|
|
حصاد الكراهية شهادة شاملة للتاريخ
مدحت قلادة
الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 09:36
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
شهادة للتاريخ، أمام الله وأمام الضمير الإنساني.
أكتب هذه الشهادة لأن ما نراه ليس مجرد حوادث إرهابية متفرقة، بل حصاد متكرر لفكر يجعل الاختلاف الديني سببًا للتمييز والإقصاء، ثم يحوله عند أقصى درجاته إلى قتل واستعباد وتدمير.
وحتى لا تبقى الكلمات مجرد انطباعات، أضع أمام القارئ وقائع موثقة، ثم أطرح السؤال الذي أراه جوهريًا: من أين تأتي الفكرة التي تجعل قتل الإنسان بسبب هويته الدينية أمرًا مشروعًا؟
الفصل الأول: السجل الدموي
1 ـ ذبح الأقباط في ليبيا ـ فبراير 2015
في فبراير 2015 نشر تنظيم داعش تسجيلًا مصورًا لإعدام 21 مصريًا مسيحيًا في ليبيا، بعد اختطافهم في سرت.
لم يكن انتماؤهم الديني تفصيلًا ثانويًا في الجريمة؛ كان جزءًا من سبب استهدافهم.
لقد قُتلوا لأنهم مسيحيون.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
كيف يتحول اختلاف العقيدة إلى مبرر لإهدار دم الإنسان؟
2 ـ سبايا الإيزيديات ـ أغسطس 2014
عندما اجتاح تنظيم داعش منطقة سنجار في العراق، تعرض الإيزيديون للقتل والتهجير والاختطاف والاستعباد.
ووثقت الأمم المتحدة اختطاف 6,417 إيزيديًا، بينهم نساء وفتيات تعرضن للاغتصاب والاستعباد الجنسي والبيع والنقل القسري.
ولم تكن هذه ممارسات فردية؛ فقد وثقت الأمم المتحدة وجود نظام منظم للاستعباد والعنف الجنسي، كما وثقت استخدام داعش لمبررات دينية لتسويغ هذه الممارسات.
هنا يصبح السؤال أكثر قسوة:
كيف استطاعت أفكار دينية قديمة أن تتحول في القرن الحادي والعشرين إلى مبرر لاستعباد النساء واغتصابهن وبيعهن؟
3 ـ تفجير الكنائس في مصر
في ديسمبر 2016 استُهدفت الكنيسة البطرسية بالقاهرة، وقُتل عشرات المصلين.
وفي أحد الشعانين، 9 أبريل 2017، استُهدفت كنيستا مار جرجس في طنطا والمرقسية في الإسكندرية، فسقط عشرات القتلى والجرحى.
لم يكن الضحايا مقاتلين.
كانوا مصلين.
وكانوا داخل دور عبادتهم.
وهكذا تحولت الهوية الدينية ومكان العبادة إلى هدف للقتل.
4 ـ حادثة فلاي دبي FZ1073 ـ 30 سبتمبر 2026
في 30 سبتمبر 2026 تعرضت رحلة فلاي دبي FZ1073 المتجهة من دبي إلى تل أبيب لحادث خطير داخل قمرة القيادة، بعدما هاجم مساعد الطيار قائد الطائرة، ما أدى إلى هبوط حاد للطائرة قبل السيطرة على الموقف وهبوطها في السعودية.
وكان على متن الطائرة 172 شخصًا.
ووصفت السلطات الإسرائيلية الواقعة بأنها محاولة لإسقاط الطائرة، فيما بقي الدافع النهائي قيد التحقيق في التقارير المنشورة اليوم.
ولذلك أضع هذه الواقعة في سجل الأحداث مع التحفظ على الدافع إلى أن يكتمل التحقيق.
لكن السؤال الذي تفرضه الواقعة واضح:
إلى أي مدى يمكن أن يصل العنف عندما ينتقل من الشارع إلى قمرة قيادة طائرة مدنية؟
الفصل الثاني: عندما تصبح الجريمة منظومة
القانون الدولي يميز بين الجريمة الفردية وبين الجرائم التي تُرتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي على المدنيين.
وفي حالة الإيزيديين، خلص فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة إلى أن تنظيم داعش ارتكب جرائم قتل واسترقاق واغتصاب واضطهاد وغيرها من الجرائم، وخلص إلى أن الأفعال المرتكبة ضد الإيزيديين ترقى إلى الإبادة الجماعية.
وهذا يقودنا إلى نقطة أساسية:
الإرهاب لا يبدأ عند لحظة الانفجار.
هناك قبل الانفجار فكرة.
وقبل السكين عقيدة.
وقبل الجريمة خطاب يمنح القاتل تفسيرًا يبرر ما سيفعله.
ولهذا فإن محاربة الإرهاب بالسلاح والقانون ضرورة، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأعمق:
لماذا أصبح القتل في ذهن بعض الأشخاص فعلًا مشروعًا أو مقدسًا؟
الفصل الثالث: من الاختلاف إلى التكفير
المشكلة تبدأ عندما تتحول العقيدة إلى معيار لتحديد قيمة الإنسان.
أنا أملك الحقيقة.
أنت تملك الباطل.
أنا على طريق الله.
أنت ضال.
ثم تأتي الخطوة الأخطر:
إذا كان الآخر باطلًا، فلا بد من إزالة الباطل.
هنا يتحول الاختلاف من قضية إيمان إلى قضية وجود.
ويصبح الإنسان الآخر ليس مجرد مختلف، بل عدوًا أو كافرًا أو مرتدًا.
وهذه النقلة هي التي تجعل العنف ممكنًا.
فالإنسان الذي يرى خصمه إنسانًا مثله يصعب عليه قتله.
أما عندما يتحول الخصم إلى «تصنيف» تجريدي، يصبح التخلص منه أسهل.
وهنا تكمن قوة الفكر التكفيري وخطورته.
الفصل الرابع: الجذر ـ الدين والتاريخ والمناهج
وهنا أصل إلى جوهر شهادتي.
أنا لا أرى أن داعش جاءت بكل أفكارها من فراغ.
لقد استندت إلى مفاهيم موجودة في التراث الفقهي، من بينها أحكام تتعلق بالردة والجهاد وأهل الكتاب والجزية والسبي وملك اليمين.
وقد أخذت داعش هذه المفاهيم وأعادت تركيبها داخل مشروعها السياسي والعسكري.
لذلك فإن السؤال ليس فقط:
ماذا فعلت داعش؟
بل:
على أي تراث فكري بنت خطابها؟
وهنا تأتي قضية المناهج.
إذا كان الطالب يقرأ أحكامًا تاريخية تتعلق بقتل المرتد أو السبي أو العلاقة مع غير المسلمين، ثم يتلقى هذه الأحكام دون شرح تاريخي ونقدي كافٍ، فمن الطبيعي أن يظهر سؤال خطير:
هل هذه أحكام تاريخية انتهى زمنها، أم قواعد دينية ما زالت صالحة للتطبيق؟
هذه النقطة لا يجوز تركها غامضة.
لأن الجماعات المتطرفة تستفيد من الغموض.
إنها تقول للشاب:
هذا موجود في كتبكم.
وهذا قاله فقهاؤكم.
وهذه أحكامكم.
ونحن فقط نطبقها.
يمكن رفض النتيجة التي وصلت إليها داعش، لكن رفض النتيجة وحده لا يكفي إذا بقيت الأصول التي تستند إليها خارج دائرة النقد.
لذلك أقول بوضوح:
المشكلة ليست في الإرهابي وحده، بل في الفكر الذي يستطيع الإرهابي أن يستخرج منه مبررًا دينيًا لجريمته.
الفصل الخامس: موقف الأزهر من تكفير داعش
وهنا تأتي واقعة لا يمكن تجاهلها.
في ديسمبر 2015 سُئل شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب عن موقف الأزهر من تكفير تنظيم داعش.
وكان رده أن الأزهر لا يحكم بالكفر على شخص ما دام يؤمن بالله واليوم الآخر، حتى لو ارتكب الفظائع.
وقال عن داعش تحديدًا:
«داعش لا أستطيع أن أكفرها، ولكن أحكم عليهم أنهم من المفسدين في الأرض».
ثم أوضح أن تكفير داعش يعني، وفق منطقه الفقهي، الوقوع في المنهج الذي ينتقده التنظيم نفسه عندما يكفّر مرتكب الكبيرة.
هذا الموقف موثق، وهو يطرح سؤالًا لا أرى أنه يجوز الهروب منه:
إذا كانت داعش نفسها تجعل التكفير أساسًا لمشروعها، فلماذا يبقى الحكم عليها داخل دائرة الإسلام، مهما بلغت جرائمها، ويُكتفى بوصفها بالإفساد والمحاربة؟
المسألة هنا ليست مجرد خلاف على مصطلح.
إنها تتعلق بحدود الانتماء الديني، وبالسؤال عن اللحظة التي يصبح فيها الفكر الذي يشرعن قتل الآخرين موضوعًا للمراجعة الجذرية.
وأنا أرى أن هذا السؤال يجب أن يُناقش علنًا، لا أن يُدفن خوفًا من الاتهام.
الفصل السادس: مسؤولية التعليم والخطاب الديني
لا يمكن فصل الإرهاب عن البيئة الفكرية التي ينمو فيها.
الطفل يتعلم.
والشاب يقرأ.
والإنسان يتلقى تفسيرًا للدين والتاريخ.
ومن هنا تأتي مسؤولية المؤسسات التي تمتلك سلطة التعليم والتوجيه.
إذا كانت هناك نصوص تاريخية تتحدث عن الردة والسبي والحرب وأحكام غير المسلمين، فلا يكفي أن تُحفظ وتُلقن.
يجب أن تُدرس باعتبارها نصوصًا تاريخية لها سياقاتها، وأن تخضع للنقد العلمي والأخلاقي.
وإذا كان هناك حكم فقهي لا يمكن قبوله اليوم لأنه يصطدم بحق الإنسان في الحرية والمساواة والحياة، فيجب أن تكون الإجابة صريحة:
هذا حكم تاريخي لا يجوز تحويله إلى قاعدة لقتل إنسان أو اضطهاده اليوم.
أما ترك المسألة معلقة، فهو يمنح المتطرف فرصة للقول:
أنا لا أفعل شيئًا جديدًا؛ أنا أطبق ما تعلمته.
وهنا تكمن مسؤولية المناهج
الفصل السابع: ماذا نريد؟
إذا أردنا مواجهة الإرهاب الديني فعلًا، فلا بد أن تكون المواجهة على مستويين:
مواجهة أمنية وقانونية لمن يرتكب الجريمة ويحرض عليها.
ومواجهة فكرية وتعليمية للأفكار التي تمنح الجريمة شرعيتها.
وهذا يعني:
* مراجعة المناهج التي تتناول التكفير والردة والسبي وعلاقة المسلم بغير المسلم. * تقديم النصوص الفقهية القديمة في سياقها التاريخي، لا باعتبارها قواعد تلقائية لكل زمان ومكان. * فتح باب النقد والبحث في التراث دون محرمات فكرية. * مواجهة خطاب التحريض والكراهية الدينية. * حماية الإنسان ودور العبادة بالقانون. * دراسة خطاب الجماعات المتطرفة ومصادرها الفكرية بدل الاكتفاء بدراسة عملياتها الأمنية.
فالهدف ليس تغيير اسم الإرهابي.
الهدف هو قطع الطريق الذي يصل من النص إلى التفسير، ومن التفسير إلى التكفير، ومن التكفير إلى التحريض، ومن التحريض إلى القتل.
بذرة الكراهية تبدأ من فكرة.
ثم تتحول إلى تصنيف.
ثم يصبح التصنيف تكفيرًا.
ثم يتحول التكفير إلى شرعية.
ثم تأتي الجريمة.
ذبح في ليبيا.
سبي واستعباد في سنجار.
تفجير داخل الكنائس في مصر.
وعنف يستهدف حتى المدنيين في وسائل النقل والطائرات.
هذه الوقائع لا تجعلني أطالب بالصمت.
بل تجعلني أطالب بالمزيد من الكلام.
بالمزيد من البحث.
بفتح الكتب.
بقراءة التاريخ كما هو.
وبطرح الأسئلة التي يخاف البعض من طرحها.
لن نوقف الإرهاب بمجرد اعتقال من حمل السلاح.
علينا أن نسأل أيضًا:
من أعطاه الفكرة؟
ومن منحه الشرعية؟
ومن علمه أن المختلف عنه أقل قيمة؟
ومن قال له إن قتل الإنسان يمكن أن يكون طاعة؟
هذه ليست أسئلة ضد إنسان.
إنها أسئلة ضد فكرة.
والفكرة التي تبرر قتل الإنسان يجب أن تخضع للنقد مهما كان مصدرها، ومهما كان عمرها، ومهما كانت مكانتها في التراث.
الإنسان أغلى من المذهب.
والحياة أقدس من أي فكرة تبرر قتلها.
هذه شهادتي للتاريخ.
#مدحت_قلادة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الثورة والانسان
-
الإرهاب لا يبدأ من الضغط على الزناد
-
الفائض الديني بين الإيمان وقيمة الإنسان
-
شعر بعنوان في بلادي
-
حينما يصبح الله ذريعة
-
الطرطرة على الشعب
-
كان الله في عون مصر: حين يصبح الفشل سياسة
-
حين يُدار الوطن بالجهل
-
حين تُهان جومانا… لا يُهان شخص، بل تُختبر إنسانية وطن
-
حين يصبح «انصر أخاك» سلاحًا ضد الآخر
-
مزرعة الحيوان شهادة في الاستبداد، والمنتفعين، وضحايا السلطة
-
شيخ الأزهر.. حين يتحول الحنين إلى زمن الغزو إلى خطاب ديني
-
عائد من الغربة
-
معايير الأخلاق في الشرق التعيس
-
حين يصبح الإيمان معركة والإنسان غنيمة
-
سويسرا… وطن الامتنان والإنسان
-
لذكاء الاجتماعي… عندما تصبح الإنسانية أسلوب حياة
-
العظمة حين تجسدت
-
المسلم الحائر !! بين ذاكرة التاريخ وسجن الأيديولوجيا
-
الإنسان أولًا حين تنتصر الرحمة على العقوبة
المزيد.....
-
شاهد.. آلاف الثعابين تجتاح بلدة كندية والسكان يجمعون العشرات
...
-
من جنسيته إلى ما حاول فعله.. ماذا نعلم عن الطيار المتهم بمها
...
-
مقاطع فيديو متداولة لـ-هجمات حوثية على منشآت نفطية شرق السعو
...
-
هل يمكن أن نثق بتحذيرات بيل غيتس من الذكاء الاصطناعي بعد علا
...
-
-سأكشف الحقيقة في الوقت المناسب-، كيف تفاعل الجمهور العربي م
...
-
الدفاع الروسية: قواتنا سيطرت على 3 بلدات في خاركوف وتواصل تح
...
-
نيجيري يحطم رقما قياسيا عالميا في مدة الرقص المتواصل
-
صوتك قد يكشف أسرارا عن الشيخوخة وصحة الدماغ
-
قاعدة بعشيقة.. -قلب نينوى العسكري- يعود إلى جسد العراق
-
سعر المسدس تضاعف 3 مرات.. لماذا تتلكأ كييف في تسوية النزاع م
...
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|