أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محيي الدين ابراهيم - المسرحية الغنائية -هادستاون- على مسرح -ليريك- في لندن















المزيد.....

المسرحية الغنائية -هادستاون- على مسرح -ليريك- في لندن


محيي الدين ابراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 02:55
المحور: الادب والفن
    


حين ينتصر الممثل على وفرة التكنولوجيا:
حين حصلت المسرحية الغنائية "هادستاون" على تسع جوائز "توني"، لم تكن قد حققت انتصارًا فنيًا فحسب، وإنما كانت تضع أمام المسرح المعاصر سؤالًا أعمق من حدود الجوائز والنجاح الجماهيري: ماذا يحتاج المسرح لكي يكون عظيمًا؟ هل يحتاج إلى وفرة التكنولوجيا، والشاشات، والمؤثرات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، أم أن جوهره القديم ما يزال قادرًا على صناعة الدهشة حين يمتلك الممثل أدواته، ويمتلك المخرج خياله، ويعرف مصمم الديكور كيف يجعل القليل يبدو كثيرًا؟
هذا السؤال أراه جديرًا بأن يصل تحديدًا إلى المسرحي المصري؛ لأن "هادستاون" التي ما تزال تُعرض على مسرح "ليريك" في لندن، والمقرر استمرار عروضها حتى 31 ديسمبر 2027، تقدم نموذجًا شديد الدلالة: عرض عالمي شديد النجاح لا يجعل التكنولوجيا بطله الأول، ولا يتعامل مع الخشبة باعتبارها معرضًا لقدرات الأجهزة، وإنما يعيد الإنسان إلى مركز العملية المسرحية.
لقد قطعت "هادستاون" رحلة طويلة من عروض صغيرة في غرف فوق الحانات، إلى الإنتاجات المستقلة، ثم أوف برودواي، فالمسرح الوطني، وبرودواي، وصولًا إلى ويست إند. وخلال هذه الرحلة تطورت كثيرًا، لكن جوهرها ظل قائمًا على فكرة شديدة البساطة وشديدة الصعوبة في الوقت نفسه: أن المسرح يستطيع أن يصنع عالمًا كاملًا حين يثق في الممثل والخيال.
تستند المسرحية إلى أسطورة أورفيوس ويوريديس، لكنها لا تتعامل مع الأسطورة باعتبارها قطعة أثرية من الماضي، وإنما تعيد خلقها لكي تتحدث عن الإنسان المعاصر: عن الحب والفقد، والخوف، والسلطة، والبيئة، والفقر، والرغبة في النجاة. وهذا تحديدًا هو الفارق بين إعادة تقديم الأسطورة وإعادة اكتشافها؛ فالمسرح العظيم لا يعيد إلينا الماضي كما كان، وإنما يستخرج من الماضي سؤالًا ما زال حيًا فينا.
في قلب الحكاية يظهر أورفيوس، ويقدمه مارلي فينتون بشخصية شديدة الرقة والارتباك؛ شاب خجول يحاول أن يجد طريقه في عالم لا يمنحه كثيرًا من اليقين. وحين يقع في حب يوريديس، التي تؤديها بيثاني أنطونيا، يصبح الحب بالنسبة إليه أكثر من علاقة عاطفية؛ يصبح سببًا للخروج من خوفه ومواجهة العالم السفلي.
ويمتلك فينتون صوتًا قادرًا على ملء فضاء مسرح ليريك، لكن قيمة أدائه لا تكمن في جمال صوته وحده، وإنما في تحويل الغناء إلى فعل درامي. فحين يخشى فقدان حبيبته، يصبح صوته نفسه مساحة للحزن، وحين يواجه قوى العالم السفلي، نرى في عينيه المسافة التي قطعها من ذلك الشاب المرتبك إلى الإنسان الذي قرر أن يقاوم.
أما يوريديس التي تؤديها بيثاني أنطونيا، فتخرج من عالم قاسٍ تحكمه كارثة بيئية جعلت البقاء نفسه معركة. ولهذا تظهر منذ البداية متحفزة ومتوترة، قبل أن تبدأ تدريجيًا في اكتشاف الحب والأمان مع أورفيوس، ثم تواجه إغراء الأمان الذي يقدمه هاديس. وتنجح أنطونيا في الجمع بين القوة الصوتية والبناء النفسي للشخصية، فلا يتحول الغناء إلى استعراض منفصل عن الدراما.
وتقدم راشيل أديديجي في شخصية بيرسيفوني أداءً صوتيًا لافتًا، لكنها تمنح الشخصية أيضًا عمقًا إنسانيًا؛ امرأة أرهقها مسار حياتها وفقدت شيئًا من شغفها، قبل أن تستعيد بعض هذا الشغف عندما تواجه هاديس في الفصل الثاني.
أما هاديس، في أداء أليستير باركر، فيكشف لنا شيئًا أكثر تعقيدًا. خلف صورة الرجل الصلب، صاحب السلطة والصوت الجهوري، يوجد إنسان مكسور. وعندما يغني أورفيوس ويوقظ فيه ذكرى الحب الذي فقده، تتصدع القشرة التي صنعها هاديس حول نفسه. وهنا لا يعود ملك العالم السفلي مجرد قوة شريرة في الأسطورة، وإنما يصبح إنسانًا حوّل خوفه من الفقد إلى سلطة وسيطرة.
ويضيف كليف رو، في شخصية هيرميس، خفة وحضورًا جذابًا، محافظًا على التوازن بين الراوي والشخصية، وبين المأساة والأمل.
لكن كل هذه العناصر تعود بنا إلى السؤال الأول: كيف استطاع عرض كهذا أن يصنع كل هذه الدهشة دون أن يجعل التكنولوجيا مركز وجوده؟
الإجابة، في تقديري، تكمن في أن "هادستاون" تعرف أن التكنولوجيا يمكن أن تساعد المسرح، لكنها لا تستطيع أن تصنع له روحًا.
قد يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصنع صورة مبهرة، وقد تستطيع الشاشات أن تخلق عوالم لا حدود لها، وقد تستطيع التقنيات الحديثة أن تحول الخشبة إلى فضاء بصري مذهل، لكن لا شيء من ذلك يستطيع وحده أن يحل محل ممثل يقف أمامك، فيتنفس، ويرتجف، ويغني، ويصمت، وينظر إليك فتشعر أن ما يحدث على الخشبة يحدث لك أنت.
الممثل هو التكنولوجيا الأولى للمسرح.
وهنا تقدم "هادستاون" درسًا مهمًا للمسرح المصري والعربي. فالمشكلة ليست دائمًا في قلة الإمكانات، كما أن كثرتها ليست ضمانًا للنجاح. القضية الحقيقية هي: ماذا يفعل الفنان بما يملك؟
قد يكون لديك ديكور محدود، فإذا امتلك المخرج خيالًا حقيقيًا، استطاع أن يجعل منه مدينة كاملة. وقد تكون لديك إضاءة بسيطة، لكنها إذا وضعت في اللحظة الصحيحة استطاعت أن تكون ذاكرة أو حلمًا أو جحيمًا. وقد يقف ممثل أمام مساحة شبه فارغة، لكنه إذا امتلك أدواته استطاع أن يملأ الخشبة والعين والوعي.
إن "هادستاون" لا تدعونا إلى رفض التكنولوجيا، وإنما إلى إعادة وضعها في مكانها الطبيعي: التكنولوجيا خادمة للخيال وليست بديلًا عنه.
وهذا فارق جوهري.
فالمسرح لم يولد لكي يستعرض ما تستطيع الآلة أن تفعله، وإنما لكي يكشف ما يستطيع الإنسان أن يفعله.
ولهذا فإن بساطة الأدوات في بعض مستويات العرض لا تعني فقرًا بصريًا بالضرورة؛ فقد تتحول البساطة إلى ثراء تخييلي حين تترك للمتفرج مساحة لكي يشارك في صناعة العالم. وما لا نراه بأعيننا قد تصنعه مخيلتنا بصورة أكثر اتساعًا مما تستطيع أي شاشة أن تمنحه.
وهنا تلتقي "هادستاون" مع جوهر المسرح نفسه: أن تترك شيئًا ناقصًا لكي يكمله المتفرج.
ولعل هذا أحد أسباب استمرار جمهورها في العودة إليها. فالمسرحية لا تعتمد على المفاجأة وحدها؛ نحن نعرف الأسطورة، ونعرف مصير أورفيوس، ونعرف أن الموت والفقد جزء من الحكاية، ومع ذلك نعود.
لماذا؟
لأن المسرح لا يمنحنا الحكاية فقط، وإنما يعيد إلينا إحساسنا بها.
وهنا تقترب "هادستاون" من سيزيف الذي تحدث عنه ألبير كامو؛ الإنسان الذي يعرف ثقل الصخرة، ويعرف أنها ستعود إلى القاع، ومع ذلك يدفعها مرة أخرى. إن أورفيوس يفعل الشيء نفسه بطريقته: يعرف أن الحب معرض للفقد، لكنه يحب؛ يعرف أن الطريق محفوف بالمأساة، لكنه يمضي؛ يعرف أن الأغنية حزينة، لكنه يغنيها.
وهذه ربما هي الفلسفة الأعمق التي تحملها "هادستاون": ليس انتصار الإنسان في أن يضمن نهاية سعيدة، وإنما في أن يواصل السير رغم أنه لا يملك هذا الضمان.
ومن هنا تتحول الأسطورة إلى مرآة لنا جميعًا. نحن أيضًا ندفع صخورنا، ونخسر من نحب، ونواجه الخوف، وننتظر ربيعًا بعد شتاء طويل. لكننا، رغم معرفتنا بكل ذلك، نستمر.
ولهذا لا تبدو "هادستاون" مسرحية عن الموت بقدر ما هي مسرحية عن التشبث بالحياة؛ عن الحب الذي يعرف أنه قابل للفقد ومع ذلك يحب، وعن الإنسان الذي يعرف أن الشتاء سيأتي ومع ذلك يزرع، وعن الأغنية التي نعرف أنها حزينة ومع ذلك نغنيها.
وهنا، في النهاية، أظن أن الرسالة الأهم التي يمكن أن تصل إلى المسرحي المصري ليست أن يتخلى عن التكنولوجيا، وإنما ألا يسمح لها بأن تستولي على جوهر المسرح.
فقد يستطيع القرن الحادي والعشرون أن يمنحنا أدوات لم يحلم بها مسرحيو القرن العشرين، لكنه لا يستطيع أن يمنحنا الخيال إذا فقدناه.
قد تصنع أدوات القرن الحادي والعشرين عرضًا مبهرًا، لكن الإنسان وحده هو الذي يستطيع أن يمنحه روحًا.
وهذا هو الدرس الذي تتركه "هادستاون" خلفها: ليس المسرح العظيم هو الأكثر إنفاقًا، ولا الأكثر ازدحامًا بالمؤثرات، وإنما هو المسرح الذي يعرف كيف يحول أقل قدر من الأدوات إلى أكبر قدر من الدهشة.
إنها دعوة لأن نثق مرة أخرى في الممثل، وفي المخرج، وفي مصمم الديكور، وفي الموسيقى، وفي الضوء، وفي خيال المتفرج.
دعوة لأن نتذكر أن الخشبة لم تُخلق لكي تكون أكثر امتلاءً، وإنما لكي تكون أكثر حياة.
وحين ينجح المسرح في ذلك، يستطيع لأدوات القرن العشرين أن يهزم بها دهشة القرن الحادي والعشرين.
محيي الدين إبراهيم
لندن في 25 سبتمبر 2026م



#محيي_الدين_ابراهيم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المسرح المصري في هوليوود ... حين تتحول السينما إلى ذاكرة لا ...
- لماذا سيد درويش؟
- حين بدأ الخلق من نقطة - ضرورة الخالق وأخلاقيات الإيمان:
- كيف يري الغرب توفيق الحكيم
- أخطر عشرة مسرحيات في تاريخنا المعاصر
- قراءة في الرواية القصيرة -المعجزة السرية- للكاتب الأرجنتيني ...
- من الأيديولوجيا إلى الإرث: أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياس ...
- الثقافة الإيرانية في سينما ومسرح بهرام بيضائي .. نماذج الوجو ...
- ميني دراما -حكمت المحكمة حضورياً-
- أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياسة المعاصرة ( الجزء الثاني )
- من الأيديولوجيا إلى الإرث: أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياس ...
- تحت المظلة لنجيب محفوظ .. حين يتحول الإنسان من فاعل إلى متفر ...
- حين يخشى العقل الحياة
- قراءة في مسرحية نشيد الأنشاد لتوفيق الحكيم في ضوء المدرسة ال ...
- مسرح الأقاليم (وجهات نظر عالمية ) - المقال الثالث
- مسرح الأقاليم - (وجهات نظر عالمية ) - المقال الثاني:
- مسرح الأقاليم ( وجهات نظر عالمية ) - المقال الأول
- نوبار باشا بين ذاكرة رجل الدولة وضمير المؤرخ:
- المسرح الوصفي: قراءة نقدية في محاولة لتأسيس شكل مسرحي جديد م ...
- كيف يمكن للأزواج النجاة من الخيانة العاطفية؟


المزيد.....




- بيت المدى والجمعية العراقية العلمية للفنون يناقشان غياب الفر ...
- أدب الحرب وثقافة المقاومة – 6
- من القاهرة إلى الشارقة.. ماذا ينقص معارض الكتاب العربية لتصب ...
- مركز الثقافة والفنون والموروث الشعبي بعدن يختتم دوراته التدر ...
- هل تتسبب حصص اللغة الكردية في مدارس سوريا في خلاف بين دمشق و ...
- إدانة مانشستر سيتي.. هل تنقلب الرواية على -الفيلسوف- غوارديو ...
- -كيف يُفهم التاريخ؟-.. حفريات في صنعة التاريخ وهواجس المؤرخ ...
- قبل -المؤثرات- وصانعات المحتوى.. ماري عجمي ووداد سكاكيني نسا ...
- منتدى -حوار الثقافات- يفتتح أعماله في متحف الإرميتاج بمشاركة ...
- تتصدّر رواية سيمونيان مبيعات الكتب في موسكو للأسبوع الثاني ع ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محيي الدين ابراهيم - المسرحية الغنائية -هادستاون- على مسرح -ليريك- في لندن