|
|
قراءة في رواية -سيدهارتا-*
نايف سلوم
كاتب وباحث وناقد وطبيب سوري
(Nayf Saloom)
الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 10:06
المحور:
الادب والفن
سيدهارتا هو من حقق هدفه، وهو أحد أسماء بوذا، أو هو من وجد معنى الوجود (البحث عن المعنى) وهو مشتق من اللغة السنسكريتية (الهندية القديمة) وهو اسم سيدهارتا جوتاما مؤسس البوذية والمعروف بالبوذا. سيدها: مُنجز ومحقق، سيّد الوجود، وآرتا: ما تم البحث عنه (غاية أو معنى) أما مريم فتعني بالآرامية مار يمّ: أي سيّد الماء جوفيندا: الذي يُسعد الحواس، والحاضر في كل مكان المتعدد (المتع الحسية) والحامي للنفس، النفس المطمئنة، حامي الابقار المقدسة (البقرة: بارا أي نفس وهي نوت البقرة السماوية المصرية المقدسة يرفعها تسعة آلهة وابنها العجل السماوي المقدس: آبيس) يمثل أوم الواحد الأحد اللامحدود المرسل المطلق، الصوت الازلي للخلق: نطقه (إم) (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس: 82] هو أمر وإرادة وقول. ولحظة القول أو النطق بـ (إم) هي لحظة الخلق. والبسملة القرآنية تبدأ (بسم) أي بـ (اسم)، حيث يظهر الباء أولاً ويحجب الألف ويظهر الـ (ميم) آخراً (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحديد: 3]. وحيث فاتحة سورة البقرة (ألم) فافهم هذا "التثليث" وتدبّره. بالطبع يجب التفريق بين الوحدة والواحد، حيث الواحد Mythos هو الذي يتخلل الوحدة ويهيمن عليها ويكوّن جوهرها، مثله في ذلك كمثل نمط الإنتاج يتخلل التشكيلة الاجتماعية ويهيمن عليها ويطبعها بطابعه. أتمان الروح الفردية، والثلاثة أول الافراد، الروح في تفرّدها وتبتّلها واتصالها مع النفس الكبرى (إم: محمد) أو نفس الكون أو أحد حيث أحد (ثلاثة حروف) = 1+8+4= 13= 4 = م سعي سيدهارتا للتفرد يعني سعيه للخروج من القطيع والتعالي عليه (لن يكون مجرّد شاة تمشي بين قطيع)، لن يكون مثل رفيقه جوفيندا ولن يكتفي بمتعة الحواس كباقي أفراد القطيع البشري. قال ابن عربي في " فص حكمة فردية في كلمة محمدية": "إنما كانت حكمته فردية لأنه أكمل موجود في هذا النوع الإنساني، ولهذا بُدِئ به الامر وخُتم: فكان نبياً وآدم بين الماء والطين، ثم كان بنشأته العنصرية (العربية) خاتم النبيين. وأول الافراد الثلاثة" (فصوص الحِكَم: 214) وأول الأزواج الأربعة. وحاصل جمعهما سبعة، ووتر هذا الشفع خمسة. (مثلث فيثاغورث القائم ضلعاه 3، 4 ووتره 5) الريجفيدا: معرفة مرتّلة، ترانيم شعرية مقدسة قديمة: ريج؛ معرفة، وفيدا ترانيم أو أناشيد وأشعار. والريجفيدا من أقدم الكتب المقدسة الهندوسية. سيدهارتا رحلة تفرّد وتعال عن القطيع البشري، ثم هبوطه إلى الناس والعالم اليومي مرة أخرة رحمة وعطفاً. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107] المتفرّد يسمع ولا ينفعل، قدرته على سماع كل شيء من دون غضب أو انفعال أو نفور، من دون هذا التفرّد وهذا التعالي لا يمكن قيادة البشر روحياً نحو الحق والحقيقة والعدل ومواجهة الظلم والعسف والطغيان Hybris التفرّد والتعالي يعني الاندماج بالنفس الكلية أوم. قد يبدو هيرمان هيسة مأخوذاً بمذهب وحدة الوجود إلا أن حديث سيدارتا مع البوذا جوتاما المستنير الاعظم يقدم دليلا معاكساً تدفعنا الرواية للتفريق بين العقل الفعّال والنفس الكلية أوم (إم). المعادل الرقمي لـ "أوم" هو 47 حيث أوم= 1+6+40= 47 بالجمع 11 وهو رقم الفصل الذي يتحدث فيه هيسه عن "أوم" و7 هو المعادل الرقمي لـ (ع) و4 المعادل الرقمي لـ (م)، حين يتعين المعنى عين يظهر باسمه ميم. حيث يقترن الاسم بالمعنى في اللغة الواحدة. لا معنى لمفارقة النفس وتعاليها لما هو سائد وقائم إن لم يكن لها مشروع تاريخي ويوم آخر يوم قيامة تناضل من أجل تحقيقه وإلا دخلت في حالة تصوّف يخلط النظرية بالممارسة يستعير هرمان هيسه مثال النهر ليشرح فكرة الديمومة والتغير الدائم تيمناً بهيراقليطس الذي استعار مثال النهر والنار لشرح فكرته عن الوجود وحقيقته والتغير الدائم، كل شيء في حالة حركة وتغير. النهر موجود هنا وقبل هنا وبعد هنا في نفس الوقت، وهو تمثيل حسي للنفس الكلية (أوم) يمكننا الحديث هنا وبوحي من السرد عن الخلاص بالغنوص أي بالمعرفة، معرفة النفس، وهو ما يسمى القيامة الصغرى. قال أفلاطون: من "عرف نفسه فقد تأله" وهو امتداد لقول سقراط: اعرف نفسك! قال محي الدين بن عربي: "ومعرفة الانسان بنفسه مقدمة لمعرفته بربّه، فإن معرفته بربّه نتيجة عن معرفته بنفسه، لذلك قال عليه السلام "من عرف نفسه عرف ربّه. فكان محمد أوضح دليل على ربّه"" (فصوص الحِكَم: 215) والكلام السالف الذكر منسوب إلى علي وإلى محمد، قال النبي لوفد نجران في المباهلة: "أنا وعلىٌّ نفسه" أول مواجهة للنفس الفردية في نضالها من أجل التحرر والتفرد هو نضالها تجاه الأهل وتعاليم الأسرة وعقائدها والانتماء للمنزل، وهي أول معركة للتحرر الفكري والخروج من الأوديب. نقرأ في الرواية: "كان السرور يغمر قلب ابيه كلما شاهد ابنه الذكي المتعطش إلى المعرفة، كان يراه وقد شبّ عن الطوق عالماً عظيماً وكاهناً وأميراً بين البراهمة" والبراهمة جماعة الوالد الدينية العقائدية. "وكان الزهو يملأ صدر أمه كلما رأته ماشياً أو قاعداً أو قائماً. وكان سيدهارتا القوي الوسيم ذو الأطراف المطواعة يحييها في رشاقة كاملة " ونقرأ من الجهة الثانية: "إن قدر سيدهارتا كما يراه صديقه جوفيندا أن يصير إلهاً (أن يتأله) وأن يدخل في حضن النور الشامل ويصبح بوذا جوتاما"، أي أن ينتقل من حضن والديه وعقائدهم البراهمية إلى حضن النور الشامل والنفس الكلية (أوم) وجوفيندا يريد أن يتبعه بوصفه صديقاً ورفيقاً وخادماً وحامل رمحه وظل من ظلاله " مثله كمثل سانشو بانزا (على سبيل التهكم) تابع الدون كيشوت وحامل رمحه في مهمته المقدسة. في لحظة حاسمة قرر سيدهارتا الخروج من الاوديب للقيام بسياحة روحية. بدأ سيدهارتا يشعر ببذور السخط تنبت داخل نفسه، وأخذ يشعر أن حب أبيه وأمه، وكذلك حب صديقه "جوفيندا" لا يجعله دائماً سعيداً" أتمان: الخالق براجاباتي: الصانع المصوّر (ديمورج) باليونانية القديمة δημιουργός، dēmiourgos : الصانع المبدع للمادة والكون. (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ) [الأعراف: 11] الخالق يفيض على المصوّر فيأخذ القدرة والأمر منه ويصوّر الخلق بأمره. الخلق ظهور علمي، والتصوير ظهور أعيان الأشياء، أي تجلي جسدي مادي فعلي. توجد فترة زمنية بين الخلق والتصوير لأن (ثُمّ) تفيد الترتيب مع التراخي بين المعطوف والمعطوف عليه. نقرأ في الرواية: "هل كان براجاباتي" هو الذي خلق العالم حقاً؟ ألم يكن أتمان وهو وحده، ألم يكن هو أتمان الواحد الأحد، هو الذي خلق؟ البوذية تطابق بين النفس الكونية ونفس الانسان، وأن الله الواحد يتخلل نفس الانسان ونفس الطبيعة والكون المادي، أي أن الله هو مبدأ نظام الأشياء والنفس الإنسانية. هذا المذهب هو مذهب سبينوزا ومن قبله هيراقليطس، ويسمى مذهب وحدة الوجود. وهذا المذهب ينكر التعالي المنسوب لله ويجعل الله والطبيعة في وحدة أي يجعل الله بعينه نظام الطبيعة وقانون ترابطها. الهندوسية القلقة قليلاً تؤمن بالمفارقة (الله مفارق للطبيعة). أتمان الذات الإلهية الخالقة. الامر أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون. له الامر، أمر التكوين، وللشيء قابلية التكوين والاستجابة للأمر أمر مكوّنه. لقد تناول البراهما كل شيء: خلق العالم، أصل الكلام، الطعام، الشهيق-الزفير، ترتيب الحواس، أفعال الآلهة. لكن ما قيمة معرفة الأشياء جميعاً إن لم يعرفوا في داخلهم الشيء الوحيد المهم وهو معرفة الذات، وهذه بحاجة إضافة إلى المعرفة إلى الاختبار والتجربة إلى الممارسة في الحياة والعمل، انخراط الفرد الفعلي في الحياة وليس الترهّب والهروب منها. إن روحك هي العالم بأسره، وهذه الروح الذاتية لا تظهر إلا من خلال الفعل أو بالفعل. فظهورها النظري العِرفاني ظهور مثلي، وظهورها بالعمل والفعل ظهور ذاتي. يقول سيدهارتا: أين هم البراهما والكهنة والحكماء الذين أفلحوا لا في الحصول على هذه المعرفة العميقة فحسب، بل في تجربتها؟ أين هم السالكون الذين بلغوا أتمان في منامهم ثُمَّ استطاعوا الاحتفاظ به في الوعي وفي الحياة في كل مجال، في الاقوال والافعال" (19) هذا الذي يعرف كل هذه المعرفة يعيش في سعادة، أيعرف السلام؟ على المرء أن يجد النبع داخل ذاته، ومتى وجده تفرّد وتعالى على جحيم الحياة اليومية. وهذا هو الخلاص بالغنوص. كان هذا العالم العلوي قريباً في كثير من الأحيان، لكن لم يصل إليه قط. ولم يكن بين الحكماء الذين عرفهم والذين استمتع بتعاليمهم من بلغ هذا العالم العلوي تماماً، أو أطفأ ذلك الظمأ الابدي تمام الإطفاء." أحدثكم عن السامانا الزهّاد المتجولين الثلاثة يعلوهم النحول والارهاق وعلى أكتافهم الدامية طبقة من التراب وهم شبه عراة وقد أحرقتهم الشمس متوحدين غرباء متوجسين كثعالب عجاف في عالم البشر حولهم تحوم أسراب من العاطفة الهامدة ومن الخدمة الماحقة ومن إنكار للذات لا يعرف الرحمة بعد أن قرر سيدهارتا السفر، وقرر شق طريقه الخاصة عبر سياحة روحية تدخله في تجربة الحياة، بدا لوالده طويلاً غريباً. وإبليس طويل أسود وغريب يعتقد الاب البوهيمي متوهماً أن ابنه سيد هارتا سيغادرهم بحثاً عن السعادة في الغابة حيث يقول له: "فإن وجدت السعادة في الغابة فعد إليّ وعلمني إياها، وإن انقشعت أوهامك فارجع، وسنقدم القرابين للآلهة مرة أخرى. والآن اذهب قبّل أمك وأخبرها أين ستذهب" سيدهارتا يبحث عن تحقيق ذاته وقراره وإرادته لا عن السعادة. لقد هرب من وهم السعادة والجمال ليقع في وهم أكثر قسوة هو القضاء بالموت على الذات، بدل البحث عنها وفيها وتحقيقها وتفريدها وتعاليها. ها هو يدمر السر الأعظم، بدل البحث فيها ومعرفتها، حاول التخلص من ذاته عبر تقمصات حيوانية وطبيعية، وعبر إبادة حواسه وقتل ذاكرته والإفلات من "ذاته" وها هو ذات مرة أخرى! يجري إنكار الذات عبر الألم، والتعبير اللاإرادي، عبر التأمل وإفراغ الذهن من الصور جميعاً، وتعلّم عبر ذلك الشعور بفقد ذاته آلاف المرات. وظل أياماً بأكملها مقيماً في العدم. استقر في العدم وفي الحيوان وفي الصخر الجامد، لكن العودة إلى الذات كانت محتومة. أما جوفيندا فقد عاش كشبح وظل يرافقه. ما لتأمل؟ ما لتخلي عن الجسد؟، ما لصوم؟، ما حبس النفس؟ إنه هروب من الذات (مُسكّن مؤقت) يمكن لشارب الحشيش أو شارب الخمر أن يحصل عليها مؤقتاً. لكن الشخص هنا لم يصعد إلى مكان أعلى، لم يتعالى عن الواقع اليومي. جوفيندا: نحن لا نسير في دوائر؛ تكرارات؛ تقمصات، بل نصعد إلى أعلى. الطريق حلزوني. هذه سقطة وضعية من جوفيندا ترى المتشابه المتكرر، وهي عاجزة عن رؤية التحول والصعود فعلاً إلى درجة أعلى. وهو ما يعكس التناقض في كلام جوفيندا. الفهم الوضعي لا يستطيع أن يحيط بالتعالي. إن فلسفة هوراشيو الوضعية لم تمكنه من الكلام والحديث مع طيف الاب العائد في مسرحية هاملت لشكسبير. التعالي يفهم على أنه دوائر قافزة إلى أعلى لا حلزون يمكن له أن يتحول في أي لحظة إلى مستقيم. إنه ارتفاع درجة (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) [الانعام: 165] (انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) [الاسراء: 21] سيدهارتا مخاطباً جوفيندا: "أعتقد ألا أحد من السامانات يمكن أن يصل إلى الترفانا" أي الخلاص من الذات كلية والخروج من الجسدية. إننا نلتمس ألواناً من القراءة ونتعلم ضروباً من الحيل نخدع به أنفسنا، أما الشيء الجوهري؛ الطريق، فإننا لا نعثر عليه" الشيء الجوهري المشروع، الطريق إلى غايات نحددها لحياتنا. يتابع سيدهارتا حديثه: ففي ماهية (جوهر) الاشياء ما لا نستطيع أن نسميه تعلماً، إنه معرفة الانسان بالذات (لا بالفكر). أعتقد أنه لا يوجد عدو لهذه "المعرفة" (لهذا التحقيق الذاتي) أسوأ من رجل المعرفة ومن المتعلم (34) أحدثكم عن جوتاما بوذا المستنير الأعظم وأقول إن من تغوص روحه الطاهرة المتأمّلة في أتمان يذوق نعيماً لا تُعبّر عنه الكلمات يقول المؤمنون به إنه على معرفة واسعة وأنّه يتذكر حيواته السابقة كما فعل فيثاغورث الفيلسوف المتألّه وأنه بلغ النيرفانا والصفاء المطلق ولم يعد إلى الدورة فقد خرج من دائرة التقمص (التناسخ) وتعالى على التكررات والعودة إلى الميلاد لقد تخلّص من الكَدر ولن يخوض مرة أخرى في تيار الصور العكِر هزم الشيطان وكلّمه الله تكليماً وأقول كانت الشائعات المنتشرة حول بوذا تبدو جذابة وكأنما يسري شيء من السحر في هذه القصص فقد كان العالم عليلاً، والحياة عسرة، وهنا يلوح أمل جديد، ورسالة جديدة مريحة حنون، حافلة بالوعود العذبة. كان نيروزٌ جديدٌ على الأبواب. أولى ثمار جوتاما أنه أغرانا بالانفصال عن السومانا، وتعلّم تقنية التنويم بالسيطرة على إرادة الآخرين. ركّز ذهنه ونظر في عيني الشيخ العجوز وقيده بنظراته وأخمد مقاومته وأسكته وتغلب على إرادته وأمره صامتاً أن يفعل ما يشاء منه. وانسدلت على عينيه غشاوة وشُلّت إرادته وتدلّت ذراعاه وأصبح بلا حول ولا قوة تحت سحر سيدهارتا. لقد غلب الساماني، وعلى الأخير أن يفعل ما يُؤمر به وأحدثكم عن جوتاما بوذا المستنير الأعظم وهو يتجول في الشوارع متسولاً صامتاً في عباءته الصفراء باسطاً جفنة الحسنات عند أبواب المنازل ليعود بها مليئة وأحدثكم كيف رآه سيدهارتا وهو بوذا نفسه صَبّاً يستجدي في الصباح وكيف تعرّف عليه فوراً وكأنّ إلهاً أشار عليه رآه حاملاً جفنته مبارحاً المكان بهدوء رجلاً متواضعاً يرتدي قلنسوة صفراء فاقع لونها تسرُّ الناظرين (سيدهارتا-أحاديث) وأحدثكم عن بوذا مرة أخرى ها هو يمشي هادئاً في سبيله مستغرقاً في خواطره ملامحه الوديعة برزخ بين الحزن والسعادة كأنه يبتسم بلطف من الداخل كابتسامة طفل وافر الصحة معتدلاً في سيره يرتدي عباءته الصفراء كبقرة صفراء ويمشي كما يمشي النسّاك الآخرون نظراته الخفيضة الوادعة ويده المدلاة المسالمة وكل أصبع في يده يتحدث عن الكمال والسلام لا يسعى إلى شيء ولا يحاكي شيئاً يعكس هدوءاً متصلاً ونوراً لا يخفت وسلاماً لا سبيل إلى النيل منه سنستمع إلى التعاليم من شفتيه إلى أحاديثه وأقواله وأحدثكم كيف نظر سيدهارتا بمتعة لا تنتهي إلى رأس جوتاما إلى منكبيه وقدميه وإلى يده الساكنة المُدلاة إلى جانبه علامة السلام وكيف خُيّل إليه أنه في كل مفصل من مفاصل أصابعه تستقر المعرفة وتحيا إنها تتحدث وتتنفس وتشعُّ حقيقة إن هذا البوذا هذا الرجل مقدّس جداً حتى أطراف أصابعه كلها لم يُبجّل سيدهارتا رجلاً في حياته مثل هذا التبجيل ولم يحب رجلاً قطّ مثل هذا الحب وأحدثكم عن الحقائق النبيلة الأربع 1-دوكا: المعاناة والألم 2-سامودايا: العلّة والسبب (أصل الألم والداء) 3-نيرودا: الانقطاع والتخلّي 4-ماغا: الطريق المستقيم (السراط المستقيم) سراط الذين أنعمتَ عليهم السراط الثُماني (أُكتاف) في إشارة عددية إلى الممارسة العملية وطرق إنهاء المعاناة. واضح أن حقائق البوذية تسعى إلى خلاص فردي، إلى علاج الألم والمعاناة. إنها ضرب من تقنية الهاء وإيهام وإيحاء. أحدثكم عن الكون المحمدي ووجوه اللاهوت الثمانية ثلاثة في السماء وخمسة في الأرض وسلمان برزخ معهما وبين السماء والأرض وأحدثكم كيف خاطب بوذا المقبولين بالانضمام إليه لقد أصغيتم جيداً إلى التعاليم فانضموا إلينا إذن وخذوا نصيبكم من السعادة وضعوا حداً للشقاء إذا تعاليم بوذا تهدف إلى تصالح الافراد مع العالم والخلاص من الألم والشقاء وتحقيق السعادة. وهذه الكلمة الأخيرة تحمل الكثير من الوهم والخرافة. السعادة الحقة والمجد الحقيقي للإنسان هو في معرفة ذاته وتحقيقها وتعاليها ثم الهبوط على البشر لمساعدتهم بالخروج هكذا استمع جوفيندا إلى التعاليم وقبلها. أما سيدهارتا فما زال ينتظر، وقال لصديقه: أنت الآن رجل، فقد اخترت طريقك. تقول التعاليم: اهجر بيتك وأهلك، وانبذ أصلك وما تملك، وتخلى عن إرادتك وتنازل عن الصداقة. هذه هي إرادة المستنير الأعظم أخيراً سأحدثكم عما قاله سيدهارتا لجوتاما بوذا أيها المستنير أعجبتني تعاليمك في شيء واحد فوق كل شيء كل شيء في التعاليم كامل الوضوح تدعمه البراهين وأنت تصوّر العالم بوصفه سلسلة لا انقطاع فيها سلسلة أبدية تترابط بالعلّة والمعلول إن العالم لم يعرض قط بمثل هذا الوضوح ولم تتم البرهنة عليه بمثل هذه البراهين التي لا تُدحض وليس من شك أن قلب كل براهمي سيزداد خفقانه عندما ينظر إلى العالم من خلال تعاليمك فيجده متلاحماً تلاحماً تاماً دون أي ثغرة صافياً كالبلّور لا يعتمد على المصادفة ولا يعتمد على الآلهة! وأنا أقول أن هذا الوصف ينطبق على مذهب وحدة الوجود كما جاء عند سبينوزا ومن قبله عند هيراقليطس. ففي الشذرة رقم (30) والتي يعلن فيها هيراقليطس أن النار هي المبدأ الأول للكون يقول: "إن هذا الكوزموس (الكون: العالم) وهو واحد للجميع، لم يخلقه إله أو بشر ولكنه كان منذ الأزل وهو كائن وسوف يكون إلى الابد ناراً حيّة تشتعل بمقدار وتخبو بمقدار" (بورتر: تاريخ الفلسفة الغربية) ويتابع سيدهارتا: وسواء أكان ذلك خيراً أم شراً، وسواء أكانت الحياة في ذاتها ألماً أو لذة، وسواء كان ذلك غير يقيني، أي حتى لو كان الامر كذلك، فليس مهماً. لكن المهم هو وحدة العالم، وتلاحم الاحداث جميعاً وترابطها، واشتمال كل صغيرة وكل كبيرة في تيار واحد، في قانون واحد. قانون واحد للعلّية والصيرورة والفناء. قال لينين: "الفكرة عبقرية: فكرة الترابط الكلي-الكوني المتعدد الجوانب، الحي، لكل شيء مع كل شيء" (دفاتر الفلسفة؛ علم الديالكتيك) هذا كله يسطع جلياً في تعاليمك أيها الانسان الكامل. غير أن هذا هذه الوحدة وهذا السياق المنطقي للأشياء جميعاً يتحطم وفقاً لتعاليمك في مكان واحد. فمن خلال فجوة صغيرة يندفع إلى عالم الوحدة شيء غريب، شيء جديد، شيء لم يكن هناك من قبل ولا سبيل إلى اثباته أو البرهنة عليه (لأنه سلبٌ كامل منزّه عن الصفات). وفقاً لتعاليمك في التعالي والمفارقة والارتفاع فوق العالم (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) [الصافات: 159] أي تعالى الله وتنزّه وتقدّس أن يكون له ولد. جاء في سورة الإخلاص في أربع آيات: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)). الخلاص يكون بهذه الفجوة الصغيرة وبقدرة الواحد الاحد، حيث الخلاص يكون يتغيير العالم الفاسد واحقاق الحق والعدل لا بتخدير الافراد وتسكين الألم ونزع المعاناة إلى حين. من خلال هذا الصدع أو الشقّ الضيق يتحطم قانون العالم الابدي الفريد مرة أخرى وتحصل البشارة من جديد ويولد العالم الجديد وتحصل العجيبة أو المُعْجزة. سامحني إن أنا أثرت هنا الاعتراض. هكذا ووفقاً لتعاليم بوذا نفسه لا يكون الخلاص الحق للإنسان إلا بتغيير العالم الفاسد لا التصالح معه عبر التمارين والاحاييل والتوهمات والتخديرات. يقول ماركس في أطروحات حول فيورباخ، الاطروحة الحادية عشرة: "لم يفعل الفلاسفة سوى تفسير العالم بطرق مختلفة، والمهم هو تغييره" (الاطروحة 11) وهذه دعوة لتجاوز الفلسفة التأملية الهيغلية وتأسيس فلسفة جديدة أساسها العمل والممارسة العملية (فلسفة البراكسيس). (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ) [التوبة: 105] * سيدهارتا، تأليف هرمان هيسّه، ترجمة وتقديم فؤاد كامل، دار المعارف-القاهرة
#نايف_سلوم (هاشتاغ)
Nayf_Saloom#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
محنة الديموقراطية والوطنية في مشروع بناء الدولة العربية
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: هنريكس رقم 2 ، إدانة الفل
...
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: هنريكس رقم 1
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: المسألة اليهودية رقم 1 -و
...
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: النقد النقدي المطلق
-
-الأسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: نسق عالم -أسرار باريس-
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: السرّ كـ -سُخرية-
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات-سر الاستقامة والتقى
-
-الاسرة المقدسة- ؛ تحقيقات وتعليقات - سر المجتمع المثقف
-
الاسرة المقدسة؛ تحقيقات وتعليقات - سر البناء النظري
-
الاسرة المقدسة؛ تحقيقات وتعليقات: النقد النقدي -بسِمات تاجر
...
-
الدولة الديمقراطية العلمانية والدولة المدنية
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات-حاشية نقدية رقم 5
-
-الأسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات حاشية نقدية رقم 4
-
محنة الديمقراطية والوطنية في مشروع بناء الدولة العربية
-
نقد فلسفة التوسير
-
في مفهوم الحضارة وتطوره
-
مثلث هنري كيسنجر
-
العلمانية، الديمقراطية، المواطنة
-
مشروع الممر الاقتصادي الهندي-الأميركي
المزيد.....
-
الفيلم السعودي -رهين-.. فوضى سينمائية تقع في فخ الكوميديا ال
...
-
وداعاً -ابن رشد العصر-.. جدل مراد وهبة لن يموت أبداً!
-
عالم ما بعد هوليود: كيف تعيد صناعة السينما رسم خريطة التأثير
...
-
مارلين بوث تحصد جائزة سيف غباش بانيبال للترجمة الأدبية 2025
...
-
“فيلة وسناجب”: فيلم يكشف صعوبة استرداد الكنوز الأثرية المنهو
...
-
غوينيث بالترو تكشف عن فقدانها لدور سينمائي بعد إعلان انفصاله
...
-
تطورات الحالة الصحية للفنان المغربي عبد الهادي بلخياط
-
وزير الإعلام اللبنانى ينعى نجل الفنانة فيروز
-
الممثلة المصرية لقاء سويدان تكشف إصابتها بالعصب السابع على ا
...
-
-Paname-.. معرض الفنان التشكيلي الجزائري بلال حمداد يدخل با
...
المزيد.....
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
المزيد.....
|