أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد بن علال - الذين يمشون على أقدامهم والذين يزحفون على مواقفهم














المزيد.....

الذين يمشون على أقدامهم والذين يزحفون على مواقفهم


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8839 - 2026 / 9 / 25 - 04:47
المحور: الادب والفن
    


«هناك نوعان من الكائنات الحية، أولئك ممن لديهم عمود فقري، وبالتالي يمشون وأحيانا يجرون، وآخرون لا فقاريون ممن يزحفون أو يعلقون».
قد تبدو العبارة للوهلة الأولى مجرد نكتة بيولوجية، لكن روزا لوكسمبورغ كانت تعرف أن الإنسان لا يقاس فقط بما يحمله جسده من عظام، وإنما بما يحمله موقفه من صلابة، فالعمود الفقري في السياسة ليس عظمة في الظهر، إنه الموقف حين يصبح للموقف ثمن، من السهل أن تكون ثوريا حين لا يطلب منك أحد شيئا، ومن السهل أن تكون ديمقراطيا حين لا تهدد الديمقراطية مصالحك، ومن السهل أن تتحدث عن الفقراء وأنت جالس في مكان آمن، بعيدا عن الفقر الذي تتحدث باسمه.
الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تطرق المصلحة بابك، هناك فجأة تتكاثر الكائنات اللافقارية، يصبح المبدأ قابلا للتفاوض، والقناعة قابلة لإعادة القراءة، والضمير قابلا للتأجيل، وحتى الثورة نفسها يمكن أن تدخل إلى «مرحلة انتقالية» طويلة جدا، خصوصا إذا كانت هذه المرحلة توفر لصاحبها مقعدا مريحا، وهكذا تتحول السياسة عند البعض، من صراع من أجل تغيير المجتمع إلى فن التكيف مع من يملك السلطة والثروة.
بالأمس كان الخطاب يتحدث عن الجماهير، اليوم يتحدث عن «الحوار»، وغدا إذا اقتضت الضرورة سيكتشف صاحبه فضيلة «التوافق»، وبعد غد سيشرح لنا أن ما حدث لم يكن تراجعا، بل «تطورا في الموقف»، والمضحك أن قاموس الانتهازية لا يعرف كلمة «انحناء»، إنه يسميه دائما باسم أكثر أناقة، يسميه واقعية، يسميه نضجا، يسميه براغماتية، يسميه قراءة جديدة للمرحلة، لكن جسد الفعل يبقى هو نفسه: الظهر ينحني.

في المجتمع الطبقي، لا يحتاج صاحب السلطة دائما إلى شراء الناس، يكفي أحيانا أن يجعل ثمن الاستقامة مرتفعا، وثمن الانحناء منخفضا، وهنا يبدأ الفرز الحقيقي، من يستطيع أن يقول «لا»؟ ومن يحتاج إلى أن يقول «نعم» كي يحافظ على وظيفته؟ من يملك ترف الدفاع عن قناعته؟ ومن أصبحت قناعته مرتبطة براتبه وموقعه وعلاقاته؟
لهذا فإن الحديث عن «الاستقلالية» بعيدا عن الظروف المادية للإنسان قد يتحول إلى مجرد وعظ أخلاقي، فالفقر لا يسلب الإنسان المال فقط، أحيانا يسلبه هامش المناورة، والسلطة لا تمنح الإنسان النفوذ فقط، أحيانا تمنحه قدرة هائلة على توزيع المكافآت والعقوبات، وبين الحاجة والامتياز، تبدأ عملية إنتاج الإنسان القابل للانحناء، ليس لأنه وُلد بلا عمود فقري، بل لأن المجتمع علمه أن العمود الفقري قد يكون مكلفا.

لكن الأخطر من اللافقاري الفردي هو اللافقارية الجماعية، حين يصبح الصمت جماعيا، لا يعود صمتا، وحين يصبح التراجع عادة جماعية، يتحول إلى خط سياسي.
وحين يتعلم جيل كامل أن النجاة أهم من الكرامة، فإن السلطة لا تحتاج إلى قمع الجميع، يكفي أن تترك الناس يراقبون بعضهم بعضا، عندها يصبح أكثر الناس قسوة على صاحب الموقف هو ذلك الذي سبق أن تنازل عن موقفه، لأنه يريد أن يقنع نفسه بأن الجميع يفعلون الشيء نفسه.
فالإنسان الذي باع مبدأه بثمن بخس يحتاج، كي لا يشعر بالخسارة، إلى إقناع الآخرين بأن المبادئ نفسها مجرد أوهام رومانسية، وهنا تصبح الاستقامة استفزازا، ويصبح المتمسك بموقفه «مراهقا سياسيا»، ويصبح الرافض للمساومة «غير واقعي»، ويصبح الذي لا يريد أن يصفق للمنتصر شخصا «معقدا»، كل شيء يصبح مقبولا... إلا أن يبقى الإنسان واقفا.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نفهم العمود الفقري بوصفه عنادا أعمى، فالاستقامة ليست رفضا دائما، والثبات على المبدأ لا يعني رفض التكتيك، السياسة تحتاج إلى المرونة، لكن هناك فرقا بين مرونة العقل ومرونة الضمير، الأولى فضيلة والثانية قد تكون بداية السقوط، يمكن للإنسان أن يغير رأيه لأنه اكتشف خطأه، يمكنه أن يراجع موقفه لأن الواقع تغير، يمكنه أن يتحالف مع من يختلف معه في بعض القضايا لأن هناك مصلحة مشتركة، لكن المشكلة تبدأ حين لا يعود السؤال: «ما الصحيح؟» بل: «ما الذي يفيدني؟» عندها يصبح المبدأ تابعا للمصلحة، والحقيقة تابعة للموقع، والموقف تابعا لمن يدفع الثمن.
ربما لهذا تبدو عبارة روزا لوكسمبورغ أكثر راهنية مما تبدو عليه، ففي كل مجتمع توجد كائنات تمشي وأخرى تزحف، لكن الفارق لا يظهر في الأيام العادية يظهر عندما تهب الريح.
عندما يصبح قول الحقيقة مكلفا، عندما يصبح الدفاع عن العامل أقل ربحا من التقرب من رب العمل، عندما يصبح الوقوف إلى جانب المظلوم أقل فائدة من الوقوف إلى جانب القوي، عندما يصبح الصمت طريقا للترقية، عندما يصبح التنازل عن المبدأ شرطا للبقاء في الصف.
هناك فقط نعرف من كان يمشي فعلا، ومن كان يتظاهر بالمشي، فالطريق لا يكشف معدن الأحذية فقط، إنه يكشف معدن الإنسان، وقد يسقط صاحب العمود الفقري، قد يخسر قد يهزم، قد يعود إلى بيته خالي اليدين، لكن هناك شيئًا واحدا لا يخسره: أن يستطيع، في المرآة، أن ينظر إلى نفسه دون أن يحتاج إلى تفسير طويل لسبب انحنائه،أما الذين قضوا أعمارهم في الانحناء، فقد يصلون إلى أعلى السلالم... لكنهم في الطريق، نسوا كيف يكون الوقوف.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفلاح المغربي المدافع عن العرش: حين تصبح البادية قاعدة لإعا ...
- إسحاق دويتشر وتروتسكي: بين إنقاذ الذاكرة واغتيال الصورة السي ...
- ليون تروتسكي: الثورة، الديمقراطية ومأزق السلطة في ذكرى اغتيا ...
- الرجل الضاحك: حين يصبح وجه الإنسان مرآة لمجتمع مشوه
- ابراهام السرفاتي: مسار مناضل وسؤال اليسار المغربي
- جيل Z: حين يطرق المستقبل أبواب اليسار
- دانييل بنسعيد: الماركسية بعد انهيار اليقين
- عبد المجيد بنخالي... الكلمة حين ترفض أن تتصالح مع الهزيمة
- فروغ فرخزاد: الشعر بوصفه مقاومة... والمرأة بوصفها سؤالا تاري ...
- فيكتور سيرج: الرواية متهمة ضد الطغيان
- جيل من الضباع: النيوليبرالية وصناعة الإنسان المفترس
- أنا الذي مشيتُ فوق الحطام ولم أصرخ
- -سجون نختار أن نعيش فيها-: تفكيك القفص الذي نحمله في رؤوسنا
- حين يصنع المجتمع جلاده: قراءة في رواية -نصف مواطن محترم- لها ...
- الحلم المشترك وصناعة الممكن
- وليمة لأعشاب البحر: الرواية بوصفها محاكمة للهزيمة
- وداعًا اسبارتاكوس: حين يرحل المتمرّدون ويبقى الأثر
- 20 يونيو: بين الذاكرة والاحتجاجات المؤجلة
- الانتخابات وبناء القوة الشعبية: أي سؤال لليسار في زمن التحول ...
- بين الواقعية السياسية والذيلية للإصلاحية ملاحظات في أطروحة « ...


المزيد.....




- -دبلة- شيرين عبد الوهاب تثير الجدل (فيديو)
- عبد الله إبراهيم.. السردية العربية جديرة بالاستنطاق.. و-المط ...
- جراحة فتق تحولت إلى كابوس.. القتل الرحيم ينهي معاناة الفنان ...
- سفارة دولة فلسطين تستضيف الثقافة البوسنية وتفتح أبوابها للمج ...
- معدات شحيحة وطموح بلا حدود.. طلاب غزة يتحدون الظروف لمواكبة ...
- مهرجان الموسيقى العربية يحمل اسم هاني شاكر.. ودرع تكريمه يثي ...
- مهرجان نيويورك يفتح أبوابه أمام -نازا- وأفلام -كان- وفينيسيا ...
- بعد غضب إسرائيل.. مخرجا -نازا- يتيحان الفيلم مجانا عبر الإنت ...
- إسرائيل: بعد شطب قائمتين عربيتين.. هل يغيب التمثيل العربي عن ...
- -سويوزمولتفيلم- يحتفل بتسعين عاما.. أفلام روسية تعبر الحدود ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد بن علال - الذين يمشون على أقدامهم والذين يزحفون على مواقفهم