أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محيي الدين ابراهيم - أزمة الحداثة والذات في رواية -القاهرة الجديدة- لنجيب محفوظ















المزيد.....

أزمة الحداثة والذات في رواية -القاهرة الجديدة- لنجيب محفوظ


محيي الدين ابراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 03:17
المحور: الادب والفن
    


لا تُقرأ رواية "القاهرة الجديدة" لنجيب محفوظ بوصفها وثيقة اجتماعية عن مصر الثلاثينيات فحسب، بل باعتبارها مختبرًا فلسفيًا مبكرًا لاختبار معنى الحداثة حين تُفرَض من الخارج، وتُستهلك من الداخل دون أن تُهضَم. فمحفوظ، في هذا النص، لا يكتب عن الحداثة كإنجاز تاريخي، بل كأزمة وجودية تتجسد في تصدع العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين الحرية والضرورة، وبين القيم المعلَنة والبنى الخفية التي تحكم الواقع.
وتقع الرواية في لحظة سياسية مرتبكة، أعقبت دستور 1923، حين بدا أن مصر تخطو نحو الديمقراطية، بينما كانت في الواقع عالقة في شبكة معقدة من الهيمنة الاستعمارية البريطانية، والملكية، ونخبة محلية أعادت إنتاج القهر بأدوات حديثة، لتصبح هذه الازدواجية هي الخلفية التي تتحرك فوقها شخصيات الرواية، لا كأفراد أحرار، بل كذوات مأزومة تبحث عن معنى وجودها داخل نظام يدّعي الحداثة بينما ينزع عن الإنسان فرديته الفعلية.
والحداثة في "القاهرة الجديدة" ليست مفهومًا واحدًا، بل أطياف متصارعة:
حداثة اشتراكية، وحداثة إسلامية إصلاحية، وحداثة ليبرالية رأسمالية، وحداثة انتهازية بلا مبادئ.
غير أن محفوظ لا ينحاز إلى أيٍّ من هذه التصورات بوصفها مخرجًا، بل يكشف هشاشتها جميعًا حين تصطدم بالواقع الاجتماعي والاقتصادي، وهنا تتبدى عبقرية النص:
الحداثة ليست خلاصًا، بل سؤالًا مفتوحًا، وربما فخًا.
وهنا تتجسد هذه الأزمة بأوضح صورها في شخصية محجوب عبد الدائم، الطالب الجامعي الذي يرفع شعار "طظ" في وجه كل القيم والمبادئ، فمحجوب عبد الدايم لا يؤمن بشيء سوى ذاته، لكنه - ومن المفارقة - يفقد هذه الذات بالتدريج، لأن فلسفته القائمة على العدم الأخلاقي لا تحرره من السلطة، بل تجعله أكثر خضوعًا لها، ومن ثم حين يبيع جسده الاجتماعي، وضميره، ومستقبله، مقابل وظيفة ومال ومكانة، لا يصبح فردًا حرًا، بل مجرد أداة داخل آلة أكبر.
هنا يشتغل نجيب محفوظ على مستوى فلسفي عميق:
الذات الحديثة التي يُفترض أن تكون مركز الكون، تتحول إلى فراغ حين تُختزل في المصلحة.
فمحجوب عبد الدايم ليس شريرًا بالمعنى الأخلاقي، بل هو نتاج نظام يجعل البقاء مشروطًا بالتنازل، ومن ثم فإن سقوطه ليس سقوطًا فرديًا، بل علامة على فشل مشروع حداثي كامل، لم يُنتج مواطنًا، بل أنتج “موظفًا” مطيعًا.
ويلعب المال في الرواية دورًا محوريًا، لا بوصفه وسيلة تبادل، بل كقوة ميتافيزيقية تعيد تشكيل العلاقات والذوات، فالمال هنا ليس شيئًا، بل "شبه-شيء" يُحدد من يكون مرئيًا ومن يُمحى من المشهد، فلحظة تأمل محجوب عبد الدايم في ورقة النقد التي تحمل صورة الفلاح هي لحظة كاشفة:
الفلاح حاضر بوصفه رمزًا، لكنه غائب بوصفه فاعلًا.
إنها حداثة تحتفي بالصورة وتقصي الواقع، وتُبقي الأغلبية خارج التاريخ، بينما تُزيّن المشهد بخطاب التقدم.
وفي مقابل محجوب، تظهر لنا الشخصيات الأخرى – الاشتراكي، والإسلامي، والصحفي الوفدي – بوصفها تمثيلات لتيارات فكرية كبرى، لكنها جميعًا تقع في "فخ" الثنائيات: تقليد/حداثة، دين/علم، فرد/جماعة.
محفوظ هنا يسخر من هذه التقسيمات لا لأنه يرفضها أخلاقيًا، بل لأنه يراها عاجزة عن تفسير الواقع المركب، لكون الحداثة، كما يشي النص، ليست قطيعة نقية، بل شبكة هجينة من التناقضات.
وتبلغ الرواية ذروتها الرمزية في مشاهد النخبة البرجوازية:
الحفلات، اللغات الأجنبية، المسرحيات الأوروبية، الجسد المستهلك، والفراغ القيمي.
وهنا تنقلب الحداثة إلى قناع للانحطاط، لا بمعناه الأخلاقي السطحي، بل بوصفه انفصالًا كاملًا بين الشكل والمضمون، ومن ثم فنحن أمام طبقة تحاكي أوروبا لا لتنتج مشروعًا وطنيًا، بل لتُبرر امتيازاتها.
وفي هذا السياق، لا تقدم القاهرة الجديدة حلًا، ولا تبشر بخلاص، ولكنها، رواية تشخيص، لا وصفة، ولا تكمن قوتها في اقتراح بديل أيديولوجي، بل في تفكيك الوهم:
وهم أن الحداثة يمكن أن تُستورد جاهزة، أو أن الفرد يمكن أن يتحقق خارج شروط العدالة الاجتماعية. ولهذا تظل الرواية، بعد عقود من كتابتها، نصًا راهنًا، يعيد طرح السؤال المؤجل: هل يمكن لحداثة بلا حرية حقيقية أن تُنتج إنسانًا؟
بهذا المعنى، لا تقف القاهرة الجديدة عند حدود زمنها، بل تنفتح على أسئلة الحاضر، وتؤكد أن أزمة الحداثة ليست مرحلة عابرة، بل جرحًا مفتوحًا في قلب التجربة العربية الحديثة.

هوامش نظرية
1. الحداثة بوصفها أزمة لا مرحلة تاريخية
تنطلق القراءة من تصور نقدي للحداثة لا يراها انتقالًا خطيًّا من "التقليد" إلى "التقدم"، بل حالة إشكالية مركبة تتضمن تناقضات بنيوية، ويقترب هذا التصور من فهم ميشيل فوكو للحداثة بوصفها موقفًا نقديًا من الحاضر، وكذلك من أطروحة برونو لاتور القائلة بأن المجتمعات الحديثة لم تنجز حداثتها بالكامل، بل أعادت إنتاج أنماط قديمة بأقنعة جديدة.
2. تشكّل الذات داخل السلطة
تعتمد القراءة على تصور يرى الذات الفردية بوصفها نتاجًا لشبكات السلطة والخطاب، لا كيانًا مستقلًا سابقًا عليها، وفي هذا السياق، يُقرأ محجوب عبد الدائم بوصفه ذاتًا "تم تشكيلها" اجتماعيًا، على نحو يتقاطع مع تحليلات ميشيل فوكو حول إنتاج الذوات داخل أنظمة الضبط، ومع مفاهيم الاغتراب والتشيؤ في الفلسفة الهيجلية والماركسية.
3. الاغتراب والتشيؤ في المجتمع الحديث
يتأسس تحليل الشخصية المحورية على مفهوم الاغتراب بوصفه انفصال الإنسان عن جوهره الإنساني تحت ضغط البنى الاقتصادية والاجتماعية، كما يستدعي مفهوم "التشيؤ" عند جورج لوكاتش، حيث تتحول العلاقات الإنسانية إلى علاقات نفعية، ويُختزل الفرد في وظيفته داخل النظام.
4. المال كقوة رمزية مهيمنة
تتعامل القراءة مع المال لا باعتباره أداة اقتصادية محايدة، بل بوصفه قوة رمزية تعيد تنظيم القيم والعلاقات الاجتماعية، ويلتقي هذا المنظور مع تحليلات جورج زيمل في فلسفة المال، ومع التصور الماركسي للمال بوصفه "المعادل العام" الذي يُفرغ القيم الإنسانية من محتواها النوعي.
5. نقد الأيديولوجيا والتمثيلات الفكرية
تُقرأ الشخصيات الثانوية بوصفها تمثيلات لتيارات فكرية وأيديولوجية ( الاشتراكية، الإصلاح الديني، الليبرالية )، لا بوصفها بدائل خلاصية، بل بوصفها خطابات تصطدم بواقع اجتماعي لا يسمح بتحققها، ويقترب هذا التحليل من نقد الأيديولوجيا كما صاغه ألتوسير، حيث لا تُختزل الأيديولوجيا في الخطأ، بل في قدرتها على إنتاج "ذوات مطيعة".
6. تفكيك الثنائيات الكبرى
تنطلق القراءة من موقف نقدي تجاه الثنائيات التقليدية مثل:
( تقليد/حداثة، دين/علم، فرد/جماعة ).
فالرواية لا تنحاز إلى أحد القطبين، بل تكشف زيف التقسيم ذاته. هذا المنظور يتقاطع مع التفكير ما بعد البنيوي، خصوصًا لدى دريدا، في تفكيك البنى الثنائية التي تحكم التفكير الحداثي.
7. الحداثة الزائفة والتمثيل الثقافي
تُفهم المظاهر الثقافية البرجوازية ( اللغة الأجنبية، الحفلات، الفنون المستوردة ) بوصفها أشكالًا من "التمثيل" لا من التحقق الحقيقي للحداثة، ويقترب هذا التحليل من نقد الثقافة الاستهلاكية عند مدرسة فرانكفورت، ولا سيما أدورنو، حيث تتحول الثقافة إلى سلعة تُفرغ من بعدها التحرري.
8. الرواية بوصفها نصًا تشخيصيًا لا خلاصيًا
تنطلق القراءة من فرضية أن "القاهرة الجديدة" لا تقدم مشروعًا بديلًا أو تصورًا يوتوبيًا، بل تمارس وظيفة تشخيصية تكشف بنية الأزمة دون ادعاء حلها، وهذا يضع الرواية ضمن تقليد الرواية الحديثة التي ترى الأدب مجالًا لطرح الأسئلة الوجودية والاجتماعية، لا لتقديم أجوبة أيديولوجية جاهزة.
9. راهنية النص وتجاوز السياق التاريخي
تفترض القراءة أن النص يتجاوز زمن كتابته، لا عبر التنبؤ، بل عبر تشخيص بنية متكررة للأزمة، وهنا يتم فهم الزمن الروائي بوصفه "زمنًا بنيويًا" يمكن أن يتكرر كلما تكررت الشروط، وهو تصور يقترب من فهم بول ريكور لعلاقة السرد بالزمن والتاريخ.
10. الأدب كمساحة مقاومة رمزية
وأخيرًا، تنظر القراءة إلى الرواية بوصفها فعل مقاومة معرفية، لا عبر الشعارات، بل عبر فضح آليات السلطة والهيمنة، وهذا – مما لا شك فيه - يضع نجيب محفوظ ضمن تقليد الأدب النقدي الذي يرى في السرد أداة لفهم العالم لا للهروب منه.



#محيي_الدين_ابراهيم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يفتح الكونُ بابه الموارب … رحلة في ليل المادة والطاقة وا ...
- لماذا قال ابن عربي أنه قابل الله يطوف حول الكعبة وأوحى له با ...
- الجنة والجحيم عند المصريين الفراعنة - كتاب -أم توات-
- وادي الملوك الأول | السر واللغز
- نجيب محفوظ … الفيلسوف الذي كتب العبث وما بعد الحداثة في “تحت ...
- صراع النقد حول رواية -عوليس- لجيمس جويس
- قراءة في نص -إبليس شهيداً- – توفيق الحكيم
- عندما يلتقي العقل بعوالم ماوراء الطبيعة
- المسرح القومي المصري منارة الفكر وسجل تاريخ أمة
- فلسطين: صراع وجود لا نزاع حدود
- نجيب محفوظ في ذكرى وفاته بين الحارة والوجود
- إبسن والصوت الخفي للشخصيات: نحو دراما صادقة
- من قلب تل أبيب - قراءة في كتاب حروب إسرائيل السرية
- غياب الإداري المبدع وأزمة الثقافة العربية
- قراءة في كتاب مطرقة الساحرات (Malleus Maleficarum) لهينريش ك ...
- حين تلتقي الفلسفة بالجن والسحرة:
- قراءة في كتاب حصاد الفضائيين للكاتبة الأمريكية ليندا ميلتون ...
- مختصر دراسة بعنوان -نحو ذائقة فلسفية جديدة في نقد السرد وتحو ...
- شرائح بحجم حبة الأرز تتحكم في العقول وأحداث العالم أجمع!
- قراءة في كتاب ( المصري - The Egyptian by Mika Waltari Transl ...


المزيد.....




- -في رأيي لقد سقط النظام-.. المخرج جعفر بناهي عن الاحتجاجات ا ...
- ميلادينوف: لجنة التكنوقراط تمتلك مزيجا جيدا من الخبرات الفني ...
- الممثل السامي لغزة في مجلس السلام: تقليل الفترة الانتقالية ل ...
- من -الحرب- إلى -الأزمة الإنسانية-.. كيف تغير لغة المؤسسات ال ...
- فيلم -التمزق-.. المؤسسات الأميركية على حافة الانهيار
- سوريا: الشرع يرسم اللغة الكردية ويقر -النوروز- عطلة رسمية
- لغز الـ100 مليار شجرة.. هل كُتب تاريخ روسيا على لحاء أشجارها ...
- النوروز -عيد وطني-.. مرسوم سوري تاريخي يعترف بالكرد واللغة ا ...
- الممثلة المصرية جهاد حسام تتحدث لترندينغ عن -كارثة طبيعية-
- غزة تهز المشهد الثقافي الأسترالي.. ما هي قضية راندة عبد الفت ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محيي الدين ابراهيم - أزمة الحداثة والذات في رواية -القاهرة الجديدة- لنجيب محفوظ