|
|
قراءة في -العقل والثورة- 1
نايف سلوم
كاتب وباحث وناقد وطبيب سوري
(Nayf Saloom)
الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 12:03
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
يقول ماركوز: يتغير تلقي أي عمل فلسفي بمرور الوقت، ذلك لأن التغير في الموقف التاريخي يجعل الناس ينظرون إلى العمل بشكل مختلف. قلنا في عرض الفصل السابع من كتاب ماركوز "الماركسية السوفياتية": "إن البنية الديالكتيكية للنظرية الماركسية تستلزم أن تتغير مفاهيمها كلما تحولت العلاقات الطبقية الأساسية التي تريد هذه المفاهيم أن تعبّر عنها، لكن بصورة يمكن معها الحصول على المضمون الجديد، عن طريق تطوير العناصر الملتحمة بالمفهوم الأصلي. وبذلك يحافظ المفهوم على انسجامه النظري، بل على هويته (الطبقية)، بهذا المعنى يشكل المنهج الديالكتيكي قوّة إنتاج فكرية ذات طابع تراكمي متوسّع بالمحتويات العلمية الجديدة؛ وبهذا المعنى الأخير فالديالكتيك ذو طابع تاريخي، أي تنضاف إليه باستمرار محتويات علمية جديدة مع تطور المجتمعات وتغير علاقات الإنتاج." إن بروز الظاهرة الفاشية في العصر الامبريالي، وظاهرة الرأسمالية الاحتكارية أيضاً، يستدعي تلقياً جديداً لفلسفة هيغل. ويبدو أن هدف ماركوز يتركز في محاولة إظهار العداء الفطري بين الديالكتيك الهيغلي (فلسفة النفي) من جهة وبين الفلسفات البورجوازية اللاعقلية التي عززت الميول الفاشية نظرياً وعملياً. وهي الفلسفات التي فنّدها الفيلسوف الماركسي المجري جورج لوكاش في عمله الكبير "تحطيم العقل"، بحيث تُعد الفكرة المركزية للكتاب تأريخاً وتحليلاً لظاهرة "اللاعقلانية" في الفلسفة الألمانية، وكيف مهدت هذه اللاعقلانية الطريق أيديولوجياً لظهور الفاشية والنازية في إيطاليا وألمانيا. والكتاب في أربعة أجزاء: الجزء الأول (الظاهرة الدولية وتأسيس اللاعقلانية): يتناول الجذور التاريخية للاعقلانية، خاصة تأخر ألمانيا. حيث يركز على الفيلسوف "شيلنغ" وكيف انقلب من المثالية والديالكتيك إلى فلسفة الحدس والإيمان. الجزء الثاني (اللاعقلانية البرجوازية): يدرس الفكر البرجوازي من خلال فلسفة "شوبنهاور" و"كيركغارد"، وصولاً إلى "نيتشه" كأحد رواد "فلسفة الحياة" في العصر الإمبريالي. وفلسفة الحياة هي إرادة القوة بعيداً عن كل عقل وكل منطق. إضافة إلى تحويل المعاناة والتأخر والنقص إلى عظمة عنصرية. الجزء الثالث (فلسفة الحياة في ألمانيا): يحلل الفكر الألماني ما قبل الفاشي عبر فلاسفة مثل "دلتاي"، "زيمل"، "شبينغلر"، و"هايدغر. الجزء الرابع (السوسيولوجيا الألمانية والداروينية الاجتماعية): يستعرض الطور الإمبريالي، والفاشية، وينتهي بنظرة شاملة على لا عقلانية ما بعد الحرب العالمية الثانية. يجب التحذير بأن هذا النقد لا يلغي أبداً الجوانب الغنية الهامة في مثل هذه الفلسفات خاصة فلسفة كيركيغارد أو كيركيجور ونيتشه وهايدغر اللاعقلانية كأداة إمبريالية: ليست اللاعقلانية مجرد خطأ فكري، بل هي تعبير عن لاعقلانية الهدر الامبريالي والعدوان والعسكرة الامبريالية والانكشاف الأيديولوجي البورجوازي الإمبريالي وتهافته عبر استخدام القوة السافرة في تحقيق الأغراض الامبريالية في النهب والسيطرة والاخضاع والتحكم بالبلدان المستضعفة الطرفية. وهي سلاح أيديولوجي تستخدمه البرجوازية الامبريالية لتبرير نفسها في أوقات الأزمات الاقتصادية والسياسية. وهكذا يكون استحضار "العقلانية الهيغلية" في أحد وجوهه هو مواجهة لاعقلانية فلسفات الطور الامبريالي في الرأسمالية. إضافة إلى مواجهة الفلسفات الوضعية وفلسفة العلم التي ازدهرت مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. حيث واجهت الهيغلية التي تبنتها الماركسية بشكل نقدي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر صعود الفلسفة الوضعية. وبذلك تقدم الهيغلية مفاتيح متعددة تساعد على فهم نشأة النظرية الاجتماعية (وهو العنوان الفرعي للكتاب) الحديثة في أوروبا بما في ذلك نشأة علم الاجتماع الحديث (إميل دوركهايم 1858-1917) وظهور نظرية المادية التاريخية التي أرسى قواعدها كارل ماركس اعتباراً من عام 1845. (كتاب الأيديولوجية الألمانية، ومطارحات حول فيورباخ) يذكر ماركوز في المقدمة عناصر من فلسفة هيغل تطورت هي ذاتها في التطور اللاحق للفكر الأوروبي، خاصة في النظرية الماركسية. وقد أشاد ماركس بهيغل في مقدمات رأس المال، حيث أعلن ماركس صراحةً في تذييل الطبعة الثانية من رأس المال أنه تلميذ لهذا "المفكر العملاق. وانتقد بشدة الجيل الجديد من المفكرين الألمان في عصره الذين تعاملوا مع الفلسفة الهيغلية ومع هيغل وكأنه "كلب ميت" كما أشاد لينين بهيغل ومنطقه الديالكتيكي عندما أعاد قراءة منطق هيغل في دفاتره الفلسفية 1914-1916. حيث قال في الدفاتر الفلسفية وأثناء قراءة "علم المنطق" لهيغل أنه لا يمكن فهم المجلد الأول من رأس المال لماركس من دون قراءة كل منطق هيغل. يقول بالحرف: من المستحيل فهم كتاب ماركس “رأس المال” وخاصة الفصل الأول منه بشكل كامل، دون دراسة وفهم كامل منطق هيغل. وهو ما أنجزه (لينين) في دفاتره الفلسفية. يقول ماركوز: إن الاسم الذي أطلقه خصوم هيغل على فلسفته (فلسفة سلبية) هو الاسم الجدير بهذه الفلسفة. وقد اتخذه ماركوز عنوان لأحد كتبه: “فلسفة النفي" ترجمة جورج طرابيشي أو "فلسفات النفي- دراسة في النظرية النقدية" ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد 2012. يقول ماركوز معلقاً: كتبت أكثر مقالات الكتاب في الفترة الممتدة من 1914-1938 وقد خرجت أثناء عملي في مركز البحث الاجتماعي بنيويورك وتشكلت خلال مناقشتي مع زميلي ماكس هوركهايمر، وكان إذ ذاك مدير المركز. تُعد "فلسفة النفي" (Negativity) جوهر المشروع الفلسفي والنقدي لـهربرت ماركوز) أحد أبرز أعلام مدرسة فرانكفورت النقدية. وهي تعني ببساطة: رفض التصالح مع الواقع القائم، وعدم قبول الأمور القائمة كبديهيات مطلقة، بل تفكيك تناقضات المجتمعات الحديثة وكشف زيفها بهدف تحرير الإنسان وذلك عبر دراسة: العقلانية التقنية والهيمنة، حيث تحولت العقلانية التقنية إلى أداة اخضاع وتدجين للإنسان المعاصر وأداة لإخضاع الشعوب المتخلفة وتكريس السيطرة والتحكم الإمبرياليين. في "الانسان ذو البعد الواحد" يتحدث ماركوز عن صُنع أدوات قمع جديدة من خلال وسائل التسلية والاستهلاك. حيث يرى أن النظام الرأسمالي المعاصر يمتص أشكال "التمرّد" عبر تدجين المعارضة السياسية وإفراغها من محتواها عبر دمجها في ثقافة الاستهلاك الجماهيري، مما يجعل الإنسان يفقد قدرته على التفكير السلبي وعلى التفكير النقدي المستقل. يقدم هبرماس (الزميل الآخر في مدرسة فرانكفورت النقدية) حجته ضد فكرة ماركوز في هجومه على التقنية كأداة إضافية تستخدمها الامبريالية في استعباد الشعوب المستضعفة، عبر فكرة "الوعي المحتال" حيث يقول: "عن طريق الخضوع لعلّية الطبيعة ينشأ لي في الأدوات نتيجة خبرة أستطيع أن أدع الطبيعة تعمل على العكس من أجلي. في الوقت الذي يبلغ فيه الوعي البشري مع القواعد التقنية إلى حصيلة غير مقصودة لعمله، يعود من تشيؤه (موضعته) إلى ذاته، كوعي محتال يقلب في الفعل الأداتي الخبرة مع سيرورات الطبيعة ضد هذا الشيء ذاته" الجانب العريض للسيطرة يهاجم من قبل مضاء الحيلة. هابرماس يحتال علينا ويشرح التشييء أو الموضعة (تحول قوة الذات إلى موضوعات طبيعية) واحتيال الذات على هذا التشييء بالعودة إلى ذاتها عبر تسخير الطبيعة للعمل من أجل الانسان، لكنه يتجاهل تماماً النظام الامبريالي الذي تعمل الذوات في سياقه وهو سياق الاستغلال والاستلاب والضياع الرأسمالي، أي أن الطبيعة تعمل في خدمة الرأسمالي الامبريالي الذي يهدر الانسان الكادح والموارد الطبيعية. لم تعد المشكلة مع نظام الطبيعة بل المشكل الأكبر مع نظام الانسان التاريخي الرأسمالي. حجة هبرماس تجريد أحادي لتقدم الأداة (التقدم التقني والصناعي) ولعمل الرأسماليين في العصر الامبريالي. كان رد الفعل في ألمانيا على التحدي القادم من فرنسا بعد الثورة فلسفياً تمثل بالفلسفة الكلاسيكية الألمانية (كانط، فيشته، شيلينغ، هيغل) بغية إعادة تنظيم الدولة والمجتمع المدني على أسس عقلية وفق مقتضيات الديمقراطية الليبرالية الفرنسية. ترحيب بالثورة ذاتها باعتبارها فجر عهد جديد مع إدانة عهد الإرهاب ونفور من العنف. فجر الديمقراطية البورجوازية والمذهب البورجوازي الليبرالي الإنساني عبر حقوق الفرد البورجوازي ومصالحه. إلغاء النظام الاقتصادي الاقطاعي وإحلال التنظيم الاقتصادي البورجوازي للمجتمع الجديد محله. إكمال حركة الإصلاح الديني عبر تحرير وجدان الفرد والتأويل العقلي من وصاية الكنيسة الكاثوليكية. خيل للفرد البورجوازي أنه تحرر وقد أضحى عالمه نظاماً عقلياً جرى التعبير عنه بالرأسمالية الصناعية والعقلانية الاقتصادية. وكانت هذه العقلانية الاقتصادية موضع إشادة كونها قوة تحرر للإنسان من العمل العضلي المرهق وقوة تنظيم لمجتمع عقلاني. هكذا ظهر التنظيم الاقتصادي للمجتمع الجديد كأساس للعقل البورجوازي. ومع قدوم القرن التاسع عشر جرى استبدال الفرد السياسي الذي ساد في القرن الثامن عشر ومعه المذهب الإنساني البورجوازي بالفرد الاقتصادي وسيطرة القوة الاقتصادية. أصبح المجال متاحاً في ألمانيا لمقارنة الواقع الاقتصادي المحلي بالواقع العالمي خاصة في بريطانيا وفرنسا المتقدمتين. كانت القوة الاقتصادية السياسية الفرنسية تحقق الحرية فعلياً عبر دستور ثورة 1789 فيما المثالية الألمانية الفلسفية لا يشغلها سوى البحث عن التحرر على مستوى الفكرة العقلية التأملية. يقول ماركوز: معنى ذلك أن الفلسفة الكلاسيكية الألمانية نقلت الجهود التاريخية العينية التي بذلت لإقامة شكل معقول من أشكال الحكم، إلى المستوى الفلسفي؛ بحيث تجلت هذه الجهود في المحاولات التي بذلت من أجل إيضاح معالم فكرة العقل". لقد جرى في ألمانيا عبر الفلسفة الكلاسيكية رفع الواقعة الاجتماعية العينية التاريخية الفرنسية إلى مستوى الوعي الفلسفي العالمي. هذا التحول في العقل الاجتماعي التاريخي رفعته الفلسفة الألمانية الكلاسيكية والديالكتيك الألماني إلى مستوى الوعي الفلسفي العالمي. وهو مغزى قول هيغل الشهير: "إن بومة مينيرفا لن تخرج قبل أن يرخي الليل سدوله"" بكلام آخر: لن تظهر حكمة الفلسفة الكلاسيكية الألمانية إلا بعد انقضاء الحدث الاجتماعي التاريخي الذي جاءت لتفسره وتصيغه نظرياً. إن الحداثة البورجوازية التي ظهرت في القرن السادس عشر لم يتم وعيها كتجديد تاريخي إلا في القرن الثامن عشر وهذا ما عبّر عنه هبرماس بشكل لامع حين قال: لم تطرح الحداثة على نفسها مسألة " العثور" على ضماناتها الخاصة في ذاتها إلا في نهاية القرن الثامن عشر. وتبلغ هذه المسألة من الحدة بحيث يمكن لهيغل أن يتناولها بوصفها مسألة فلسفية، لا بل يجعل منها "المسألة الأساسية" لفلسفته." إن عبارة ماركوز التي تماثل بين تأليه روبسبير للعقل وبين تمجيد هيغل له أمر خاطئ، حيث روبسبير "عصر الأنوار": العقل هنا في مواجهة الدين، بالتالي تكون المحصلة أن الدين والايمان الديني خارج "عقل الأنوار" الذي يظهر بالتقابل مع الدين كعقل ميتافيزيقي أحادي الجانب. من الجهة الأخرى يحاول هيغل عبر المنطق الديالكتيكي الذي تم وعيه بالتغلب على هذا النقص في عقل الأنوار، بحيث بات يحيط بالدين والفن (الجمال الفني)، تماماً كما باتت الدولة-الأمة والمجتمع المدني البورجوازي تتضمن المؤسسات الدينية كمؤسسات قومية خاصة بالمجتمع المدني، أي جرى نقلها من الفضاء الديني الكاثوليكي الكوسموبوليتي العام إلى الفضاء القومي المدني الخاص. ما يعني التحول والانتقال من الكنيسة الكاثوليكية العالمية إلى الكنيسة القومية. وهي صيغة أساسية من صيغ الحداثة البورجوازية. لكل ذلك ظهر خطأ عبارة ماركوز التي مفادها: إن تأليه روبسبير للعقل بوصفه "الكائن الأعلى" كان مناظراً لتمجيد العقل في مذهب هيغل. عقل الانوار يستبعد الدين والبعد الإيمانيّ بشكل اقصائي وميكانيكي، أي يضع نفسه في مقابلة ميكانيكية مع الدين. بينما يستوعب العقل الهيغلي ديالكتيكياً ونقدياً ديالكتيك الايمان والممارسة العملية التاريخية، لكن بشكل تأملي فقط كما عبر ماركس عن ذلك في مطارحاته عن فيورباخ. يقول ماركس في المطارحة الأولى: "إن العيب الرئيسي للمادية السابقة كلها، بما فيها مادية فيورباخ، هو أن تصور الشيء، الواقع، العالم الحسي، لا يتم فيها إلا على صورة الموضوع أو الحدس، وليس كفاعلية حسية، كممارسة، ليس بصورة (فعّالية) ذاتية". ولذا حصل أن المثالية (هيغل) طورت الجانب الفاعل بصورة متعارضة مع المادية، لكن بصورة تجريدية فقط، لأن المثالية بطبيعة الحال لا تعرف الممارسة العملية، (الفعّالية) الواقعية الحسية بصفتها هذه." لا يمكن الحديث عن الممارسة السياسية العملية التاريخية دون التطرق لديالكتيك الايمان والبعد الإيماني في الانسان. هيغل يحاول استيعاب إنجازات الدين النظرية كما ظهرت في أشكالها التاريخية (الدين الطبيعي، الدين التاريخي). الدين مرحلة عظيمة من مراحل الوعي النظري والممارسة العملية للبشرية قبل أن يتحول إلى دين وظيفي في خدمة الطغاة. لقد لعب الدين والسياسة لعبة واحدة، أن الدين قد علم الناس ما أراد الطغيان أن يلقنهم إياه، وهو احتقار الإنسانية وعجز الانسان عن بلوغ الخير وتحقيق ماهيته بجهوده الخاصة" (رسالة من هيغل إلى شلنج أبريل 1795) الدين نتاج تاريخي ومرحلة طويله في تطور وعي البشر. لهذا يكون نقد الدين مقدمة لكل نقد آخر بما فيه نقد المجتمع المدني والدولة. وقد ظهرت عبارة ماركس هذه في مقدمة نقده لفلسفة الحقوق عند هيغل. وكان ماركس قد كتب في رسالته إلى روج، سبتمبر 1843 الكلام التالي: "ومثلما أن الدين هو سجل النضال النظري للبشرية، فإن الدولة السياسية هي سجل النضال العملي للبشرية" روبسبير وعقل الانوار يحوّل الوعي الديني إلى دوغما لا عقلية، محولاً نفسه إلى دوغما مقابلة، بينما يتحرك العقل الهيغلي الديالكتيكي بشكل كلي إجمالي مبيناً كيف يتحول العقل مع كل تعمق إلى سلب العقل أي إلى اللاعقل. وهكذا نعرف كيف يدحض الديالكتيك الهيغلي "العقل " الميكانيكي لعصر الانوار في القرن الثامن عشر والعقل الوضعي الذي ازدهر في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. علينا التمييز بين الذهن والفكر والعقل والذات. العقل ومعه الفكر والذهن مقولات العقل النظري، بينما الذات والفعل الإيماني تدخل في فضاء العقل العملي والممارسة العملية (praxis) أي التحول من تفسير العالم إلى تغييره بالممارسة العملية. لقد ظهر لنا أن فكرة العقل الهيغلية ليست سوى رفع فكرة العقل الاجتماعي الاقتصادي البورجوازي إلى حقل التجريد الفلسفي، وهنا يكمن سر النزعة التوفيقية والمصالحة في فكره السياسي. في محاضراته عن "فلسفة التاريخ" يقول هيغل: "لم يحدث في أي وقت مضى، منذ أن ظهرت الشمس في قبة السماء، ودارت الكواكب حولها، أن أدرك الانسان أن وجوده يتركز في رأسه؛ أي في الفكر، الذي يستلهمه الانسان في بناء عالم الواقع. لقد كان أنكساجوراس أول من قال إن العقل (نوس) يحكم العالم، ولكن الانسان لم يتقدم إلى حد الاعتراف بالمبدأ القائل إن الفكر ينبغي له أن يحكم الواقع الروحي إلا في هذه الفترة وحدها". إن مبدأ الثورة الفرنسية قد أكد أن الفكر ينبغي أن يحكم الواقع". وهنا نسجل ملاحظتين بعد أن نثبت أن (نوس) يجمع العقل النظري والعملي معاً: الملاحظة الأولى ما يمكن أن يقع من سوء فهم عبارة كهذه، سوء فهم يقود إلى استنتاج أن الأفكار تقود العالم، وهي الأيديولوجية بالمعنى الرديء التي كان ماركس قد دحضها في "الأيديولوجية الألمانية". إن "العقل" الذي تحدث عنه هيغل هو عقلية الطبقة البورجوازية، أي النتائج التاريخية لصعود البورجوازية كطبقة جديدة ونمط انتاج جديد إلى السلطة، وصعود الديمقراطية الليبرالية. والملاحظة الثانية: أن هيغل في فلسفته للتاريخ يُبطن عنصرية تجاه الشرق، خاصة تجاه الإسلام المحمدي الذي لم يذكره بكلمة في مجمل أعمال. هذا الإسلام المحمدي كان قد حقق دولة للعرب بناء على فكرة متخيلة تأسيسية، أي بناء على نظرية ثورية حولت العلاقات القبلية للعرب إلى نظام دولة جديد. (راجع خليل عبد الكريم: قريش من القبيلة إلى الدولة المركزية) الفكرة الرئيسية عند هيغل هي مقولة "أن الوجود في جوهره ذات"، أي وجود عقلي، فكرة الجوهر بوصفه ذاتا عبر وساطة العقل، وأن الواقعة الحقيقية هي واقعة حادثية موسّطة بالعقل الفعّال، وأن الممارسة العملية السياسية التاريخية موسّطة بالحزب السياسي التاريخي أي بالأشخاص المنظمين المتحدين (ذوات شاخصة لها غايات تاريخية موحدة) علينا التمييز بين العقل الفلسفي المجرد والعقل الاجتماعي كما ظهر في ممارسة طبقة اجتماعية رفعتها الاحداث الثورية إلى مرتبة القيادة والهيمنة التاريخية. ومع ذلك فالفلسفة (المنطق الديالكتيكي) كانت في رأي هيغل تحمل رسالة تاريخية، هي تقديم تحليل شامل للمتناقضات السائدة في الواقع، وإمكان اثبات الجمع بينها. لقد جرى وعي الديالكتيك من قبل هيغل بصيغة تقول: إن الواقع وحدة وصراع المتناقضات والاضداد. وهي فكرة مأخوذة أصلاً عن هيراقليطس الفيلسوف قبل السقراطي (540-475 قبل الميلاد) من أفسس بآسيا الصغرى. إن مفهوم هيغل عن الحياة على أنها حياة كائن عاقل، أي حياة إنسان عاقل عارف، هي عين فكرة "المسيح الحي" وهي فكرة غنوصية تعني الخلاص بالغنوص، أي إحياء الانسان الميت الجاهل برفع وعيه إلى مستوى العلم والمعرفة (الغنوص). هذا الخلاص فردي. هيغل يضيف إلى ذلك فكرة أكثر أهمية وهي تاريخية الفكر والانسان العيني، هكذا أصبحت فكرة الحياة نقطة بداية للكثير من المحاولات الرامية إلى إعادة بناء الفلسفة على أساس موقف الانسان التاريخي العيني، مما يؤدي إلى تجاوز الطابع التجريدي المفارق للفلسفة العقلانية ولعقل عصر الانوار. لم يعد الحديث عن الانسان المجرد، بل بات الحديث عن الانسان البورجوازي الحديث بعينه. إن الحديث عن الحياة بالعلم معززة عند هيغل بمقولة أن العلم لا يكتمل إلا بدراسة تاريخه. من هنا يكون الموقف العيني التاريخي عقدة في سير تاريخي لمحتوى المعرفة العلمية. إن الموقف العيني يعني أن الروح الحي هو عقل الكلية العينية التاريخية؛ وجود تندمج أجزاؤه وأحواله المختلفة في وحدة كاملة، أو كلية تاريخية هي الروح الحي أو "وحدة الذات". هذه الكلية التاريخية هي فرع في شجرة الحياة اللامتناهية، وتكون الكلية التاريخية العينية التي هي جزء في مسيرة السلسلة هي السلسلة كلها عبر هيمنة الكلية المعاصرة. وإذا لم يهيمن المعاصر تبعثرت الكلية وعدنا إلى موات اجتماعي واستنقاع تاريخي. في هيمنة المعاصر "كل جزء خارج الكل هو في الآن نفسه الكل أي الحياة" يقول ابن عربي في خطبة الفتوحات المكية: "فلولا العصر والمعاصر، والجاهل والخابر، ما عرف أحد معنى اسمه الأول والآخر، ولا الباطن والظاهر" [الفتوحات، السفر الأول ص 41-42] هكذا يركز ماركوز عبر هيغل مرة أخرى على تاريخية الديالكتيك وطابعه التراكمي كقوة انتاج عقلية للبشرية وهو ما يسميه الفارابي بالعقل الفعّال (العقل بوصفه قوة [إنتاج] تاريخية موضوعية [تراكمية]، وله خاصية هو أنه أعلى من الموت والفساد). وهذا العقل هو شرط وشخص تاريخي. هكذا يكون الفرد الحي هو مُظهر الحياة كلها كالمسيح الحي. (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۭ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ) [إبراهيم: 24-25] أيضاً قوله: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) [مريم: 33]، وهذا لا يكون إلا برفع حقيقة العصر بكل متناقضاته إلى مستوى الوعي وجمع هذه المتناقضات في الروح بوصفه ذات حية، "إنها وحدة لا تسود إلا بوصفها نتيجة لعملية توسّط (العقل الفعال) بين الذات الحية كما هي وبين ظروفها الموضوعية (وحدة الذاتي والموضوعي في الذات الحية) والتوسط هو الوظيفة الحقة للذات Self الحية بوصفها ذاتاً فعلية Subject ممتلئة بمحتوى العلم التاريخي المعاصر". إن الحياة بهذا المعنى أو الروح الحي هي الصورة الأولى التي يتصور فيها الجوهر بوصفه ذاتاً، أي تحول الواقعة الحادثية إلى واقعة حقيقية. أول تجسد للحرية، انموذج أولي لوحدة الاضداد، والديالكتيك" وهي واحدة من الأفكار الأساسية في "فينومينولوجيا الروح" لهيغل. قلنا في فنومينولوجيا الروح أو علم ظهورات الروح-أحاديث وأقوال: "أقبل الآن لأخبرك، واسمع كلمتي وتقبلها": أحدثكم كيف تكون الأنا (Self) هي الصلة والمضمون" وأحدثكم كيف يكون المرسل طريقاً إلى علم المقيد التاريخي. وكيف جرى لدى هيغل وجوب توسط المطلق أو العقل الفعّال توسطات شتى تجعل منه آلة إظهار كما يتوسط سقراط في القياس لإظهار النتيجة" والشمس لإظهار الموجودات بالقوة. وهو فحوى قول ابن عربي: "معرفة المقيد [تكون] بالمطلق" إن اقتران الموضوعي بالذاتي هو المفهوم بالذات على التدقيق. ينقل لينين عن منطق هيغل في الدفاتر هذه الاقوال: "لا يوجد شيء في السماء، ولا في الطبيعة، ولا في الروح، ولا في أي مكان آخر إلا ويحتوي معاً المباشر والوساطة.. كل شيء موسّط (بالعقل الفعال) مربوط في وحدة، مربوط بانتقالات (وحدة قوانين سير تطور الكون كله)" (الدفاتر الفلسفية-1) وأقول: وجوب التعبير عن تلك الحركة، حركة المطلق من المباشر الحسي إلى الجوهر إلى الذات الشخصية، من الحقيقة إلى الحق القائم بالأشخاص، أي من النظرية إلى الممارسة العملية التي هي "أمير حديث" –حسب عبارة غرامشي- فعّال لما يريد. إن الانسان (النفس الناطقة) وكنيته سقراط وحده هو الذي يستطيع بفضل معرفته لنفسه أن يحقق فكرة الحياة. يقول ماركوز: وقد أوضحنا من قبل أن الوحدة الكاملة بين الذات والموضوع (معرفة الكلية العينية التاريخية) هي في نظر هيغل شرط لا غناء عنه للحرية (الحرية ومعرفة الضرورة). هذه الوحدة تفترض معرفة بالحقيقة، معرفة إمكانات الذات والموضوع معاً. والانسان الفعال لما يريد الماركسي الثوري هو وحده الذي يستطيع تحويل الظروف الموضوعية (عبر توسط الوعي والتنظيم) بحيث تصبح وسيطاً لنموه الذاتي، أي تحويل العقبات الموضوعية إلى وسائل للتحويل التاريخي للشروط والأشخاص معاً على قول ماركس في موضوعته عن فيورباخ: (إن التطابق بين تغيير الظروف وبين تغيير الفاعلية الإنسانية لا يمكن تصوره وفهمه بصورة عقلانية إلا من حيث هو ممارسة ثورية) [ماركس: المطارحة 3]. إنه بهذا الفعل لا يجلب الحقيقة إلى العالم فحسب، بل ويستطيع أن ينظم العالم الجديد وفقاً للعقل. وقد أوضح هيغل هذه النقطة بأن ضرب مثلاً برسالة يوحنا المعمدان، وأدلى للمرة الأولى بالرأي القائل إن العالم في ماهيته الباطنية نتاج لنشاط الانسان التاريخي. فالعالم وكل علاقاته وتحديداته من عمل النور الإنساني، أي تطور الانسان الذاتي". "إن فيورباخ الذي لا يكتفي بالفكر المجرد، يستنجد بالحدس الحسي (تأمل الحسي)، لكنه لا يعتبر العالم الحسي بمثابة فاعلية عملية حسية إنسانية" (المطارحة 5) ". وهو فحوى مطارحة ماركس الأولى أيضاً حول فيورباخ، المذكورة أعلاه. يقول ماركوز: هكذا نستطيع أن نلمح، منذ هذه المرحلة المبكرة جداً، سمات "المادية التاريخية" (ديالكتيك المجتمع التاريخي) والتي لم تتخلص بعد من التصويف الهيغلي، التصويف الذي يدمجها بوصفها جزءً من الفلسفة التأملية، وسوف يمر وقت حين تظهر الطبقة العاملة على المسرح الأوروبي كقوة سياسية تاريخية مستقلة، ويظهر وعي المادية التاريخية كنظرية ثورية وممارسة سياسية تاريخية ثورية وحزب. وهو معنى قول ماركس: ولذا حصل أن المثالية (هيغل) طورت الجانب الفاعل (الفعّال)، بصورة متعارضة مع المادية (القديمة)، لكن بصورة تجريدية فقط." (المطارحة-1) وسر التصوف الهيغلي يبينه ماركس في مطارحاته حول فيورباخ بالقول: "إن الحياة الاجتماعية عملية بصورة جوهرية. وإن الاسرار التي تنحرف بالنظرية في اتجاه الصوفية تجد حلها العقلاني في الممارسة الإنسانية وفي فهم هذه الممارسة" (المطارحة 8) يكتب لينين في الدفاتر الفلسفية: "إن فكرة تحول المثالي إلى واقعي فكرة عميقة؛ بالغة الأهمية بالنسبة للتاريخ. ولكن، أيضاً في حياة الانسان الشخصية، من الواضح أن في هذا القول الكثير من الصواب. ضد المادية المبتذلة NB. إن اختلاف المثالي عن الواقعي هو أيضاً ليس مطلقاً، ليس مبالغاً فيه " (المجلد- 1 ص 150) الروح Geist هي نفس العامل الموحّد الذي تكونه الحياة، الروح وحدة أضداد (متناقضات)، حيث الأمر أمر العصر يغدو روحاً بعد أن ينزل في النفس الناطقة. إن الروح الحي هو وحدة الذاتي والموضوعي في النفس. يمكن أن نماثل أيضاً بين الروح الحي والوجود، لأن الوجود Being يعني إدراك الموجود في حقيقته، ووجد الشيء ألفاه وأدركه، وأوجده أغناه بالإيجاد على الحقيقة لا على المعطى المباشر الحدسي المجرد. والايجاد يكون "عن عدم" لا "من عدم" كما يقول ابن عربي في خطبة الفتوحات المكية: الحمد لله الذي أوجد الأشياء عن عدم وعدمه (نفي النفي) تظهر أعيان الموجودات على الحقيقة. إن أي نقاش بخصوص مسألة الوجود "يقتضي مناقشة مفصلة للأطوار الأساسية للفلسفة الاوربية منذ أرسطو". ومن هنا أيضاً يكون الروح هو وحدة المحدث والقديم؛ (واصنع الفُلك بأعيننا ووحينا) [هود: 37] وجمع الاعين للعظمة لا للتكثير. يقول ماركوز: العقل قوة تاريخية أساساً، فتحققه يحدث بوصفه عملية متطورة في الزمان والمكان. واللفظ الذي يشير إلى العقل بوصفه تاريخاً هو الروح Geist. يتحدث القرآن عن المحدث الذي يعيد بناء القديم وترتيبه ترتيباً جديداً (وما يأتيهم من ذكر من الرحمن مُحدث إلا عنه كانوا مُعرضين) [الشعراء: 5] أيضاً (ما يأتيهم من ذِكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون) [الأنبياء: 2]. لدينا هنا ديالكتيك المحدث والقديم والأول والآخر في قول: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحديد: 3] في ديالكتيك الأول- الآخر فإن المحدث الذي هو الآخر يصبح هو الأول. وابن سينا يقسم الوجود الى ممتنع (ما لا يمكن عقله) وممكن وواجب. الواجب الوجود ماهيته عين وجوده وهو الوجود الواجب، هو وحده المتصف بالوجود بذاته وهو القائم بذاته وشخصه، وهو العقل الفعاّل. وكل ما عداه من الموجودات وجوده بمثابة عرض مضاف الى ماهيته، لذا كانت موجودات ممكنة وجائزة. يقيم هيغل تمييزاً هنا بين الموجود Seiendes أي بين الوجود المتعيّن المدرك بالحواس المحدد والوجود بما هو وحدة أضداد أو روح حي. لأن الوجود موجود موسّط بالعقل الفعّال. ففي سبيل الإجابة على ما الوجود؟ وهو السؤال الذي له تاريخ وكان مدار البحث في الفلسفة اليونانية منذ بارمنيدس إلى أرسطو. قلنا إن الموجود وجود متعين جزئي، بينما الوجود مقولة عقلية كلية أو وحدة أضاد (الموضوع والذات، والقديم والمحدث)، بالتالي فهو مختلف عن الوجود المتعيّن أو المحدد. الوجود وجوده روحي معنوي كلي والموجود جزئي حسي مختلف عما يجاوره. يعتمد في وجوده على العقل الفعّال. إن علاقة الوجود بالموجودات كعلاقة الواحد المنظم بالوحدة التي هي وحدة أضداد. (مثال ذلك علاقة نمط الإنتاج كمبدأ منظم بالتشكيلة الاقتصادية الاجتماعية). إن الواحد يتخلل جميع أجزاء الوحدة أو التشكيلة كمبدأ منظم لوجودها. فنمط الإنتاج لا ينظم موقع العامل والبورجوازي في عملية الإنتاج الاجتماعية وحسب، ولكنه يظهر من خلال جسد البضاعة التي تغدو بوجوده حاملة للقيمة، وعند غيابه تغيب القيمة. فقطعة ذهب لدى سكان أميركا الاصليين تختلف جذرياً عن نفس القطعة في بنك أميركي شمالي يعمل ضمن نمط الإنتاج البورجوازي. القطعة في المثال الأول من دون قيمة وفي المثال الثاني يكسبها نمط الإنتاج الرأسمالي قيمتها التبادلية. الواحد المنظم Mythos يتخلل جميع أجزاء الوحدة. "وهو أشبه ما يكون بالأساس " أو المبدأ المنظم لسردية التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية. بالطبع لكل موجود ماهيته، كماهية العامل وماهية البضاعة التي ينتجها، ولكن يوجد مبدأ واحد هو علة العلل وماهية الماهيات، هو نمط الإنتاج الرأسمالي. هذا النمط هو الخالق للقيم، و"الجوهر الإلهي" والأكثر حقيقية من كل الموجودات الرأسمالية، بالتالي يبدو أن من الممكن الجمع بين الانطولوجيا واللاهوت. لكن الامر ليس بهذه البساطة بل يحتاج إلى خطوة أخرى، لأن الانطولوجيا تتحدث عن الحقيقة التاريخية العينية الكلية وعن المبدأ المنظم لسرديتها، أي عن لوغوس علمي نظري. أما الاله الخالق فهو الحق وهو النفي العظيم لهذه الحقيقة وهو نفي تاريخي تقوم به الذوات الثورية التي تكون مشروطة بنمط الإنتاج وهي ذاتها التي تقوم بتحويله، أي يظهر كـ لوغوس بذري عملي أو أشخاص التاريخ، رجاله وقادته. وهو ما لخصه ماركس بقوله في مطارحاته عن فيورباخ: "إن المذهب المادي القائل إن البشر نتاج الظروف والتربية (المادي الميكانيكي)، ينسى أن البشر هم الذين يغيرون الظروف وأنه من الأمور الأساسية تربية المربي نفسه.. وهذا الامر لا يمكن تصوره بصورة عقلانية [ممتنع عقله في النظرية] إلا من حيث هو ممارسة ثورية" (المطارحة 3) أي هو الروح الحي للثورة الاجتماعية، بحيث يظهر اللوغوس كأشخاص تاريخيين أو حزب سياسي تاريخي في لحظة تحول كبرى. يقول ماركوز: ولهذا التراث في تاريخ مسألة الوجود (الانطولوجيا) تأثيره الواضح في منطق هيغل الديالكتيكي. حسب أنطولوجيا أرسطو أن الشيء الفردي هو نفسه (ذاته) أو الجوهر الذي يظل باقياً طوال تلك الحركة التي يوجد فيها ويجمع بين مختلف حالات وجوده ومراحله. في رأي أرسطو أن ثمة تمييزاً (مبدأ) يسري في عالم الوجود بأكمله بين الجوهر ousia وبين حالاته وتغيراته العرضية المتباينة. ومثال ذلك التغيرات الثلاثة الكبرى التي طرأت على الرأسمالية اعتباراً من الرأسمالية التجارية للقرن الثامن عشر إلى الرأسمالية الصناعية في القرن التاسع عشر إلى الرأسمالية المالية أو الاحتكارية في القرن العشرين. لكن جوهرها بقي رأسمالياً، أي بقي النمط الرأسمالي نفسه هو المبدأ المنظم المهيمن على امتداد ثلاثة قرون من تطور الرأسمالية البورجوازية. إن النوع الارفع حسب أرسطو هو ذلك الذي يتحقق فيه كل امكان تحققاً نوعياً؛ فالرأسمالية المالية دفعت بالتجارة والصناعة إلى أعلى مستوى. وهو ما يسميه أرسطو تحققاً خالصاً (Energeia، ενέργεια) أي قدرة. يقول ماركوز: هذا الكائن لن يكون له موضوع يحققه خارج ذاته أو غريب عنها، بل يكون هو ذاته على نحو كامل في كل لحظة من لحظات وجوده" ومثاله الرأسمالية فهي ذاتها، الرأسمالية في أطوارها الثلاثة المتعاقبة. لا يمكن القبض على الرأسمالية في جوهرها إلا بتوسط العقل والفكر. لا يمكن القبض على كلية النظام إلا عبر المقولات والمفاهيم التي صاغها ماركس، بينما نحن في الواقع اليومي نواجه بمظاهرها المتنوعة وصورها التي هي وجوه مختلفة لنفس الظاهرة. يقول ماركوز: ولقد اختتم هيغل العرض الذي قدمه في "موسوعة العلوم الفلسفية" (المنطق الصغير) بالفقرة التي يوضح فيها أرسطو في كتاب "ما بعد الطبيعة" أن الوجود الحق هو العقل أو الروح الذي يقدم الظاهرة في كليتها العينية التاريخية الحقيقية. ذلك لأن فلسفة هيغل هي إلى حد بعيد إعادة تفسير لأنطولوجيا (نظرية الوجود) أرسطو بعد تطهيرها من العقائد الميتافيزيقية الجامدة التي علقت بها خلال العصور الوسيطة، وربطها بالمطلب الشامل للعقلانية الحديثة المتوّجة بالثورة الفرنسية. كتب لينين في الدفاتر الفلسفية أن الاكليريكية الظلامية في العصور الوسطى والفلسفة المدرسية (سكولاستيك) قتلت في أرسطو كل ما هو حي، وخلّدت ما هو ميت" (هامش ص 59) وباعتبار هيغل منشغل أساساً بالتفسير لا بالتغيير، لأن التغيير سبقه (الثورة الفرنسية 1789)، فقد حوّل العالم وحوادثه الكبرى إلى وسيط للذات العارفة المفسّرة التي تنمو بمعرفتها نمواً حراً، وجعل العالم الجديد حقيقة العقل الذي اكتشفه، وأن العقل هو روح هذا العالم. والحق أن هيغل كان أول من أعاد اكتشاف الطابع الشديد الدينامية لميتافيزيقا أرسطو (انطولوجيا أرسطو)، التي تنظر إلى كل وجود على أنه سيرورة عملية وحركة، وهو الطابع الذي ضاع تماماً في التراث الشكلي اللاحق للمذهب الارسطي. ولأن غاية هيغل كانت هي التفسير والاغتباط بذلك "كانت الانطولوجيا هي النظرية المتعلقة بأعم أشكال الوجود، وهي بهذا الوصف تعبير عن استبصار الانسان بأعم بناء للواقع (معرفة الحقيقة العينية الكلية التاريخية)، فليس للمرء أن يعجب إذ يجد أن التصورات الأساسية في الانطولوجيا الأرسطية والهيغلية كانت واحدة " حسب قول ماركوز. إن التراث الفلسفي الذي واصل القول "إن العقل/الروح هو الوجود الحق" ما يزال في إطار التفسير. وهكذا يكون أرسطو قد تحدث عن الصورة الملازمة للعالم أو روح/عقل العالم دون الحديث عن الصورة المفارقة التأسيسية التخيلية. بالتالي فإن هذا العقل هو نفسه العقل الإلهي أو (اللوغوس الرواقي) الذي يشكل مبدأ لترابط العالم (مبدأ منظماً)، وهو عقل استدلالي على العالم واستنطاق له. إنه عقل العلم المستفاد حسب ابن سينا والفارابي وهو أعلى حياة وأسمى خير. أرسطو يتحدث هنا عن الديالكتيك الصاعد في الاستدلال والقياس والبرهان ويترك الديالكتيك النازل لأفلاطون. يقول هيغل في أصول فلسفة الحق: "فمهمة الفلسفة أن تفهم ما هو موجود، لأن ما هو موجود هو العقل. إن مهمة الفلسفة لتنحصر بما هو كائن، لأن ما هو كائن ليس سوى العقل نفسه " ص 116 يعلق المترجم العربي امام عبد الفتاح امام بالقول: من وظيفة الفيلسوف في رأي هيغل أن يجد البهجة والمتعة فيما هو حاضر باكتشاف العقل الكامن فيه. إن الفلسفة يمكن أن ترقص طربا للمتعة التي تجدها في هذا العالم وليست بحاجة إلى تأجيل رقصها حتى تفرغ من بناء الدولة في مكان اخر. وإذا استطاعت نظرية ما ان تجاوز العالم الواقعي فعلا وان تبني المثل الأعلى للعالم على نحو ما ينبغي ان يكون عليه فان هذا العالم يكون له وجود بغير شك ولكن في رأس صاحب النظرية فحسب على هيئة عنصر لا قوام له [عنصر سلب]) [أصول فلسفة الحق ص 116 طبعة متبولي 1996]
#نايف_سلوم (هاشتاغ)
Nayf_Saloom#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
استهلال كتاب -العقل والثورة-
-
-العَلْمانيّة- من منظور جديد
-
قراءة في رواية -سيدهارتا-*
-
محنة الديموقراطية والوطنية في مشروع بناء الدولة العربية
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: هنريكس رقم 2 ، إدانة الفل
...
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: هنريكس رقم 1
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: المسألة اليهودية رقم 1 -و
...
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: النقد النقدي المطلق
-
-الأسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: نسق عالم -أسرار باريس-
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: السرّ كـ -سُخرية-
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات-سر الاستقامة والتقى
-
-الاسرة المقدسة- ؛ تحقيقات وتعليقات - سر المجتمع المثقف
-
الاسرة المقدسة؛ تحقيقات وتعليقات - سر البناء النظري
-
الاسرة المقدسة؛ تحقيقات وتعليقات: النقد النقدي -بسِمات تاجر
...
-
الدولة الديمقراطية العلمانية والدولة المدنية
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات-حاشية نقدية رقم 5
-
-الأسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات حاشية نقدية رقم 4
-
محنة الديمقراطية والوطنية في مشروع بناء الدولة العربية
-
نقد فلسفة التوسير
-
في مفهوم الحضارة وتطوره
المزيد.....
-
تدشين محطة ركاب قطار الاتحاد في أبوظبي.. أولى الرحلات تنطلق
...
-
جفاف بحر قزوين يقترب من سيناريو بحر آرال.. والعلماء يدقون نا
...
-
زاخاروفا: -بوليتيكو- رفضت نشر مقال لافروف لأنه يكشف حقيقة أك
...
-
فرنسا توسع رقعة الإنذار الأحمر بسبب موجة الحر وانقطاع الكهرب
...
-
بعد دعم الشرق.. هل تكسر المبادرة الأمريكية صمت حكومة الدبيبة
...
-
وول ستريت جورنال تكشف كواليس مواجهة كادت تنهي مفاوضات سويسرا
...
-
ترامب يتهم مجلس الشيوخ بإضعاف موقفه أمام إيران
-
كوريا الجنوبية تحتجز جنديا كوريا شماليا بعد عبوره الحدود
-
بعد توقف الحرب على إيران.. ماذا يعني قرار -الشيوخ- الأميركي؟
...
-
السودان على حافة انفجار اجتماعي يعمق تداعيات الحرب المتصاعدة
...
المزيد.....
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
-
تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع
/ علي حمدان
-
-الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
/ احسان طالب
-
جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
/ إحسان طالب
-
ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي
/ علاء سامي
-
كتاب العرائس
/ المولى ابي سعيد حبيب الله
-
تراجيديا العقل
/ عمار التميمي
-
وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف
/ عائد ماجد
المزيد.....
|