|
|
آرثر ميلر: نقيض الخرافة الستالينية, -شعب سعيد!- 126
طلال الربيعي
الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 01:10
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
هذه هي الحلقة 126 من سلسلة "التحليل النفسي وتطبيقاته المعرفية". ------- آرثر ميلر بين نقد التحليل النفسي واستخدامه: قراءة في موت بائع متجول وجميع أبنائي في ضوء كاروث وماسلو
من هو آرثر ميلر؟ آرثر ميلر (1915-2005) هو أهم كاتب مسرحي أمريكي في القرن العشرين بعد يوجين أونيل. اشتهر بثلاث مسرحيات كبرى: جميع أبنائي All My Sons (1947) عن فضيحة أسلحة فاسدة، موت بائع متجول Death of a Salesman (1949) الحائزة على جائزة بوليتزر عن انهيار الحلم الأمريكي، و البوتقة The Crucible (1953) التي كتبها كاستعارة مباشرة لمحاكمات لجنة السناتور جوزيف ماكارثي التي اتهمته بالشيوعية وحاكمته وسجنته عام 1957 قبل أن تبرئه المحكمة العليا. كان ميلر يسارياً وناشطاً في نادي القلم الدولي PEN، وعُرف بمواقفه التي جعلته ضمير أمريكا ما بعد الحرب.
المقدمة: التحليل النفسي مجال هائل يعد مجال التحليل النفسي مجالاً هائلاً لدراسة الأعمال الأدبية وخاصة في نوع الصدمات النفسية. زودت المنظرة الأمريكية كاثي كاروث (1955- أستاذة أدب مقارن في جامعة كورنيل، من أبرز مؤسسي نظرية الصدمة Trauma Theory في التسعينيات، تأثرت بفرويد وبول دي مان (1919-1983 - ناقد أدبي بلجيكي-أمريكي من رواد التفكيكية في جامعة ييل، اشتهر بنظرية العمى والبصيرة)). نظريات التحليل النفسي بخصوص اضطراب ما بعد الصدمة PTSD تركز على أن الصدمة لا تُستوعب لحظياً بل تعود بعد فترة كمون عبر آليات دفاعية كالهلوسة والارتداد الزمني . عينة هذه الدراسة هي مسرحيتا ميلر الكبريان، بهدف استكشاف العوامل المحفزة لسلوك الشخصيات أثناء سعيها للحفاظ على الاستقرار النفسي وسط الفوضى العائلية، باستخدام هرم ماسلو أيضاً.
ما هو هرم ماسلو؟ وضعه عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو عام 1943 لترتيب حاجات الإنسان. الهرم من خمس طبقات: 1- الفسيولوجية (أكل، نوم)، 2- الأمن (عمل، بيت)، 3- الحب والانتماء (أسرة، أصدقاء، انتماء لحزب)، 4- احترام الذات (كرامة)، 5- تحقيق الذات (أن يصبح الإنسان ما يستطيع أن يكونه حتى بالتضحية). لا يصل الإنسان للقمة إلا إذا أُشبعت القاعدة، وهذا ما نراه في صراع شخصيات ميلر.
1. ميلر وريث إبسن: مسرح الفاجعة الاجتماعية يُصنف ميلر إلى جانب إدوارد ألبي وتنيسي وليامز كورثة للحداثة المسرحية الأمريكية لأونيل وكليفورد أوديتس، ساروا جميعاً على خطى النرويجي هنريك إبسن والروسي أنطون تشيخوف في ابتداع مسرح واقعي يفضح الرياء الاجتماعي ويكشف زيف الأحلام الوردية.
مسرحية كلهم أبنائي كانت ثاني محاولاته بعد فشل الأولى الرجل الذي تحقق له الحظ كله التي فضل نسيانها. كُتبت بتأثير من البطة البرية لإبسن الذي اعترف ميلر دائماً أنه أستاذه، وتدور حول فضيحة منتجات عسكرية فاسدة تورط فيها صناعيون وضباط. ولدت الفكرة من خبر صحافي لفتت نظره إليه حماته، فكتبها في أسابيع غير عابئ باستشراء اليمين. عُرضت 328 عرضاً متتالياً في برودواي بين 1947-1949 من إخراج إيليا كازان نفسه، قبل القطيعة الشهيرة بينهما عندما وشى كازان به أمام لجنة ماكارثي. وهذا ما يجعل مسرحية ميلر تتقاطع مباشرة مع الأدب العربي، وتحديداً مع ما كشفه إحسان عبد القدوس في معالجته لفضيحة *الأسلحة الفاسدة* التي أرسلها القصر إلى الجيش المصري في حرب 1948. ففي النصين معاً، الجريمة واحدة: تاجر أو مصنع يبيع قطع غيار طائرات معطوبة (عند ميلر) أو أسلحة فاسدة (عند عبد القدوس) للجيش وهو يعلم أنها ستقتل أبناء وطنه. جو كيلر يقول "للوطن" بينما يرسل أبناءه للموت، تماماً كما فعل تجار القصر. ولذا فإن كريس كيلر في المسرحية يقوم بنفس الدور الأخلاقي الذي قام به إحسان نفسه كصحفي: كشف أن كل الجنود الذين ماتوا هم "كلهم أبنائي".
خصوصية ميلر هي التركيز على علاقة الأب بالأبناء، القطيعة بين الفرد والمجتمع، والمجابهة بين القانون الأخلاقي والقانون المؤسساتي. وينتهي هذا الصراع بطريق مسدود لا يُعبر إلا بالانتحار، مما جعله كاتب مسرح الفاجعة بامتياز، حتى ولو كان في نقده يقف في خط خوض الصراع بدلاً من الركون إلى اليأس.
وهنا يجب التوضيح كي لا يُساء فهمي ويُقال إني أعتنق السوداوية: هذا الصراع الذي ينتهي بالانتحار قد يبدو سوداوياً ولا يقدم حلولاً للواقع، وقد ينتقدني البعض بأني أقدم الانتحار كبديل لسعادة ستالينية. وهذا فهم خاطئ تماماً لمشروع ميلر. الانتحار عند ميلر ليس دعوة سوداوية ولا حلاً يقدمه للواقع، بل هو لحظة الوعي التراجيدي anagnorisis على الطريقة الأرسطية. البطل لا ينتحر ليهرب من التعاسة إلى سعادة موهومة، بل ينتحر لأنه لأول مرة يرى الحقيقة كاملة، ويرفض أن يعيش كذبته السابقة. انتحار لاري وجو وويلي ليس بديلاً، بل هو فاتورة أخلاقية يدفعها الفرد حين ينهار النظام الأخلاقي الذي بنى عليه حياته. الحل عند ميلر ليس في الموت، بل في شجاعة الأحياء – كريس وآن وبيف – الذين يبقون أحياء ليحملوا عبء الحقيقة ويبدأوا من جديد بدون أوهام. فالموت هو ثمن الحقيقة، أما الحل فهو الحياة بالحقيقة. وهذا يقودنا إلى تناقض بنيوي ينسف تسمية الحزب الشيوعي العراقي لنفسه بـ "حزب الشهداء". فإذا كان الموت عند ميلر هو ثمن الحقيقة الذي يدفعه الفرد مرة واحدة لكي يحيا الآخرون بالحقيقة، فإن الحزب حوّل الموت نفسه إلى هوية ومشروع دائم. أن يسمي نفسه حزب الشهداء يعني أنه اختار أن يكون حزب الأموات لا حزب الأحياء، حزب المقبرة لا حزب الحياة. وهذا نقيض تام لحل ميلر. وهنا يلتقي التحليل النفسي بالسياسي: الناس لا تنتخب حزباً يقدس الموت بدل الحياة، ولا تصوت لحزب واقع في عشق رومانسي مع الموت، مع غريزة الموت Todestrieb. إن عبادة الشهادة كطقس دائم هي تعبير سياسي عن التمتع المؤلم jouissance الذي حللناه عند ويلي لومان: تكرار قهري لنفس الفعل المدمر مع علم مسبق بنتيجته. وهذا ما يفسر سبب تكرار الحزب لأخطائه، لأن غريزة الموت كما حددها فرويد عام 1920 هي بالتعريف تكرار قهري Repetition Compulsion. وإذا كان ويلي يكرر فشله في البيع، فإن الحزب يكرر فشله الانتخابي بنفس الآلية اللاشعورية. وهذا ما يفسر تراجع جماهيرية الحزب وفشله الانتخابي المريع مؤخراً: الناخب العراقي الذي يعيش الموت اليومي لا يريد من يقدس الموت، بل من يعده بالحياة بالحقيقة. فمن يعشق الموت لا يمكن أن يمنح الحياة، وهذا ما يسميه المحلل النفسي الماركسي إريك فروم (1900-1980) في كتابه _قلب الإنسان_ بـ النيكروفيليا Necrophilia، أي عشق الموت والانجذاب إلى كل ما هو ميت وميكانيكي ومتحجر، مقابل البيوفليا Biophilia، أي حب الحياة والانجذاب إلى كل ما هو حي ونامٍ ومتحول. ميلر هو كاتب البيوفليا بامتياز، بينما تحولت التسمية"حزب الشهداء" إلى تجسيد للنيكروفيليا السياسية.
2. أسلحة فاسدة - الصدفة العربية الأمريكية للوهلة الأولى يفاجئنا نحن القراء العرب ذلك التزامن بين كلهم أبنائي وحملة الصحافي المصري الشاب إحسان عبد القدوس ضد فضيحة الأسلحة الفاسدة التي ارتبطت بهزيمة القوات المصرية في حرب فلسطين 1948 وأدت لثورة الضباط الأحرار. فمسرحية ميلر التي كتبها قبل أشهر من حملة عبد القدوس تدور حول نفس الموضوع: مصنع يبيع قطع طائرات فاسدة للجيش. جاءت المسرحيتان لتفرملا الشعور بالرضا عن الذات وتكشفا أن الحلم، الأمريكي أو القومي، تحول إلى كابوس.
3. موقف ميلر النقدي من التحليل النفسي رغم استخدامه لتكنيك الارتداد الفني flashback الذي يشبه جلسة التحليل، رفض ميلر جوهر التحليل النفسي التقليدي لأربعة أسباب: أ- رفض تحويل المعاناة إلى مرض، وقال عام 1963 إن أعظم الحقائق الإنسانية خرجت من رحم المعاناة، والتحليل يريد تجفيف هذا المنبع. ب- نقد السعادة الممسوحة دماغياً ووصفها بـ "lobotomized happiness"، سعادة بلا ذاكرة ولا ألم. ج- اعتبر التحليل جزءاً من هوس التحكم والقوة في المجتمع الأمريكي. وهنا يشير ميلر الى التحليل الفسي على الطريقة الامريكية المسمى ego psychology الذي يسعى لتحويل النفس الى ادة فعالة لخدمة المشروع الراسمالي, او تحقيق السعادة كما يعدنابها الحلم الامريكي (الذي يقتضي ان نكون نياما لنحلمه) بدل ان يكون اداة لتحقيق النفس المتكاملة whole (وليس الكاملة perfect بموجب النسخة الامريكية) والاصيلة authentic. د- دمج النفسي بالاجتماعي: أزمة ويلي لومان ليست عقدة أوديب داخلية فقط بل نتاج مجتمع يطلب المستحيل ويقيس قيمة الإنسان بآخر مبيعاته how much you own is your worth- وهذا قد يكون احد اهم اسباب تكالب حكام العراق بعد الاحتلال على اكتناز الاموال بطرق شرعية او غير شرعبة لتبنيهم مبدأ الرأسمالية الحالية في ان قيمة الانسان هي مقدار ثروته المادية. وهذا بالطبع يناقض مفاهيم الحداثة التي ارسى اسسها الفيلسوف عمانؤيل كانط. الخلل هيكلي وبنيوي وليس اخلاقيا يمكن معالجته بمعاقبة هذا الشخص او ذاك كما تفعل السلطات العراقية الآن لذر الرماد في العيون وتصوير الأمر وكأنه مخالفات قانونية فردية وليس تعبيرا عن بنية فاسدة ومنخورة ومن الوهم تماما الاعتقاد انها قادرة على اصلاح نفسها بنفسها لأن قوانين رأس المال تفعل فعلها بشكل آلي وبمعزل عن الافراد, ولذا لا يمكن تعطيل هذه الآلية من خلال اجراءات فردية. ان قانونية الرأسمال حتمية حالها حال قانون الجاذبية. وبما انه لا يمكن تعطيل قانون الجاذبية فانه لا يمكن تعطيل قوانين رأس المال من خلال محاولة اصلاح النظام لنفسه. الرأسمالية تتغذى على العدمية وانعدام القيم
https://www.facebook.com/reel/944006454813836
وتغذي انانية البشر
facebook.com/reel/1350741816485419/?mibextid=rS40aB7S9Ucbxw6v
كما يشهد واقع العراق الأن.
هذا الموقف يفسر صراع ميلر مع ماكارثي: رفض أن يُملى عليه ما يجب أن يفكر به سياسياً، تماماً كما رفض أن يُملي المحلل على المريض كيف يجب أن يكون سعيداً.
4. التحليل الأول: موت بائع متجول عبر كاثي كاروث PTSD والتكرار القهري كمتعة jouissance تُظهر المسرحية أعراض اضطراب ما بعد الصدمة حسب كاروث بشكل نموذجي: - التأخر والكمون Latency: صدمة خيانته لزوجته أمام ابنه بيف في فندق بوسطن عام 1928 لم تظهر نتائجها المدمرة إلا بعد 14 سنة، حين انهار بيف وترك الجامعة. الصدمة حسب كاروث هي unclaimed experience، تجربة غير مُطالب بها لحظياً. - التكرار القهري Repetition: ويلي يعيد نفس المشاهد يومياً، يتحدث مع أخيه المتخيل بن، يعيد حسابات عمولاته التي لا تنتهي، يعيد قصة بيع أخيه لألاسكا.
ولا يمكن فهم هذا التكرار القهري إلا في ضوء ما سماه فرويد في 1920 في كتابه ما وراء مبدأ اللذة Beyond the Pleasure Principle بغريزة الموت Todestrieb / Death Drive، وما طوره تلميذه لاكان لاحقاً بمفهوم التمتع jouissance. فويلي لا يكرر مشهد بوسطن لأنه يتلذذ به pleasure، بل لأنه عالق في تمتع مؤلم painful enjoyment يتجاوز مبدأ اللذة ويقترب من الألم. هذا هو جوهر الـ jouissance عند لاكان: لذة مؤلمة، تمسك بالعَرَض رغم أنه يدمر صاحبه. هذا التكرار هو محاولة فاشلة للسيطرة بأثر رجعي Nachträglichkeit على صدمة لم تُستوعب لحظياً، لكنه في نفس الوقت هو ما يمنح ويلي هويته الوحيدة المتبقية: "أنا بائع عظيم ومحبوب". أن يتوقف عن التكرار يعني أن يعترف بأنه ليس كذلك، وهذا موت رمزي أشد من الموت البيولوجي نفسه. وهكذا يصبح العرض symptom هو السند الوحيد للذات، ويصبح تدمير الذات هو الشكل الوحيد لتحقيق الذات.
- الهلوسة والارتداد الزمني: المسرحية كلها ارتجاع flashback، الماضي يقتحم الحاضر فجأة بلا استئذان في المطبخ، تماماً كما تصف كاروث عودة الصدمة. - تدمير الذات: انتحاره عبر حادث سيارة للحصول على تأمين (20 ألف دولار) ليس حلاً اقتصادياً بل تكفير أوديبي وتحقيق نهائي لمبدأ التمتع المؤلم: يدمر نفسه ليثبت لابنه أنه شخص مهم أخيراً وأن موته يساوي شيئاً.
بيف أيضاً يعاني صدمة الاكتشاف، وهي الصدمة التي تجعله يفشل في كل وظيفة لأنه لا يريد أن يصبح مثل أبيه الكاذب، وهذا أيضاً تكرار قهري مضاد.
5. التحليل الثاني: جميع أبنائي عبر هرم ماسلو وفقاً للدراسات المنشورة في WJFH، تمثل شخصيات المسرحية مستويات هرم ماسلو الخمسة: - جو كيلر (الحاجات الفسيولوجية والأمن): برر بيع قطع فاسدة للجيش بأنه يحمي مصنعه وعائلته. الأمن المادي أهم من القانون الأخلاقي. - كيت كيلر (الحب والانتماء): إنكارها لموت ابنها لاري ليس عناداً بل آلية دفاع نفسي Defense Mechanism حسب فرويد. إذا اعترفت بموته، ينهار تماسك الأسرة كله. - كريس وآن (احترام الذات وتحقيق الذات): كريس ينهار احترامه لذاته عندما يكتشف أن أباه مجرم حرب تسبب بموت 21 طياراً. وآن تصل لتحقيق الذات عبر قول الحقيقة حتى لو دمرت العائلة. - جورج ولاري (ذنب الناجين Survivor Guilt): جورج يدفع الثمن عن شراكة أبيه، ولاري ينتحر بطائرته بعد اكتشافه فساد أبيه، تكفيراً عن ذنب الأب ومقتل رفاقه بقطع فاسدة. هذه هي الذروة التراجيدية.
6. من يدفع الثمن؟ خلال أيام قليلة تنهار العائلة. يريد كريس وآن من كيت أن تقتنع أن لاري لن يعود، لكن عنادها يهدد التناغم المبني على تضحية الطيار. الرسالة المتأخرة من لاري تكشف أن اكتشافه فساد أبيه هو ما دفعه للانتحار. هنا يلتقي ماسلو وكاروث: لاري يصل لقمة الهرم بالتضحية بالنفس من أجل الحقيقة، ويموت بصدمة جماعية، تماماً كما سيموت ويلي لاحقاً.
الخاتمة: وعد العبودية لا وعد السعادة ونقيض الخرافة الستالينية لم يكن ميلر يخوض مغامرة حين كتب كلهم أبنائي، فالنجاح كان مضموناً لكاتب يعرف كيف يدنو من موضوعاته ويحملها أفكاراً تعتمل في أذهان الأمريكيين في زمن فقدان البراءة. وبالفعل تحقق هذا خلال عقود جعلته ضميراً أمريكياً من نوع جديد، يرفض التحليل النفسي (الأمريكي) كأداة للسيطرة، ويستخدمه كأداة لكشف كيف يدمر الحلم الأمريكي النفس البشرية. وكان مصارعاً حتى آخر حياته، حين انسحب بصخب من لقاء نادي القلم في تركيا احتجاجاً على القمع، بنفس الطريقة التي جابه بها ماكارثي، مؤمناً حتى النهاية بحرية اختيار الفرد لمصيره.
إن نقد ميلر للسعادة الممسوحة دماغياً هو نقيض فلسفي كامل لشعار "وطن حر وشعب سعيد"، الشعار الرسمي للحزب الشيوعي العراقي منذ 1944 الذي رفعه يوسف سلمان يوسف (فهد).
الشعار يحول الشعب و السعادة إلى كلمتين مجردتين ساكنتين، وهو ما يسميه الفيلسوف وايتهيد مغالطة التجسيد الخاطئ Fallacy of Misplaced Concreteness، وضد ديالكتيك ماركس الذي يرى التاريخ حركة وتناقضاً وصراعاً طبقياً حياً وليس حالة ساكنة. الشعار يصبح كأمر imperative: كونوا سعداء! وينسجم مع أمر النيوليبرالية بأن السعادة واجب، ومع موقف ستالين الذي اعتبر الاكتئاب مرضاً برجوازياً لأن المواطن لا يحق له أن يكون تعيساً في جنة الشيوعية، فكان المريض يعاقب بدل أن يعالج.
بهذا يحيل الشعار الشعب إلى أطفال تمارس الطليعة وصايتها عليهم، علاقة patronising متعالية. إنه لا يوفر وعد السعادة بل وعد العبودية: تخلوا عن ألمكم وحريتكم وذاكرتكم وسنمنحكم سعادة جاهزة من الحزب. ما فرق هذا الوعد بتحقيق السعادة عن وعد الدين بتحقيقها عندما يصبح الدين افيونا للشعوب على حد قول ماركس؟
أما موقف ميلر الناضج non-patronising فيحترم حق جو وويلي ولاري حتى في اختيار تعاستهم بحرية. فالسعادة عنده ليست حالة تُمنح من حزب أو معالج، بل نتيجة مؤلمة لمواجهة الحقيقة وحرية الاختيار.
والذي يرفض نقد السعادة الممنوحة خوفاً على قدسية الشعار، يثبت دون أن يدري أنه يمارس البنية الستالينية ذاتها: الولاء للشعار أهم من الولاء للحقيقة. وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي هي جوهر هذا البحث: الحزب الشيوعي العراقي يعلن أنه يعتنق الماركسية التي هي نظرية علمية، نظرية نقدية تدرس الواقع المادي المتحرك وتناقضاته، ولكن شعاره المركزي هو خرافة ونقيض للماركسية كعلم وليس كخرافة. فالماركسية كعلم تحلل الشقاء الطبقي وتفسره، أما الخرافة فتأمر به أن يختفي بالأمر والشعار.
فشعار "شعب سعيد" الذي رفع منذ 1944 كوعد بالتحرر، قد أصبح في واقع الحال، إذا نظرنا إلى الكوارث التي يمر بها العراق الآن من فساد وطائفية وتهجير وفقر وانهيار منظومات التعليم والصحة، شعاراً معكوساً: شعب تعيس يردد سعادة ممنوحة لا وجود لها، بينما واقعه هو الشقاء الحر الذي رفض ميلر أن يمسحه من ذاكرة الإنسان، لأن مسح الشقاء هو مسح للإنسان نفسه.
المراجع: Caruth, C. (1996). Unclaimed Experience: Trauma, Narrative, and History. Johns Hopkins. Freud, S. (1920). Beyond the Pleasure Principle Lacan, J. (1977). The Four Fundamental Concepts of Psychoanalysis. Maslow, A. (1943). A Theory of Human Motivation Miller, A. (1947). All My Sons. Miller, A. (1949). Death of a Salesman
#طلال_الربيعي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العراق: من غريزة الموت لدى نظام صدام إلى متعة الشكوى 125
-
الزواج كعلاقة نفسية! 124
-
التحليل النفسي وعلم الأعصاب الحديث 123
-
التزامن: يونغ, كتاب التغيرات, وعلم الرنين المورفي 122
-
*ديمقراطية العراق السوداء: تشريح الموت الرمزي*
-
التحليل النفسي وفيزياء الكم 120
-
التحليل النفسي وتطبيقاته المعرفية 119
-
التحليل النفسي وفيزياء الكم 118
-
التحليل النفسي وفيزياء الكم 117
-
التحليل النفسي وفيزياء الكم 116
-
التحليل النفسي وفيزياء الكم 115
-
الماركسية، العلم، ودراسات العلوم 4
-
الماركسية، العلم، ودراسات العلوم 3
-
الماركسية، العلم، ودراسات العلوم 2
-
الماركسية، العلم، ودراسات العلوم 1
-
الاغتراب الانساني بين الماركسية والتحليل النفسي 114
-
ابستين, وساد كنذير للفاشية!
-
اليس شر ديارنا اكبر بما لا يقاس من شر ابستين؟
-
تشومسكي، إبستين، وهندسة مناعة النخبة
-
-المواطن كين- ونرجسية قيادات شيوعية 113
المزيد.....
-
-سيبوا عائلتي في حالها-.. أحمد سعد يؤكد متانة علاقته بزوجته
...
-
مسؤول أمني إيراني يرد على ترامب عبر RT: لا آلية مستدامة للمل
...
-
أسبوع على الحسم.. لولا وبولسونارو في سباق متقارب على رئاسة ا
...
-
شاهد: احتجاجات حاشدة في مدريد بسبب إخلاء -ماريكارمن- وأزمة ا
...
-
إخوان سوريا يرفضون التقسيم ويدعون إلى التعددية السياسية ومسا
...
-
نائب سويسري يقر بفوز مؤيدي الحرب في الاستفتاء
-
ناجون من اعتداءات جنسية لرجال دين فرنسيين يشيدون بلقائهم مع
...
-
القناة 12 العبرية: نتنياهو يزور أبو ظبي ويلتقي الرئيس الإمار
...
-
مصر ليست إسرائيل.. قائد عسكري مصري سابق يفسر قرار السيسي عن
...
-
حيلة احتيالية صادمة.. الذكاء الاصطناعي ينتحل شخصيات محاربي ا
...
المزيد.....
-
من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية
/ غازي الصوراني
-
التطوع الرقمى
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
العمل التطوعى نماذج وتطبيقات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
الطبيعة والتقليد
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده
/ علي مجيد
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
المزيد.....
|