أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حميد كوره جي - مرثية الطبقة الوسطى وانكماش الرهان المدني في العراق














المزيد.....

مرثية الطبقة الوسطى وانكماش الرهان المدني في العراق


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 22:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


رحيل نصير الجادرجي: مرثية الطبقة الوسطى وانكماش الرهان المدني في العراق

يغيب نصير الجادرجي، لا كرمز سياسي ينتمي إلى مرحلة تأسيسية فحسب، بل كإشارة دالة على الأفول التدريجي لطبقة وسطى عراقية طالما شكلت العصب الحيوي للثقافة والفكر والدولة المدنية. بوفاته تتكثف صورة الختام لجيل راهن على القانون والمؤسسات والهوية العابرة للهويات الضيقة، لينتهي مساره بالتوازي مع تحولات هيكلية حادة جرفت الحوامل الاجتماعية التي انتصبت عليها فكرة الدولة الحديثة في العراق.

ينتمي نصير الجادرجي إلى بيئة بغدادية أرستقراطية رفيعة تركت بصمتها في السجل السياسي والثقافي؛ فهو ابن كامل الجادرجي، أحد قادة الفكر الليبرالي ومؤسس "الحزب الوطني الديمقراطي" عام 1946، وشقيق المعماري رفعة الجادرجي. انطلق نصير من هذه الخلفية ليخوض مسيرته المهنية عبر بوابة القضاء والمحاماة لعقود، ملتزماً بخط يعتمد الوسائل السلمية والأطر القانونية، ومبتعداً عن الخطابات الراديكالية التي هيمنت على قطاعات واسعة من المشهد السياسي العراقي.

وعقب تحولات عام 2003، سعى الجادرجي إلى إعادة تجديد "الحزب الوطني الديمقراطي" لاستعادة تقاليد الثلاثينيات والأربعينيات. شارك في مجلس الحكم، وساهم في صياغة "قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية" والدستور الدائم، كما عمل عبر "مؤتمر القوى الوطنية والديمقراطية" على تشكيل تكتل مدني يوازن القوى الدينية والقومية المتصاعدة. غير أن البيئة الجديدة القائمة على المحاصصة والتمويل المالي السياسي حاصرت هذا الرهان، لتبدأ التجربة بالانكفاء قبل رحيل رموزها.
واجهت محاولات إحياء التيار المدني في العراق تحديات متعددة، لم تقتصر فقط على النفوذ السياسي للسلطة الجديدة، بل شملت أيضًا تراكمات أزمات طويلة أصابت المجتمع. فقد تركت الحروب المتعددة، مثل الحرب العراقية-الإيرانية وحرب الخليج، إضافة إلى العقوبات الاقتصادية بين عامي 1980 و2003، أثراً بالغاً على الاقتصاد العراقي من خلال عسكرة مفاصل الحياة وتبديد الطاقات الشابة والكوادر الأكاديمية. كما أثرت العقوبات الاقتصادية بشكل جوهري على الشرائح المتعلمة والطبقة الوسطى من معلمين وأطباء وموظفين ومحامين، حيث حولتهم من التركيز على الفاعلية السياسية إلى السعي لضمان البقاء في ظل صعوبات المعيشة، مما أدى إلى موجات هجرة الكفاءات.

ومع تقهقر دور الدولة في توفير الحماية والخدمات خلال سنوات الحصار وما بعدها، لجأ الأفراد إلى الاعتماد على الأعراف التقليدية كالقبيلة والطائفة والمنطقة لضمان استقرارهم الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما أضعف الأساس الجماهيري للأحزاب ذات الأطر البرنامجية.

بعد عام 2003، ترسخ نظام يقوم على المحاصصة والتوظيف الحزبي، مما حول مفهوم المواطنة إلى فكرة نظرية بدل أن تكون ممارسة حقيقية أمام قنوات النفوذ والخدمات التي تديرها القوى المسيطرة.

لقد قضت عقود الحكم العسكري والحزب الواحد بين عامي 1958 و2003 على فرصة انتقال وتجدد التقاليد الحزبية والمدنية عبر الأجيال، حيث تحولت الأفكار الليبرالية والمدنية لدى البعض إلى مجرد مرجعيات تاريخية بدلاً من أدوات نضالية يومية.

حاليًا، يواجه الليبراليون في العراق تحديات تشتيت أكبر كونهم شخصيات ثقافية وفكرية متفرقة تفتقر إلى كيان حزبي موحد أو مؤسسات إعلامية ومصادر تمويل ثابتة. هذا يفسر كيف يُنظر إليهم كنخب فردية مستقلة أكثر من كونهم حركة منظمة تتمتع بثقل انتخابي بارز.

بفقدان نصير الجادرجي، اختتمت مرحلة بارزة من تاريخ الأحزاب المدنية التقليدية التي انطلقت في منتصف القرن العشرين. ورغم تعقيدات الساحة السياسية الحديثة وتراجع بعض التجارب التنظيمية، لا تزال قيم المواطنة ودولة القانون، التي دافع عنها الجادرجي، تُلهِم الحركات الاحتجاجية والشبابية المعاصرة بوسائل جديدة تتوافق مع التطورات الحالية في العراق. لكن العقبات الهيكلية، مثل تآكل الطبقة الوسطى بسبب الحروب الطويلة والحصار والفساد الاقتصادي، ما زالت تحول دون توفير قاعدة اجتماعية قوية لدعم الفكر المدني في البلاد.

مالمو
2026-09-12



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- استراتيجية الغياب كبديل للشرعية التقليدية
- سكرتارية الحزب والجمود: نحو قيادة شبكية في العصر الرقمي 2
- سكرتارية الحزب والجمود: ضرورة القيادة الشبكية في العصر الرقم ...
- المعطف (Pälsen) للكاتب السويدي يلمار سودربيرغ
- سلام الحكومات وحقوق الشعوب
- كيف أمكن للنظام القمعي أن يشجع الشعر الأكثر راديكالية ونقداً ...
- غورباتشوف أم نابليون؟
- من الاستبداد الأيديولوجي إلى البراغماتية الأمنية
- إشكالية قراءة ماركس بين العلم والأيديولوجيا
- تشكيل صورة كارل ماركس عبر الزمن
- مخيّم الآمال العظمى
- من طبقة النومنكلاتورا إلى الأوليغارشية
- قانون الإصلاح الزراعي وتدمير الزراعة
- مرايا الغبار المتمرد
- ما وراء هرمز
- من -الزمهرير- إلى -القيظ-
- الدولة والثورة: تفكيك -العقلانية الإيديولوجية- في إيران، من ...
- الدولة والثورة: تفكيك -العقلانية الإيديولوجية- في إيران، من ...
- الثورة والدولة: تفكيك -العقلانية الأيديولوجية- في إيران من ا ...
- حول مشاركة الشيوعيين كتنظيم وأفراد في الطقوس الدينية والمجتم ...


المزيد.....




- خط -شرق غرب-.. حقيقة فيديو -لحظة شن هجمات من العراق على أناب ...
- العراق يعلن إجراءات أمنية عقب استهداف خط أنابيب النفط في الس ...
- أوروبا.. فجوة عسكرية مقارنة مع موسكو
- عون يؤكد من النبطية الوقوف مع الجنوب
- تقرير: تصعيد ضد الأسيرات الفلسطينيات
- مجموعة بريكس - كيف تشكلت وما أهدافها؟
- ترامب يهدد بفرض رسوم إضافية على الدول التي ستتبنى سياسات بري ...
- دول -بريكس- تتجاوز خلافاتها حول الحرب في الشرق الأوسط
- -نفس- .. حراك جديد جمع المختلفين وأعاد الزخم إلى الشارع التو ...
- -أود رؤية إيرلندا موحدة-.. ترامب يثير جدلا سياسيا صاخبا في ل ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حميد كوره جي - مرثية الطبقة الوسطى وانكماش الرهان المدني في العراق