أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - نضالات الحركة التلاميذية في فرنسا















المزيد.....

نضالات الحركة التلاميذية في فرنسا


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 16:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من المدرسة إلى الأشكال الجديدة للنضال

بدأت التعبئة من احتجاجات محلية مرتبطة بنقص المدرسين وظروف الدراسة، قبل أن تنتقل بسرعة إلى مؤسسات أخرى، وتشير التقارير إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي لعبت دورا في انتشار الدعوات إلى إغلاق المؤسسات، عبر Snapchat وInstagram وTikTok وWhatsApp، كما انتقلت التعبئة من الثانويات إلى الجامعات، حيث انضمت نحو ثلاثين كلية إلى الاحتجاج في الأول من أكتوبر.
هذه هي الوقائع، أما دلالتها السياسية فتتجاوز مجرد استعمال الشباب للهاتف في الدعوة إلى التظاهر، فنحن أمام تحول في بنية الفعل الجماعي نفسه، لم تعد الحركة تبدأ بالضرورة من نقابة أو منظمة سياسية تمتلك جهازا مركزيا، ثم تصدر نداء يصل إلى القواعد، يمكن أن تبدأ من مؤسسة واحدة، ومن مجموعة صغيرة، ثم تنتشر أفقيا عبر الشبكات، قبل أن تجد نفسها في الشارع، وهذا ما ظهر في هذه التعبئة: نواة محلية في كريتاي، ثم انتقال سريع إلى مؤسسات أخرى، مع تداول مقاطع وفيديوهات ودعوات عبر المنصات الرقمية، وقد أشارت Le Monde إلى أن انتشار بعض المحتويات كان سريعا، وأن منشورات تتعلق بالاحتجاجات حصدت أعدادا كبيرة من المشاهدات خلال فترة قصيرة، هنا تظهر إحدى خصائص النضالات الجديدة: السرعة في الانتشار مقابل ضعف البنية التنظيمية.

فالشبكة تستطيع أن تفعل خلال ساعات ما كانت التنظيمات تحتاج إلى أيام أو أسابيع لفعله، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تعوض وظيفة التنظيم في بناء قرار جماعي مستقر، أو صياغة برنامج موحد، أو ضمان الاستمرارية، وهذا التناقض أساسي.

من التنظيم الهرمي إلى التنظيم الشبكي

الحركات الاجتماعية القديمة كانت تعتمد بدرجة كبيرة على الهياكل: النقابة، الحزب، الجمعية، اللجنة، الاجتماع، المنشور، والمسؤول التنظيمي.
أما الأجيال الجديدة فتتحرك بصورة أكثر مرونة، مجموعة على تطبيق، فيديو ينتشر، دعوة محلية تتحول إلى تحرك وطني، ثم يتغير شكل التعبئة من يوم إلى آخر، لا يعني ذلك أن التنظيم اختفى، بل إن مركزه تغير.

فالشارع لم يعد منفصلا عن الهاتف، والهاتف لم يعد مجرد وسيلة إعلام للحركة، بل أصبح جزءا من بنيتها التنظيمية: يعلن من خلاله مكان التجمع، وتنقل الصور، وتشرح المطالب، ويجري استدعاء الآخرين إلى الفعل.
لكن لهذه المرونة ثمنها أيضا، فالحركة التي تستطيع أن تنتشر بسرعة تستطيع كذلك أن تتشتت بسرعة، وحين لا توجد آليات لاتخاذ القرار، يمكن أن تتعدد المطالب، وتتغير الأولويات، وتصبح الصورة الرقمية أقوى من البناء السياسي الفعلي.

وهذا ما ظهر بالفعل في الحالة الفرنسية، فقد أشارت التقارير إلى أن المطالب اختلفت من ثانوية إلى أخرى، من نقص المدرسين والتجهيزات إلى قضايا تخص الجداول الدراسية والمطاعم المدرسية والهواتف.
إذن، الشبكة قادرة على خلق الحركة، لكنها لا تضمن وحدها اتجاهها.

الجيل الذي لا ينتظر المنظمة

هناك تحول آخر أكثر عمقا، الأجيال الجديدة لا تدخل بالضرورة إلى النضال من بوابة الانتماء السياسي أو النقابي، قد تدخل إليه من تجربة يومية مباشرة: أستاذ غائب، قسم مكتظ، مؤسسة متدهورة، ضغط دراسي، أو شعور بالتمييز، وهذا مهم طبقيا.
فالتلميذ لا يحتاج إلى أن يكون عضوا في تنظيم حتى يكتشف أن مدرسته تعاني نقصا لا تعانيه مدارس أخرى، التجربة اليومية نفسها تنتج المقارنة، والمقارنة تنتج الغضب، والغضب يجد في الشبكات وسيلة سريعة للعثور على آخرين يعيشون التجربة نفسها.
هنا يظهر شكل جديد من التكوين السياسي من الأسفل: لا يبدأ الوعي بالضرورة من التنظيم ثم يصل إلى التجربة؛ يمكن أن يبدأ من التجربة ثم يبحث عن التنظيم.
وهذا يفسر لماذا يمكن أن تكون الحركات الجديدة شديدة السرعة في بدايتها، لكنها تواجه سؤالا أصعب عندما يتجاوز الأمر لحظة الاحتجاج: ماذا بعد؟.

من الحظر إلى الانتشار

حتى شكل الاحتجاج نفسه يحمل دلالة، إغلاق بوابة الثانوية ليس إضرابا بالمعنى التقليدي، ولا هو مجرد مسيرة في الشارع، إنه تعطيل مباشر للمؤسسة التي تدور حولها المشكلة، وتحويل فضائها إلى ساحة سياسية، ثم ينتقل الفعل من مؤسسة إلى أخرى، وبهذا المعنى لا يعود المكان مجرد خلفية للاحتجاج، المكان نفسه يصبح أداة للنضال.
ثانوية تغلق، ثم تنتشر الصور فتغلق أخرى، ثم تلتحق جامعة، ثم يدخل المدرسون أو الموظفون في الإضراب، وهكذا يصبح الانتشار الأفقي جزءا من قوة الحركة.
وهذه إحدى سمات النضالات المعاصرة: قدرتها على ربط نقاط متباعدة دون أن تحتاج منذ البداية إلى مركز واحد يقودها كلها.

لكن هذا لا يلغي أهمية التنظيم التقليدي، على العكس كلما توسعت الحركة، ظهر السؤال الذي لا تستطيع الشبكات وحدها الإجابة عنه: من يتفاوض؟ من يحدد المطالب؟ كيف تتخذ القرارات؟ كيف تستمر الحركة عندما تتراجع حرارة الشارع؟

لحظة الالتقاء

الأهم في الحالة الفرنسية هو أن الاحتجاج لم يبق داخل حدود الثانوية، فقد تزامن مع تحركات في القطاع العام ضد مشروع الميزانية، ثم بدأت الجامعات تلتحق به.

هنا يصبح الحديث عن «الأشكال الجديدة» أكثر من مسألة تقنية، فالتحدي الحقيقي هو: هل تستطيع الشبكات الجديدة أن تخلق جسورا بين فئات اجتماعية مختلفة؟
التلميذ، الطالب، المدرس، الموظف، والعامل لا يعيشون الوضع نفسه، ولا يملكون المطالب نفسها، لكنهم يستطيعون أن يلتقوا حول قضايا محددة: التعليم العمومي، الموارد، الأجور، ظروف العمل، والخدمات الاجتماعية.
إذا حدث هذا الالتقاء، فإن الحركة تنتقل من مجرد انتشار أفقي للمعلومات إلى بناء تضامن اجتماعي، أما إذا بقيت كل فئة تتحرك داخل فضائها، فقد تكون الحركة قوية في لحظة معينة لكنها تظل مجزأة، وهنا تكمن المسألة التنظيمية الجديدة: ليس المطلوب بالضرورة العودة إلى النموذج القديم للحزب أو النقابة، ولكن أيضا لا يمكن بناء قوة اجتماعية مستديمة على منطق الخوارزمية وحده.

من الفيروسية إلى التنظيم

الانتشار الفيروسي يستطيع أن يفتح الباب، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني حركة طويلة النفس، الفيديو قد يجمع مئات الآلاف من المشاهدات، والمنشور قد يحشد مئات الأشخاص، لكن الحركة الاجتماعية تحتاج في مرحلة معينة إلى اجتماع، ونقاش وانتخاب ممثلين، وتحديد مطالب وتنسيق بين المؤسسات، وربط المطالب المحلية بالمطالب العامة.
أي أنها تحتاج إلى تحويل سرعة الشبكة إلى ذاكرة تنظيمية، وهذا هو أحد أكبر التحديات أمام النضالات الجديدة: كيف تنتقل من «نحن غاضبون» إلى «نحن نعرف ما نريد، وكيف نتحرك، وكيف نقرر»؟
فالفرق بين احتجاج ينتشر واحتجاج يتحول إلى قوة اجتماعية ليس عدد المشاهدات، وإنما القدرة على إنتاج أشكال من التنظيم تظل قائمة بعد انطفاء اللحظة الرقمية.

التكنولوجيا غيرت شكل النضال، لكنها لم تلغ الصراع الاجتماعي

قد تبدو أدوات النضال جديدة، لكن الأسباب الاجتماعية ليست جديدة بالضرورة، الهاتف جديد والمنصات جديدة، وسرعة الانتشار جديدة؛ أما التفاوت في التعليم، وعدم المساواة في الموارد، والقلق بشأن المستقبل، والصراع حول الخدمات العمومية، فهي قضايا ترتبط ببنية المجتمع نفسها، لذلك من الخطأ اختزال هذه الحركات في أنها «جيل TikTok»، كما سيكون خطأ مقابلا أن نقرأها فقط بأدوات الحركات الطلابية القديمة.

إنها ظاهرة تقع بين عالمين: أدوات جديدة للنضال، داخل تناقضات اجتماعية قديمة ومتجددة.
ومن هنا تأتي أهمية الحركة الحالية، فهي لا تكشف فقط عن أزمة المدرسة الفرنسية، بل تكشف أيضا عن جيل يتعلم السياسة بطريقة مختلفة: عبر الشبكات، والفيديو، والتجمعات السريعة، والاحتجاج المباشر، والانتقال من قضية محلية إلى قضية وطنية.
لكن السؤال الذي سيحدد القيمة السياسية لهذه الأشكال الجديدة ليس قدرتها على الانتشار، بل قدرتها على تحويل الانتشار إلى تضامن، والتضامن إلى تنظيم، والتنظيم إلى قدرة اجتماعية على الاستمرار والتفاوض والتأثير.
عندها فقط يصبح ما يحدث أمام بوابات الثانويات أكثر من موجة احتجاج، يصبح مختبرا لأشكال جديدة من الفعل الجماعي، حيث لم يعد الشارع يبدأ من التنظيم فقط، ولم يعد التنظيم قادرا على الاستغناء عن الشارع، ولم تعد السياسة منفصلة عن الهاتف الذي يحملها من مدرسة إلى أخرى.
وفي هذا التداخل بين الشارع والشبكة، بين التجربة الفردية والغضب الجماعي، وبين الأشكال الجديدة والتناقضات الاجتماعية القديمة، يمكن فهم أحد أهم التحولات التي تعرفها الحركات الاجتماعية المعاصرة.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذين يمشون على أقدامهم والذين يزحفون على مواقفهم
- الفلاح المغربي المدافع عن العرش: حين تصبح البادية قاعدة لإعا ...
- إسحاق دويتشر وتروتسكي: بين إنقاذ الذاكرة واغتيال الصورة السي ...
- ليون تروتسكي: الثورة، الديمقراطية ومأزق السلطة في ذكرى اغتيا ...
- الرجل الضاحك: حين يصبح وجه الإنسان مرآة لمجتمع مشوه
- ابراهام السرفاتي: مسار مناضل وسؤال اليسار المغربي
- جيل Z: حين يطرق المستقبل أبواب اليسار
- دانييل بنسعيد: الماركسية بعد انهيار اليقين
- عبد المجيد بنخالي... الكلمة حين ترفض أن تتصالح مع الهزيمة
- فروغ فرخزاد: الشعر بوصفه مقاومة... والمرأة بوصفها سؤالا تاري ...
- فيكتور سيرج: الرواية متهمة ضد الطغيان
- جيل من الضباع: النيوليبرالية وصناعة الإنسان المفترس
- أنا الذي مشيتُ فوق الحطام ولم أصرخ
- -سجون نختار أن نعيش فيها-: تفكيك القفص الذي نحمله في رؤوسنا
- حين يصنع المجتمع جلاده: قراءة في رواية -نصف مواطن محترم- لها ...
- الحلم المشترك وصناعة الممكن
- وليمة لأعشاب البحر: الرواية بوصفها محاكمة للهزيمة
- وداعًا اسبارتاكوس: حين يرحل المتمرّدون ويبقى الأثر
- 20 يونيو: بين الذاكرة والاحتجاجات المؤجلة
- الانتخابات وبناء القوة الشعبية: أي سؤال لليسار في زمن التحول ...


المزيد.....




- باكستان تعلن عن موعد ومكان انعقاد الاجتماع الجديد لدول -اتفا ...
- مختبر متنقل للكشف عن إيبولا يقلص زمن تشخيص المرضى في الكونغو ...
- مغامر إستوني يمشي على حبل مشدود على ارتفاع 120 مترا فوق سيول ...
- اشتباكات بين طلاب فرنسيين والشرطة مع اتساع احتجاجات المدارس ...
- في ظل تصاعد التوتر مع الصين.. وصول أول مقاتلتين -إف-16 في- أ ...
- مصر تطرد دبلوماسيا إثيوبيّا -تطبيقا لمبدأ المعاملة بالمثل- و ...
- مطلب أممي من واشنطن.. عالجوا ضحايا تجاربكم النووية في جزر ما ...
- -شبكات-.. استهداف محطة كهرباء بالمدينة المنورة وأزمة الديزل ...
- بصر الطفل.. الكشف المبكر من أجل رؤية أفضل في المستقبل
- إعادة تشكيل البنتاغون.. إصلاحات هيغسيث بين تحديث الحرب وتفكي ...


المزيد.....

- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - نضالات الحركة التلاميذية في فرنسا