أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نايف سلوم - إيديولوجيا القومية العربية وتأسيس سوريا الحديثة















المزيد.....


إيديولوجيا القومية العربية وتأسيس سوريا الحديثة


نايف سلوم
كاتب وباحث وناقد وطبيب سوري

(Nayf Saloom)


الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 04:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يقول فيليب خوري في تصدير كتابه الهام "أعيان المدن والقومية العربية- سياسة دمشق 1860-1920": ما من فكرة سيطرت على مخيلة العرب أو عبّرت عن آمالهم في القرن العشرين كفكرة القومية العربية، وقد لا يكون موضوع استأثر كما استأثرت باهتمام المؤرخين في الشرق الأوسط. لكن بينما قام مؤرخون كثيرون باستكشاف مصادر القومية العربية فإن قليلين اهتموا بدراسة البيئة الاجتماعية والسياسية التي تطورت فيها هذه الفكرة لتصبح حركة أيديولوجية. وتحاول هذه الدراسة تصحيح هذا الخلل وسد هذه الثغرة" (ص 9) ويضيف: تركز الدراسة على الحياة الاجتماعية والسياسية في دمشق العثمانية، وبشكل أخص على عائلات كبار الاعيان في المدينة، والتي كان لهذه العائلات أن تلعب دوراً لا يتناسب مع حجمها في التفعيل السياسي لفكرة القومية العربية قبل الحرب العالمية الأولى". "إن الطبقة الاجتماعية تعي من خلال الأيديولوجية، وبواسطة نخبها المثقفة، مكانتها ووظيفتها في داخل بنية اجتماعية محددة، كما تعي دورها التاريخي، كطبقة مسيطرة ومهيمنة حاكمة. ومن خلال الأيديولوجيا، وبواسطة الحزب، تمارس طبقة من الطبقات الهيمنة على الطبقات الاجتماعية الأخرى" (راجع بيوتي: فكر غرامشي 179)
كان لثلاثة عوامل بعيدة المدى أن تشجع ظهور شبكات من العائلات النافذة محلياً في دمشق المتنافسة والمختلفة والمتمايزة اجتماعياً، لتكون طبقة عليا متماسكة هي:
1-إعادة التكوين العثماني أو ما سمي بـ "التنظيمات العثمانية". وهي سلسلة إصلاحات شاملة أطلقتها الدولة العثمانية بين عامي (1839 - 1876م) لتحديث ومركزة مؤسساتها العسكرية والإدارية والمالية والقضائية، هدفت هذه الاصلاحات إلى إنقاذ الإمبراطورية من التفكك وإرساء مبدأ "المواطنة" والمساواة أمام القانون لجميع رعايا الدولة بغض النظر عن العرق أو الدين.
في التفاصيل
عصر التنظيمات الخيرية (1839 - 1876م)، بدأ بـ "خط شريف كلخانة" (فرمان التنظيمات في قصر الزهور) عام 1839م، واستكمل بـ "الخط الهمايوني" (الخط السلطاني أو المرسوم الامبراطوري) عام 1856م. أُسست بموجبه محاكم مدنية، وقوانين تجارية، وأعيد تنظيم الجيش، وأُعلن عن المساواة في الضرائب والخدمة العسكرية.
عصر المشروطية (1876 - 1908م)، [مشروطية سلوك الحاكم بالدستور والبرلمان] شهد صدور أول دستور عثماني (القانون الأساسي) عام 1876م وتأسيس أول برلمان يمثل كافة ولايات الدولة، محولاً نظام الحكم إلى مَلَكية دستورية
أحدثت هذه الإصلاحات تغييرات جذرية في الهيكل الإداري، حيث تحولت الإمبراطورية من نظام "الإيالات" القديم إلى نظام "الولايات" الحديث، مما أثر بشكل مباشر على التقسيمات الإدارية في مناطق المشرق العربي.
يُمثل نظام الإيالة التقسيم الإداري الأقدم والأوسع للدولة العثمانية (بين القرنين الـ 16 والـ 19)، حيث تمتعت الأقاليم باستقلال ذاتي واسع. بينما حلّ نظام الولاية محلّه بعد "قانون الولايات" عام 1864، ليُطبق نظاماً إدارياً هرمياً ومركزياً دقيقاً، قسّم الأقاليم إلى مستويات أصغر (ألوية، أقضية، ونواحي).
2-التوسع الاقتصادي الأوروبي بفعل دينامية نمط الإنتاج الرأسمالي الجديد وتفوقه على الأنماط ما قبل الرأسمالية كالنمط الآسيوي ونظام الاقطاعات العسكرية و "الالتزام" العثماني والنظام الخراجي.
شهد القرن التاسع عشر تحولاً جذرياً في الاقتصاد الأوروبي بفضل الثورة الصناعية، حيث تحولت القوى الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) إلى أنظمة رأسمالية ضخمة، قاد هذا التوسع إلى بداية الاحتكار والامبريالية والاستعمار في الثلث الأخير من القرن المذكور. مدفوعاً بالحاجة الماسة إلى المواد الخام (القطن والمطاط)، وتصريف فائض الإنتاج، واستثمار رؤوس الأموال الفائضة في الخارج (في المستعمرات) كمصر والهند والجزائر.
عمل هذا التوسع الاقتصادي الأوروبي المترافق بنشاط تجاري واسع إلى تحول الزراعة في سوريا باتجاه التجارة مدمراً في طريقه "الاقتصاد الاسريّ" المكتفي ذاتياً، جارفاً شرائح واسعة من الفلاحين والتجار إلى السوق الرأسمالية الجديدة. يقول ألبرت حوراني (أستاذ خوري): ما من صورة للحياة السياسية لهذه الفترة يمكنها أن تكون كاملة من دون تحليل لدور القناصل الاوروبيين. وأضاف قائلاً: إن القناصل الاوروبيين في دمشق وحلب وبيروت وأماكن أخرى من سوريا كانوا يتصرفون في تلك الايام كأعيان، أي كوسطاء و "منظمين سياسيين" بين الدولة المركزية والمجتمع المحلي"
3-الطابو العثماني؛ وهو نظام تسجيل الأراضي وسندات الملكية الذي أقرته الدولة العثمانية عبر قانون الأراضي لعام 1858 وقانون الطابو لعام 1861، وهو الوثيقة القانونية المعتمدة رسمياً لإثبات حقوق الملكية والتصرف.
لقد قادت هذه التحولات الكبرى إلى إنتاج وتشكل طبقة جديدة من ملاك الأراضي -البيروقراطيين، في ظل سلطة عثمانية مركزية متزايدة النشاط، عبارة عن زعامة مدينية جديدة سيطرت على السياسة المحلية بعد عام 1860
يقول خوري: ستحاول هذه الدراسة وضع القومية العربية في بيئتها الاجتماعية والسياسية التي تطورت ضمنها في طفولتها. وهي دراسة تتركز على طبقة واحدة في مدينة واحدة هي دمشق. وفي رأيي (الكلام لخوري) أن دمشق قدمت حصة غير متناسبة من الأضواء الرئيسية الموجهة لنمو حركة القومية العربية في السنوات المبكرة من القرن العشرين، وأن أهم السياسيين القوميين في دمشق ظهروا من خلال طبقة واحدة في هذه المدينة. هذه الطبقة التي أسميها طبقة الملاكين-البيروقراطيين بدأت تتخذ لها شكلاً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتشكل شبكة جيدة التكامل، إلى حد كبير من العائلات صاحبة الأراضي والمناصب التي كان لها أن تنتج القيادة السياسية في دمشق ومدن سورية أخرى لأجيال عديدة.
وقبل النظر عن قرب أكثر إلى تشكل طبقة الملاك- البيروقراطيين في دمشق والقيادة السياسية التي أنتجتها هذه الطبقة، وإلى طبيعة هذه القيادة وسلوكها، واسهامها الأساسي في ترجمة فكرة العروبة إلى حركة سياسية في مطلع القرن العشرين، هناك سؤالان هامان يحتاجان إلى محاولة للإجابة عنهما.
أولاً، ما معنى مفهوم "طبقة" المستخدم في هذه الدراسة؟
ثانياً، لماذا تمكّن أفراد من طبقة الملاك –البيروقراطيين، دون أفراد من الطبقات الأخرى، من الحصول على مقاعد لهم في قمة الحياة السياسية في سوريا في القرن التاسع عشر جنباً إلى جنب مع ممثلي الحكومة العثمانية ومع مسؤولي القنصليات الأوروبية المتزايدي النشاط؟
في الإجابة على السؤال الأول، يعتمد خوري على أبحاث حنا بطاطو حول العراق والتي تبلورت كموسوعة في كتابه الضخم في ثلاثة مجلدات (العراق: 1-الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية" 2-الشيوعيون 3-الشيوعيون والبعثيون والضباط الاحرار). يقول خوري وهو يستشهد بكتاب بطاطو: "التحليل الطبقي ومجتمع العراق": بالطبع يعتمد بطاطو هنا على مفهوم كارل ماركس للطبقة. يضيف خوري: "بالاستناد إلى مفهوم حنّا بطاطو للطبقة فيما يتعلق بمجتمع عربي (مجتمع العراق) فإن الطبقة قبل كل شيء آخر، عبارة عن تشكيل اقتصادي الأساس وإن كان في النهاية يشير إلى الموقع الاجتماعي لمكونيها من الافراد والعائلات في مظاهره المتنوعة. ومن الواجب تعريف الطبقة من خلال ملكيتها أو –بدقة أكبر- من خلال علاقتها بوسائل الإنتاج. وأكثر من هذا، فإن وجود طبقة رئيسية يفترض وجود ما لا يقل عن طبقة أخرى ذات مجموعة مختلفة من العلاقات بوسائل الإنتاج. لكني أقبل مثل بطاطو، بما لا يقل عن مؤهلين اثنين آخرين. الأول، هو أن هناك ضمن كل طبقة رئيسية تباينات داخلية إلى درجة أن الطبقة يمكن أن تكون مؤلفة من تراتبية من الطبقات الفرعية (الفئات) تترابط بدورها، "فيما بينها كما لو كانت طبقات منفصلة"". يقول بيوتي: وحتى لو كان تحليل الثقافة يقوم قبل أي شيء آخر على تحليل الطبقات، فلا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار تلك الكثرة من أجزاء الطبقات وأقسامها حتى تأتي الصورة عن أيديولوجيا مجتمع من المجتمعات أقرب إلى الواقع وأكثر غنى" (جان مارك بيوتي: فكر غرامشي السياسي)
والثاني، هو أن وجود الطبقة لا يفترض مسبقاً احتياجها "عند كل نقطة، لفعل وجودها التاريخي للشعور بنفسها كوحدة.. ولا تحتاج لأن تكون جماعة منظمة مدركة لذاتها" فقد يكون سلوك أفراد الطبقة "مكيف طبقياً" فإن هؤلاء قد لا يمتلكون "وعياً طبقياً"
هذا الكلام ينطبق على الطبقات التي تمتلك وسائل الإنتاج الاجتماعي، بينما الامر يختلف مع الطبقات التي هي محرومة من هذه الملكية، والتي تحتاج أكثر من غيرها، عند كل نقطة، لأن تكون منظمة ومدركة لذاتها ولدورها التاريخي، حيث يلعب الوعي الطبقي والتنظيم السياسي دوراً حاسماً في وعيها لذاتها وانتصارها وفي إكمال تعريفها كطبقة.
*يكتب سعد الله ونوس في ملاحظة لبداية عمله المسرحي الهام "طقوس الإشارات والتحولات": "في الجزء الأول من مذكراته أورد المجاهد فخري البارودي حكاية صغيرة روى فيها كيف استعرّ (احتدم) الخلاف بين مفتي الشام ونقيب الاشراف في أيام الوالي العثماني راشد ناشد باشا (1866-1871)، وكيف تجاوز المفتي الخلاف الشخصي ومد يد العون للنقيب حين أوقع به قائد الدرك آنذاك وقبض عليه وهو يقصف مع خليلة له. هذه الحكاية هي النواة التي بنيتُ عليها هذه المسرحية، واستقيتُ منها معظم شخصياتها، وإن افترقت عن البارودي في التأويل والمغزى" (راجع كتابنا: مقالات في نقد الادب: 181-182) والمسرحية تحكي بأسلوب أدبي فني مصير طبقة "العلماء الدارسين" وتفسخها وانحطاطها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وصعود طبقة الملّاك -البيروقراطيون كطبقة جديدة مهيمنة.
يكتب خوري في تمهيد كتابه الهام "سوريا تحت الانتداب الفرنسي؛ سياسة القومية العربية 1920-1945": "هذه الدراسة تتمة لكتابي الأول أعيان المدن والقومية العربية؛ سياسة دمشق 1860-1920. إن هذا الكتاب "سوريا تحت الانتداب الفرنسي" يروي قصة درجة معينة من الاستمرارية في الشكل السياسي والحاجة السياسية. وكان الشكل "سياسة الاعيان" التي وصفها ألبرت حوراني وصفاً شديد الذكاء، والتي بموجبها تتوسط نخبة محلية بين سيد أعلى بعيد، سواء كان باريس أن استنبول، وبين المجتمع المحلي. ومع ذلك فإن بذور التغيير كانت تنمو في إطار هذه الاستمرارية. ذلك بأن قصة القومية العربية في سوريا ليس فقط قصة كفاح ضد سيد أعلى فرنسي متعجرف، بل هي أيضاً قصة الصراع بين البورجوازية ذات الأصول الاقطاعية وبين الوطنية الجذرية" ص 13 والمقصود "بالوطنية الجذرية"، تلك الأحزاب البورجوازية الصغيرة العقائدية (البعث مثالاً) بشعاريها التاريخيين: المسألة الزراعية والمسألة القومية، الإصلاح الزراعي وإصلاح العلاقات الزراعية في الريف، وقضية تحرير فلسطين من الاستعمار الصهيوني الاستيطاني "، إضافة إلى الشعار الاشتراكي العقائدي. طرح أكرم الحوراني اسم "الحزب الاشتراكي العربي"، وطرح ميشيل عفلق وصلاح البيطار اسم "الحزب العربي الاشتراكي" واختلاف الترتيب هنا لم يفسد للود قضية لأن الأساس هو اشتراكية قومية عقائدية على طريقة الأحزاب الفاشية والبعث في إيطاليا والنازية في ألمانيا
هذه الوساطة للأعيان التي هي أشبه بعمل الكومبرادور (السمسار)، جعلت الوطنية والديمقراطية في سورية في محنة امتدت لأكثر من قرن.
يقول خوري في مقدمة كتابه السالف الذكر: "في عهود الاضطراب، يكون الاستمرار والاستقرار هما اللذان يحتاجان إلى تفسير" (مقتبس من تشارلز س ماير)
من الملفت حقاً أن النسخة القومية الأكثر "جذرية" (البورجوازية الصغيرة العقائدية) كانت طموحاتها محلوّية (قطرية). يقول خوري: "والواقع أن أهدافهم وطموحاتهم المحلوّية ونسختهم القومية الأكثر جذرية (حدة) أعاقت جهود الأمير فيصل لتقديم نفسه في أوروبا كحاكم لا منازع له في جولة عربية تسير أمورها على ما يرام وكقومي معتدل" (136) ويضيف: استمرت حركة الاستقلال الوطني السورية في اتخاذ دمشق قاعدة لها.. واستمرت من ناحية المبدأ في النضال من أجل الوحدة العربية والاستقلال، وعلى العموم فإن سمتها وتطورها أصبحا أكثر محلويّة (قطرية) بعد العام 1920. (156)
في كانون الثاني يناير 1919 وقّع الأمير فيصل مع حاييم وايزمان، الزعيم السياسي الصهيوني، اتفاقاً يسمح بزيادة "التسرب" اليهودي إلى فلسطين مقابل الدعم الصهيوني لدولته في سوريا. إن ضيق الأفق السياسي لفيصل جعله يخطئ في حساب رد الفعل الفلسطيني، فقد كانت هناك عند العرب الفلسطينيين-مسلمين ومسيحيين- معارضة موحّدة للحركة الصهيونية، ازدادت تماسكاً بعد العام 1908 وعبّرت عن نفسها محلياً بالاستياء الواسع من اليهود، ورسمياً من داخل البرلمان العثماني.. قلّة من الاعيان الفلسطينيين الذين اعتبروا فيصلاً ممثل لهم، لم يكن العرب الفلسطينيون عموماً قد هزتهم الثورة الهاشمية عام 1916، واختاروا البقاء على التحام بإسطنبول والامبراطورية العثمانية (وفكرة العثمانوية) حتى احتلال الحلفاء لفلسطين عام 1918" (خوري: 133 وأكثر من ذلك فقد عادت العثمانوية للظهور مع التحاق عز الدين القسام بأعمال ثوة 1936-1939 في فلسطين. قلت في عرضي لكتاب غسان كنفاني "ثورة 1936-1939": عز الدين القسام: من مواليد جبلة، قضاء اللاذقية سنة 1882 (غسان يضع 1871 تاريخاً لمولده) 2-أزهريته (درس في الازهر المعهد الديني المعروف في القاهرة) وهذا تمثيل للعامل الديني الإسلامي 3-نضاليته فقد اشترك في ثورة جبل صهيون من 1919-1920 (جبال في الساحل السوري) ضد الفرنسيين وحكم عليه بالإعدام (يذكر كنفاني هنا جبل حوران خطأ) لأن منطقة جبل صهيون تابعة لقضاء اللاذقية شمال شرق 27 كم عن مركز المدينة، وفيها قلعة صلاح الدين الشهيرة (قلعة صهيون سابقاً).
إن ما ذكر أعلاه ليس تمثيلاً للعامل القومي العربي في الصراع كما يتعجل غسان كنفاني في الاستنتاج، لأن القسام ساهم أيضاً في دعم المجهود الحربي لحركة عمر المختار في ليبيا ضد المحتلين الايطاليين وطلب من الاتراك دعماً بالمال والسلاح للمقاتلين الليبيين. إن الاستنتاج الأقرب للصواب هو نزعة القسام العثمانوية، حيث ما يزال يميل إلى تجديد الخلافة الإسلامية التي تضم العرب والأتراك في جامعة إسلامية واحدة ضد الفرنجة الغزاة. ويعزز استنتاجنا هذا تتلمذ القسام في الازهر على يد محمد عبدو وزيارته إلى إسطنبول، حيث سافر الشيخ عز الدين إلى إسطنبول بعد عودته من دراسته في الجامع الأزهر بمصر، وذلك بهدف الاطلاع على أساليب وطرق تدريس العلوم والدروس الدينية في مساجد عاصمة الخلافة العثمانية
خلاصة
سوريا الحديثة: ثلاثة عهود
تشكلت سوريا الحديثة اعتباراً من عام 1860، وتحديداً في شهر تموز حيث جرت أحداث دموية مروعة في حي باب توما بدمشق، راح ضحيتها الكثير من المسيحيين واليهود. يقول خوري: ففي ظل حرارة تموز 1860 ضربت دمشق سلسلة من أعمال العنف. وعلى مدى ثمانية أيام ارتكبت حشود من البدو والدروز والقرويين الآخرين المجاورين والعسكر الاكراد (حاميات خارج المدينة) مجازر وأعمال سلب جرت بشكل رئيسي في حي باب توما المسيحي القديم (الذي يضم حارة لليهود)، وكانت تلك أيام ثمانية بقيت أصداؤها مخيمة على التطورات السياسية في دمشق لأجيال متوالية".
وقد أدت هذه الاحداث العنيفة إلى انقلاب في الهيمنة، حيث جرى التحول من هيمنة طبقة العلماء الدارسين وسياستها المتمحورة حول المفتي الحنفي ونقيب الاشراف وخطيب الجامع الاموي إلى هيمنة طبقة الملاك- البيروقراطيين وهم طبقة جديدة من ملاكي الأراضي وأصحاب المناصب في الإدارة الحكومية المحلية التابعة للإمبراطورية العثمانية وفي العاصمة إسطنبول نفسها.
وقد رسم هؤلاء الوجهاء الاعيان وهم ملاّكون غائبون سياسة دامت قرابة مائة عام كانت تقوم على الوساطة والمناورة الذكية بين المجتمع المحلي في دمشق وبين الباب العالي في الإمبراطورية العثمانية. وقد استمرت هذه السياسية أثناء الانتداب الفرنسي على سوريا فترة ما بين الحربين.
واجهت سياسة الاعيان مع نهاية الحرب العالمية الثانية ومع الاستقلال 1946 تحديين كبيرين:
1-المسألة الزراعية وملكية الأرض في الريف السوري
2-المسألة القومية في فلسطين بعد إعلان قيام دولة إسرائيل الصهيونية 1948
وقد فشلت سياسة الاعيان في مواجهة المهمتين معاً. وكان بعدها فترة انتقالية مضطربة من الانقلابات العسكرية والديمقراطية الليبرالية (1954-1958) ومن الوحدة مع القطر المصري والتدخل الناصري في سوريا حتى الانفصال 1961.
وجاء بعد كل ذلك حكم البعث 1963 محمولاً على المسألتين الزراعية والقومية والشعار الاشتراكي العقائدي البورجوازي الصغير. فقام بإجراء إصلاح زراعي كان قد بدأه حكم الوحدة الناصري. ثم رفع شعار قومي مفاده تحرير فلسطين من الاستيطان الصهيوني. وقد تبين لاحقاً أن الشعار القومي كان قوموياً زائفاً وخادعاً (اشتراكيا-قومياً) ذو نزعة فاشية طرفية استولى تحت هذا الشعار على الحياة العامة والخاصة واحتكر كل شيء ما قاد إلى هلاك المجتمع السوري وتصحّر الحياة السياسية والنقابية. وقد قاد استثماره في التنوع الطائفي إلى مزيد من تمزيق المجتمع السوري الممزق أصلاً بفعل السياسات العثمانية والفرنسية وتحريضه ضد نفسه. وقد تحول النظام نفسه بحكم الاحتكار والانانية إلى عصبة حاكمة ضيقة كانت هزيمتها فادحة ومدوية في أول مواجهة مع الجيش الإسرائيلي سنة 1967.
كان الإسلام السياسي في سوريا يأخذ شكل الحكم القائم ويتلون بلونه، أي أنه كان يعمل بردة الفعل (وهي سمة طبعت المعارضة السورية لحكم البعث، خاصة فترة حكم الأسد الابن) ففي الفترة الديمقراطية-الليبرالية (1954-1958) وأثناء حكم شكري القوتلي كان المراقب العام الأول لجماعة الاخوان المسلمين في سوريا اعتباراً م 1945 مصطفى السباعي اشتراكياً إسلامياً. وفي أواخر السبعينيات كان مروان حديد على رأس "الطليعة المسلحة" المقاتلة التي واجهت الجيش السوري في حماه سنة 1979 حيث ظهر الإسلام السياسي متمرداً عصبوياً عنيفاً كرد فعل على عصبوية النظام وعنفه وتفرده بالسلطة واستيلائه على المجتمع المدني.
وشاءت الاقدار وشاء التاريخ أن يكون اقتلاع حكم العصبة المستبدة والنظام الدكتاتوري الفاشي على يد جماعة مسلحة متشددة من جماعات الإسلام السياسي الكثيرة اليوم. وهي هيئة تحرير الشام في تحالفها مع جماعات أصغر تحت ما يسمى ب "إدارة العمليات العسكرية" وذلك عبر تسوية دولية وإقليمية.
إن سلطة الامر الواقع الانتقالية الحاكمة اليوم تتقمص سلوك السلطة السابقة بغطاء أيديولوجي إسلاموي لجهة الاحتكار والفساد ولجهة مواصلة تنفيذ خطة صندوق النقد الدولي في الخصخصة وإلغاء الدور الاجتماعي الرعائي للدولة وعبادة أصنام الاستثمار الأجنبي، حيث تلعب دور بورجوازية كومبرادورية وسيطة بين المجتمع المحلي والنظام الاميركي.
مراجع
1-فيليب خوري: أعيان المدن والقومية العربية-سياسة دمشق 1680-1920 (1983)
2-فيليب خوري: سوريا تحت الانتداب- سياسة القومية العربية 1920-1945 (1987)
3- ألبرت حوراني: الإصلاح العثماني وسياسات الاعيان (1966)
4-جان مارك بيوتي: فكر غرامشي السياسي (1970)



#نايف_سلوم (هاشتاغ)       Nayf_Saloom#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رأس المال-م1-ف1 : ملاحظات أساسية
- عرض كتاب -العُنْف الرمزيّ-
- قراءة في كتاب -ثورة 1936 – 1939 -*
- قراءة في -العقل والثورة- -2
- عرض كتاب -أعيان المدن والقومية العربية-*
- الحركة الابراهيمية؛ مقاربة ثقافية
- قراءة في -العقل والثورة- 1
- استهلال كتاب -العقل والثورة-
- -العَلْمانيّة- من منظور جديد
- قراءة في رواية -سيدهارتا-*
- محنة الديموقراطية والوطنية في مشروع بناء الدولة العربية
- -الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: هنريكس رقم 2 ، إدانة الفل ...
- -الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: هنريكس رقم 1
- -الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: المسألة اليهودية رقم 1 -و ...
- -الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: النقد النقدي المطلق
- -الأسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: نسق عالم -أسرار باريس-
- -الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: السرّ كـ -سُخرية-
- -الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات-سر الاستقامة والتقى
- -الاسرة المقدسة- ؛ تحقيقات وتعليقات - سر المجتمع المثقف
- الاسرة المقدسة؛ تحقيقات وتعليقات - سر البناء النظري


المزيد.....




- أسرة البشير تطالب بعلاجه خارج السودان وتنفي تلقي موافقة رسمي ...
- وزير الطيران المصري الأسبق يكشف معايير اختيار أطقم الطيران ع ...
- خبير روسي: تشكيل منطقة عازلة بطول 8 كيلومترات في سومي بعد ال ...
- ترامب: مساعد طيار -فلاي دبي- ربما كان إرهابيا وراكب إسرائيلي ...
- رئيس الوزراء البريطاني: إيران ضالعة في حادثة قاعدة -فيرفورد- ...
- روبيو يطلب من الوفد الإيراني مغادرة نيويورك
- وزير الطاقة السوري يعلن السيطرة على حريق محطة -تشرين- الحرار ...
- سانشيز يعتذر لماكرون بعد رفض مجلس الشيوخ الإسباني معاهدة الص ...
- -الطيار نجح في منع كارثة على غرار 11 سبتمبر-.. نتنياهو يكشف ...
- وزير مصري يعلق على إجهاض القاهرة مخططا إسرائيليا لإنشاء بديل ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نايف سلوم - إيديولوجيا القومية العربية وتأسيس سوريا الحديثة