أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة سلعنة الأدب : قراءة في حادثة بوعطور وفا .














المزيد.....

مقامة سلعنة الأدب : قراءة في حادثة بوعطور وفا .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8851 - 2026 / 10 / 7 - 13:42
المحور: الادب والفن
    


الأديبة بوعطور وفا نشرت حوارا عبر تطبيق الماسنجر مع شخص أماراتي عرض عليها شراء كتبها مقابل ان تنام معه ويعطيها 15000 دولار , فردت عليه بثبات : (( معذرة .. كبريائي اللغوي العربي الحر يأبى علي النوم مع خصاة العقول )) , ثم أعقبت ذلك بمنشور : (( إماراتيّ يقتني كلّ كتبي , كم أنا محظوظة النّهدين )) , ولتحليل الحادثة وأبعادها النفسية والأدبية والاجتماعية , نجد انها تتجاوز كونها مجرد (( محادثة شخصية )) حدثت عبر منصات التواصل , إذ إنها تكشف عن تقاطع معقد بين الفن , والمال , والسلطة الذكورية , وكرامة الأديب في المشهد الثقافي العربي المعاصر.

تأخذنا هذه الواقعة , بكل تفاصيلها الدقيقة ولغتها الحادة والصادمة , إلى تفكيك طبقات عميقة من الأزمة الثقافية والاجتماعية في العالم العربي المعاصر , إنها ليست مجرد محادثة (( عابرة )) في رسائل الخاص Messenger , بل هي مستنسخ مكثّف يختزل العلاقات الشائكة بين السلطة المالية , والجسد الأُنثوي , والفعل الإبداعي , والفضاء الرقمي المفتوح , والموقف المنشور يعكس سلعنة للأدب وتحقير للمنتج الثقافي , وينطوي على نظرة بعض أصحاب المال إلى المنتج الأدبي والثقافي باعتباره مجرد غطاء أو مدخل لصفقات جسدية , والرمزية هنا صارخة , العرض المنشور (( 15,000 دولار وشراء الكُتب )) يحاول تحويل الأدب من قيمة فكرية وروحية إلى مادة للمقايضة الجسدية , مما يمثل إهانة صريحة للكاتب وللفعل الأدبي برُمته.

إشكالية (( السُّلعنة )) وتشييء الثقافة , حيث تعتمد الرأسمالية الطفيلية في كثير من صورها على فكرة أن (( كل شيء يعاد تسعيره وشرائه )) , وفي هذا الموقف تحويل الكتاب إلى غطاء , فلم يكن العرض المالي المغري (( 15,000 دولار وشراء كل النسخ )) اهتماماً حقيقياً بالمنتج الفكري أو الأدبي , بل كان استخداماً للفعل الأدبي كـ (( ستار )) أو شرعنة شكلية لمحاولة السيطرة الجسدية , وإهانة القيمة الأدبية عندما يُربط شراء المنجز الأدبي بشرط ممارسات شخصية أو جسدية , يتنزل العمل الفني من مرتبته القيمية والجمالية إلى مجرد (( وسيلة للوصول للجسد )) , وهو أقصى أشكال التشييء للكاتبة وللفكر.

نلاحظ لغة الرد بين الصدمة والمواجهة - البلاغة التفكيكية - باستخدام الأديبة لألفاظ حادة ومباشرة في ردها الأول , بما يمثل صدمة لغوية مقصودة هدفها كسر التعالي المالي بإهانة مقابلية , فالرد الأولي اعتمد على نقل المعركة من الجسد إلى العقل والكرامة , حيث وُصف الطرف الآخر بـ (( خصيّ العقل )) أو (( ضئيل الفكر )) للتقليل من شأن القوة المالية التي يحاول السيطرة بها , والعبارة التهكمية الثانية : (( إماراتيّ يقتني كلّ كتبي , كم أنا محظوظة النّهدين)) , تعتمد الأديبة هنا على (( السخرية السوداء )) , هي لا تتفاخر , بل تفضح اختزال القارئ/المشتري للمنتج الفكري في الجسد , وتكشف السطحية التي يُتعامل بها مع الأديبات في بعض الأوساط.

إن نشر المحادثة على الملأ يمثل تحولاً في سلوك الكُتّاب والمبدعين تجاه التحرش أو الاستغلال في فضاء التواصل الاجتماعي وإعادة تعريف (( العلن والسر )) , وكسر الصمت بالانتقال من الكتمان إلى الفضح العلني بما يجرّد الطرف المبتزّ من سلطة المال والسرية , والاستعراض الأدبي بتحويل الإهانة الفردية إلى مادة للنقد الاجتماعي والتهكم العام عبر المنشورات الشبكية.

في العقود الماضية , كانت مثل هذه المساومات تتم في (( الكواليس )) المغلقة وتُقابل إما بالصمت أو بالانسحاب المتكتم للكاتبة خوفاً من النظرة الاجتماعية , أما في عصر شبكات التواصل الاجتماعي , فقد حل الفضاء الرقمي وكسر جدار الصمت وتحول الزر الخاص للدخول الى الفضح التكتيكي وإلى مسرح مكشوف , فالنشر العلني يجرّد الطرف الممتلك للمال من حصانته السرية , ويحول الاستغلال الفردي إلى (( قضية رأي عام )) , وتم إعادة توزيع السلطة حيث لا يملك الأديب قوة مالية , لكنه يملك (( سلطة البيان )) و(( جمهور المتابعين )) , واستخدام هذه السلطة يُحدث توازناً للرعب , حيث يُصدم صاحب المال بأن ثروته لا تحميه من التعرية الفكرية والأخلاقية أمام الجمهور.

تلقي هذه الواقعة الضوء على المعاناة المركبة التي تواجهها المرأة المبدعة في العالم العربي , والصورة النمطية للكاتبة العربية في المخيال الجمعي , فكثيراً ما يُنظر إلى نجاح الكاتبة أو انتشار كتبها بعين الريبة , أو الشكيك في المنجز , وكأن النجاح لا يُبنى على الجودة الفكرية بل على العلاقات أو الجاذبية الشكليّة , وكذلك الاستهانة بالاستقلالية عند محاولة شراء المنجز بالكامل (( 15,000 دولار )) بما يعكس افتراضاً بأن الكاتب العربي - وخاصة الكاتبة - يعيش ضائقة مالية دائمة تجعله قابلاً للمساومة والبيع بمجرد لوح المشتري بأرقام كبيرة.

تشكل الواقعة صرخة احتجاج بليغة وساخرة في وجه (( أولغارشية المال )) التي تظن أن الفكر والجسد والكرامة أسباب قابلة للشراء والاستحواذ في سوق المزاد المفتوح , وتسلط الضوء على إشكالية الصورة النمطية للأديبة العربية , والمعاناة المستمرة للكاتبات والنساء في المجال العام , حيث يُنظر في كثير من الأحيان إلى إنتاجهن أو أجسادهن كهدف للاستغلال المالي , بدلاً من التعامل معهن كقامات فكرية تُقيم بناءً على منجزها الأدبي والفلسفي , والخلاصة ان الواقعة هي مواجهة صريحة بين سطوة المال وأنفة الكلمة , ورغم حدة الألفاظ المستخدمة والتي قد تثير جدلاً حول لغة التعبير , إلا أن الدوافع الهادفة لفضح السلعنة والانتصار للكرامة الأدبية تبدو هي المحرك الأساسي لهذه الصياغات.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة النهنهة : قراءة في المشهدية الوجدانية عند مظفر النواب ...
- مقامة المجاز العاري من الخوف : حوارية الثورة على تابوهات الل ...
- مقامة المعاناة .
- مقامة هديل على شرفة الحنين : شجن الشبابيك العتيقة .
- مقامة اعادة البرمجة : تقرير طبي لحالة (( عشق مستعصٍ )) على ا ...
- مقامة ساكن الغيوم .
- مقامة التأويل .
- مقامة معجزة الكُمرة وإيراق الصندل : عندما يُحيي العشقُ الموا ...
- مقامة لغة أكلوني البراغيث : لغة النون.. بين الاستقراء القرآن ...
- مقامة قرأت فتدبرت .
- مقامة الأبريق و العصفور.
- مقامة أمرأة مقتضبة .
- مقامة المكان: سلطان الأرض واغتراب الجغرافيا من (( طريق التبغ ...
- مقامة المعتدة .
- مقامة الإيروتيكية كفعل تمرد : المانيفستو الأنثوي في شعر أمان ...
- مقامة الكحل المغشوش .
- مقامة شظايا العرين المأزوم : قانون (( سلخ الحي )) في حكاية ت ...
- مقامة حكمة العاهر العظيمة : كيف تُنقذ نصيحة سيدوري العراق ال ...
- مقامة فيروز حرامية ؟ سحر الصوت خارج حدود الزمان .
- مقامة الظل الظليل وتِرْيَاقُ الخَافِقَيْن : عَلَى حَافَةِ ال ...


المزيد.....




- بوتين: اللغة الروسية أسهمت في تشكيل روسيا كدولة موحدة متعددة ...
- سارتر وديلان وباسترناك.. أبرز فضائح جائزة نوبل الأدبية
- ماجدة موريس موريس تكتب :نحن.. والأوبرا
- غلافه من البرونز بتوقيع -سلفادور دالي-.. سرقة كتاب لا يقدر ب ...
- شريك رئيسي بفعالية -تايم 100 آرت-.. مؤسسة قطر تعيد إرث مقبول ...
- لمواجهة طوفان -نازا-.. الجيش الإسرائيلي يدافع عن روايته بفيل ...
- وزير الثقافة: اجتماع حلف مكة يؤسس لمحور إقليمي جديد واستعادة ...
- نجل الفنان الراحل نضال سيجري يعلن قبوله في المعهد العالي للف ...
- بعد أزمة النجوم.. اعتذار جديد يهز حسابات مهرجان الموسيقى الع ...
- اللغة العربية في أتون الصراع الصهيوني العربي


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة سلعنة الأدب : قراءة في حادثة بوعطور وفا .