ لوعةً وشوقاً:
— "ريتشارد! يا حبيبي، أوافيتم الموعد؟ هينريك المسكين قد خرج لتوّه، ولن يعود قبل سويعاتٍ طوال!"
في تلك اللحظة، توقف الزمن في عروق هينريك. جمدت الدماءُ في عروقه، وتحول دفءُ الفراء إلى غلافٍ من جليدٍ يطبقُ على أنفاسه. سقط القناع، وانهار العالمُ فوق رأسه في تلك الغرفة المظلمة. أدرك الآن سرّ السخاء، وسرّ صمت زوجته، وسرّ ذلّه المقيم.
قال بصوتٍ واهن، كأنه حشرجةٌ تخرجُ من بئرٍ عميق:
— "كلا يا إيلين.. لستُ ريتشارد، أنا هينريك."
خلع معطفه ببطء شديد، كمن يسلخ جلده. وضعه إلى جانبٍ، وتحول إلى ذلك الرجل الصغير، الشاحب، بلونه الرمادي. في تلك الليلة، أحس ببردٍ لم تستطع كل بقاع الأرض إخماد ناره المتقدة في نفسه المحطمة.


* يلمار سودربري (Hjalmar Söderberg، 1869 - 1941) كاتب وصحفي وناقد أدبي سويدي يُعد أحد أبرز أعلام الأدب السويدي الحديث وأستاذ النثر النفسي في مطلع القرن العشرين. تميزت أعماله بالعمق الفلسفي، والنزعة التشكيكية، والأسلوب الساخر والمقتضب الذي يغوص في تعقيدات النفس البشرية، الأخلاق، والعزلة الإنسانية. أبرز أعماله هي روايته الشهيرة «الدكتور غلاس» (Doktor Glas، 1905) التي تتناول معضلة القتل الرحيم والأخلاق النسبية، ور رواية «لعبة الجدية» (Den allvarsamma leken، 1912) التي تُعد من أعظم روايات الحب الكلاسيكية في الأدب السويدي. و يُعرف بقدرته الفذة على رسم تفاصيل الحياة اليومية في ستوكهولم بأسلوب بليغ وموجز، مستكشفاً صراع الفرد مع الأعراف الاجتماعية والدين.



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلام الحكومات وحقوق الشعوب
- كيف أمكن للنظام القمعي أن يشجع الشعر الأكثر راديكالية ونقداً ...
- غورباتشوف أم نابليون؟
- من الاستبداد الأيديولوجي إلى البراغماتية الأمنية
- إشكالية قراءة ماركس بين العلم والأيديولوجيا
- تشكيل صورة كارل ماركس عبر الزمن
- مخيّم الآمال العظمى
- من طبقة النومنكلاتورا إلى الأوليغارشية
- قانون الإصلاح الزراعي وتدمير الزراعة
- مرايا الغبار المتمرد
- ما وراء هرمز
- من -الزمهرير- إلى -القيظ-
- الدولة والثورة: تفكيك -العقلانية الإيديولوجية- في إيران، من ...
- الدولة والثورة: تفكيك -العقلانية الإيديولوجية- في إيران، من ...
- الثورة والدولة: تفكيك -العقلانية الأيديولوجية- في إيران من ا ...
- حول مشاركة الشيوعيين كتنظيم وأفراد في الطقوس الدينية والمجتم ...
- من فخ الأوهام إلى غرناطة الحديثة
- في محراب العبث
- هل الإنسان ذئبٌ لأخيه؟
- قراءة في الاقتصاد السياسي لليبيا القذافي مقارنة بالنموذج الس ...


المزيد.....




- بوتين يؤكد أهمية الإعلام في تعزيز الوحدة الوطنية ونشر القيم ...
- التعليم العالي: جامعة الملك سلمان الدولية تنظم ورشة «اكتشف ا ...
- -سباسات أغسطس-.. ثلاثة أعياد بطعم العسل والتفاح والجوز في رو ...
- رحيل أيقونة البولكا.. وفاة الفنانة اليابانية يايوي كوساما عن ...
- مهرجان التراث الإسلامي بكالغاري.. احتفاء بالتنوع وردّ حضاري ...
- أسرة أحمد السقا تكشف حقيقة زواجه الجديد
- الدفاع الروسية تعلق على فيديو زيلينسكي المزيف باقتباس من فيل ...
- حملة المليون كتاب.. لبنان يتمسك بذاكرته في مواجهة التدمير ال ...
- نقل الفنان المصري بيومي فؤاد للمستشفى
- اليابان: رحيل يايوي كوساما... الفنانة التي حوّلت عالمها الدا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حميد كوره جي - المعطف (Pälsen) للكاتب السويدي يلمار سودربيرغ