أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محيي الدين ابراهيم - المسرح الوصفي: قراءة نقدية في محاولة لتأسيس شكل مسرحي جديد من خلال نص تجريبي















المزيد.....

المسرح الوصفي: قراءة نقدية في محاولة لتأسيس شكل مسرحي جديد من خلال نص تجريبي


محيي الدين ابراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 23:05
المحور: الادب والفن
    


قراءة نقدية في محاولة لتأسيس شكل مسرحي جديد من خلال نص تجريبي "الأراجوز":
مرفق مع القراءة نص "الأراجوز" انموذجاً
منذ أن وقف الإنسان الأول فوق صخرة ليروي حكايته للجماعة، والمسرح يبحث عن وسيلته المثلى لتجسيد العالم. مرة وجدها في الجسد، ومرة في القناع، ومرة في الكلمة، ومرة في الضوء. ومع كل تحول تاريخي كانت الخشبة تعيد تعريف نفسها من جديد. غير أن سؤالًا ظل حاضرًا في أعماق الفن المسرحي منذ نشأته وحتى اليوم: هل المسرح هو ما نراه أم ما نتخيله؟
هذا السؤال يبدو مدخلًا مناسبًا للحديث عن محاولة جمالية جديدة يمكن أن نطلق عليها اسم "المسرح الوصفي"، وهو شكل درامي لا يسعى إلى إلغاء المسرح التقليدي بقدر ما يحاول نقل مركز الثقل من الفعل المرئي إلى الصورة المتخيلة، ومن الحدث المجسد إلى الحدث الموصوف، ومن خشبة المسرح المادية إلى خشبة أخرى أكثر اتساعًا وأشد حرية؛ خشبة المخيلة الإنسانية.
إن المسرح التقليدي يقوم في جوهره على الفعل. فالشخصيات تتحرك، وتتصارع، وتتخذ القرارات أمام أعين المتفرجين. أما المسرح الوصفي فينطلق من فرضية مختلفة؛ مفادها أن اللغة نفسها قادرة على أن تصبح فعلًا مسرحيًا، وأن الوصف ليس مجرد وسيلة لشرح العالم، بل يمكن أن يكون هو العالم ذاته.
ويتجلى ذلك بوضوح في نص "الأراجوز".
فالنص لا يقدم لنا قرية محددة على الخشبة، ولا يرسم ديكورًا تفصيليًا، ولا يطلب ظهور ديناصور فعلي أو أصحاب جلابيب سوداء أو حتى الأراجوز نفسه. كل هذه العناصر تُبنى داخل ذهن المتلقي عبر سلسلة من الصور اللغوية المتدفقة.
نحن لا نرى الديناصور.
ولا نعرف شكله.
ولا نعرف حجمه.
ومع ذلك فإن حضوره يملأ النص.
وهنا يتحقق أحد أهم مبادئ المسرح الوصفي؛ فالصورة لا تُفرض على المتلقي بل تُولد داخله. يصبح كل مشاهد مخرجًا خاصًا بعرضه الشخصي، ويصبح كل قارئ شريكًا في صناعة الفرجة.
ومن ثم فإن المسرح الوصفي لا ينتج عرضًا واحدًا، بل ينتج عددًا لا نهائيًا من العروض بعدد المتلقين.
ويكمن الاختلاف الجوهري بينه وبين المسرح الحكائي التقليدي في أن الحكّاء يروي حدثًا وقع خارج المسرح، بينما يتحول الوصف هنا إلى جوهر الفعل المسرحي نفسه. فالراوي لا يخبرنا بما حدث فحسب، بل يخلق الحدث عبر اللغة.
ولهذا يبدو النص أقرب إلى الشعر منه إلى البناء الدرامي التقليدي.
فالوردة ليست مجرد وردة.
والديناصور ليس مجرد حيوان منقرض.
وأصحاب الجلابيب السود ليسوا أشخاصًا بعينهم.
إنها رموز تتحرك في فضاء مجازي مفتوح، وتستدعي طبقات متعددة من التأويل السياسي والاجتماعي والوجودي دون أن تستقر في معنى واحد نهائي.
ومن اللافت أن نص "الأراجوز" يرفض الصراع المسرحي في صورته المعتادة.
فالسؤال الدرامي الكلاسيكي يكون غالبًا: هل سينتصر البطل أم سيهزم؟
أما هنا فالسؤال مختلف تمامًا:
هل يمكن القبض على الفكرة؟
هل يمكن اعتقال الأغنية؟
هل يمكن إيقاف الصوت بعد أن يتحول إلى ذاكرة جمعية؟
ولهذا فإن ذروة النص ليست لحظة سحل الرجل، بل لحظة خروج الطفل من مخبئه. فهذه اللحظة تمثل انتقال الحكاية من الفرد إلى الجماعة، ومن الجسد الفاني إلى الفكرة الباقية.
إن الرجل يُسحل.
لكن الأغنية تبقى.
وتلك هي المأساة والانتصار في آن واحد.
ولعل هذا ما يجعل المسرح الوصفي أكثر انشغالًا بجوهر الأشياء منه بمظاهرها. إنه لا يلاحق الوقائع بقدر ما يلاحق أثرها في الروح الإنسانية.
ومن هنا يمكن اقتراح تعريف أولي لهذا الشكل المسرحي:
المسرح الوصفي هو شكل درامي يعتمد على تحويل الوصف اللغوي إلى فعل مسرحي، بحيث تُبنى الفرجة الأساسية داخل مخيلة المتلقي لا فوق الخشبة، وتصبح اللغة هي الممثل الأول، بينما يتحول الجمهور إلى شريك في إنتاج الصورة الدرامية.
إن قيمة هذه المحاولة لا تكمن فقط في تقديم تقنية جديدة للكتابة المسرحية، بل في إعادة طرح سؤال قديم عن ماهية المسرح نفسه.
فإذا كانت الخشبة التقليدية تُقام من الخشب والستائر والإضاءة، فإن المسرح الوصفي يقيم خشبته داخل الوعي الإنساني.
وإذا كان المسرح المعتاد يعتمد على حضور الممثل، فإن المسرح الوصفي يعتمد على حضور الصورة.
وإذا كان العرض التقليدي ينتهي بإغلاق الستار، فإن العرض الوصفي يبدأ فعليًا بعد انتهاء القراءة، عندما تواصل الصور حياتها داخل عقل المتلقي.
ولعل العبارة الأخيرة في نص "الأراجوز" تمثل البيان الجمالي الأكثر تكثيفًا لهذا المشروع كله:
"من السهل جدًا أن تعتقل صاحب الصوت، لكن من المستحيل أن تعتقل الصوت نفسه."
فكما يفلت الصوت من سجانه، يفلت الخيال من حدود الخشبة، ويغادر المسرح جدرانه القديمة ليقيم مملكته الأوسع داخل الإنسان.
وهناك، في تلك المساحة الخفية بين الكلمة والصورة، وبين الذاكرة والحلم، قد يكون المسرح الوصفي قد بدأ رحلته الأولى.

نص الأراجوز:
في زمن بعيد إلى حد أن الذاكرة نفسها كانت تتلعثم إذا حاولت الوصول إليه، في زمن الوردة والديناصور، كان يجيء إلى قريتنا رجل نحيل لا يملك من الدنيا سوى مسرح صغير يحمله فوق ظهره.
لم يكن المسرح أكثر من غرفة خشبية هرمة، تتأرجح ألواحها كأنها نجت من سفينة غارقة، وكان بداخلها أراجوز خشبي وأشياء قليلة لا تكفي لصناعة فرجة كبيرة، لكنها كانت تكفي لصناعة حلم.
كلما وصل الرجل إلى ساحة من ساحات القرية، وضع غرفته على الأرض بحنان من يضع طفله الوحيد، ثم اختفى داخلها. وبعد لحظات كان الأراجوز يطل من النافذة الصغيرة، كأنه خرج لتوه من جوف الحكاية.
عندها كان الرجل يغني:
"يا لطيف الطف يا لطيف .. شيخ منصر شكله مخيف .. ويا حسرة وألف خسارة .. قال عامل فيها شريف" .....
وكان ذلك النداء السحري كافيًا.
فمن بين الأزقة والحارات والبيوت الطينية كانت الأطفال تتدفق كالماء. يركضون حفاة، تسبقهم ضحكاتهم، وتتبعهم دهشتهم. وما إن يحتشدوا حول المسرح حتى يهتف الرجل:
«يالا… يالا…»
فتنفجر الساحة بالغناء:
"يا لطيف الطف يا لطيف .. شيخ منصر شكله مخيف .. ويا حسرة وألف خسارة .. قال عامل فيها شريف" وكانت القرية، ولو لدقائق قليلة، تنسى خوفها.
لكن الخوف لم يكن بعيدًا.
ففي زاوية معتمة من زمن الوردة والديناصور كان يعيش أصحاب الجلابيب السود.
كائنات غامضة لا يعرف أحد من أين يأتون ولا إلى أين يذهبون. كانوا يسيرون في الطرقات نهارًا، ويتسللون بين الظلال ليلًا. ينصتون إلى كل شيء؛ إلى الهمسات، إلى الصمت، إلى الأبواب المغلقة، إلى الأحلام النائمة خلف الجفون.
وكانوا يكتبون كل شيء.
حتى الأشياء التي لم تحدث.
وحتى الكلمات التي لم تُقل.
وفي ذلك العصر المشؤوم، قبل أن تُسحق الوردة بقليل، وبينما كان الأطفال يرددون خلف الأراجوز أغنيته الساخرة، اهتزت الأرض.
وجاء الديناصور.
جاء غاضبًا كأنه سمع الأغنية بنفسه.
لم ينظر إلى الأراجوز.
لم ينظر إلى النافذة الصغيرة.
لم ينظر حتى إلى الكلمات التي كانت تطير في الهواء.
بل أمسك الرجل.
مزق العرض كما تُمزق صفحة من كتاب.
أخرجه من غرفته الخشبية.
أخرجه من ثيابه.
قيد ذراعيه بالحبال.
ثم أخذه يسحله عبر الطريق الطويل حتى ابتلعته المسافة واختفى.
كان مشهدًا مرعبًا.
هرب الأطفال.
أُغلقت النوافذ.
واختبأت الضحكات.
وسقط الصمت على القرية كصخرة.
لكن الديناصور، في ثورة غضبه، نسي شيئًا واحدًا.
نسي الأراجوز.
ترك المذنب الحقيقي، إن كان هناك مذنب.
ترك صاحب الأغنية.
ترك صاحب السخرية.
ترك الدمية الخشبية وحيدة في مواجهة الغروب.
وبعد أن هدأ الغبار، وبعد أن ابتلع الطريق آخر أثر للرجل، خرج من مخبئه طفل صغير.
طفل واحد فقط.
اقترب ببطء من المسرح المهجور.
نظر إلى الأراجوز طويلًا.
كأنهما كانا يتعارفان للمرة الأولى.
ثم حمله بين يديه.
وأدخله في كفه كما كان يفعل الرجل.
في البداية خرج صوته مرتجفًا:
"يا لطيف الطف يا لطيف" .....
ثم التفت حوله خائفًا.
لم يحدث شيء.
فأعادها مرة أخرى.
أعلى قليلًا.
ثم أعلى.
ثم أعلى.
حتى بدأت الأغنية تشق طريقها في الهواء من جديد.
سمعها الأطفال المختبئون.
فخرجوا من البيوت واحدًا وراء الآخر.
وجاؤوا إليه.
وحين رأوه يغني، صاحوا جميعًا:
"يالا… يالا" ....
في تلك اللحظة ابتسم الطفل.
دخل الغرفة الخشبية.
رفع الأراجوز إلى النافذة الصغيرة.
ثم غنى بكل ما يملك من شجاعة:
"يا لطيف الطف يا لطيف .. شيخ منصر شكله مخيف .. ويا حسرة وألف خسارة .. قال عامل فيها شريف" وردد الأطفال وراءه.
فغنى مرة أخرى.
ورددوا مرة أخرى.
وكان الغناء يعلو.
والأطفال يعلون معه.
وكان الأراجوز يطل من نافذته الصغيرة كما لو أن شيئًا لم يحدث.
كأن الرجل لم يُسحل.
كأن الديناصور لم يأتِ.
كأن الحكاية كلها لم تكن إلا درسًا قديمًا من دروس الحياة:
أن من السهل جدًا أن تعتقل صاحب الصوت.
لكن من المستحيل أن تعتقل الصوت نفسه.



#محيي_الدين_ابراهيم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف يمكن للأزواج النجاة من الخيانة العاطفية؟
- المسرح البصري .. حين تكتب الصورة نصها الخاص
- مستقبل التفكير الإنساني ما بعد الذكاء الاصطناعي
- المسرح الرقمي - المقال الحادي عشر
- المسرح الرقمي - المقال الثالث عشر
- هل ماتت الرومانسية في زماننا المعاصر؟
- فن البورلسك المسرحي
- المسرح الرقمي المقال الثامن
- المسرح الرقمي المقال العاشر
- المسرح الرقمي المقال التاسع
- المسرح الرقمي - المقال السابع
- المسرح الرقمي - المقال السادس
- المسرح الرقمي - المقال الخامس
- المسرح الرقمي - المقال الرابع
- المسرح الرقمي - المقال الثالث
- المسرح الرقمي - المقال الثاني
- المسرح الرقمي - المقال الأول
- أزمة الحداثة والذات في رواية -القاهرة الجديدة- لنجيب محفوظ
- حين يفتح الكونُ بابه الموارب … رحلة في ليل المادة والطاقة وا ...
- لماذا قال ابن عربي أنه قابل الله يطوف حول الكعبة وأوحى له با ...


المزيد.....




- معركة الأبيض وصراع الروايات في السودان
- بدراجة هوائية.. شاب سوري يقطع 5 آلاف كيلومتر لإنقاذ تعليم مل ...
- في 25 يوما فقط.. -7DOGS- يحقق رقما غير مسبوق في السينما العر ...
- نجل الفنان فضل شاكر يطالب بالإفراج عن والده بعد تدهور حالته ...
- سوريا.. الإفراج عن الناشط والمخرج حسان العقاد بعد إسقاط الإع ...
- تفاعل واسع مع تغريدة تركي آل الشيخ حول إسلام الممثل الأمريكي ...
- الحرب الباردة المجهولة.. الفيلم الثالث.. -اختطاف أوروبا.. وا ...
- نجم مسلسل -بريكينغ باد- الأمريكي يشهر إسلامه في السعودية
- القائم بأعمال السفارة الأميركية يزور بيت المدى للثقافة والفن ...
- نائب ترامب: المفاوضات الفنية مع إيران لن تحل كل نقاط الخلاف ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محيي الدين ابراهيم - المسرح الوصفي: قراءة نقدية في محاولة لتأسيس شكل مسرحي جديد من خلال نص تجريبي