|
|
قراءة في الرواية القصيرة -المعجزة السرية- للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس (1899-1986)
محيي الدين ابراهيم
الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 02:29
المحور:
الادب والفن
هكذا بدأ خورخي بورخيس The Secret Miracle - Jorge Luis Borges روايته: ( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقرة آية 259. تعليق استهلالي لابد منه: ماشدني في هذه الرواية القصيرة هو: لماذا اختار "بورخيس" هذه الآية تحديدًا؟ ليضعها على رأس روايته رغم أنه يهودي الديانة، وبقراءة الرواية عدة مرات وجدت أنه بالفعل قد استمد روايته من جوهر هذه الآية، لأنها تقوم على مفارقة زمنية مذهلة: رجل يموت مائة عام، ثم يُبعث، وحين يُسأل: "كم لبثت؟" يجيب: "لبثت يومًا أو بعض يوم"، أي أن الزمن الموضوعي يقول شيئًا، بينما الزمن الذي عاشه الوعي يقول شيئًا آخر، وهنا بالضبط تبدأ عبقرية بورخيس، في "المعجزة السرية" فنحن أمام بطل الرواية وهو الكاتب التشيكي يارومير هلاديك Jaromir Hladík، المحكوم عليه بالإعدام في براغ سنة 1939، وبينما يُقتاد إلى الإعدام، تحدث المعجزة: يتوقف الزمن الخارجي بالنسبة إليه، فيُمنح ما يكفي من الزمن الداخلي لكي يُتم كتابة مسرحيته، القصة منشورة أولًا سنة 1943، ثم ضُمّت إلى Ficciones وهو عنوان مجموعة القصص القصيرة الشهيرة لخورخي لويس بورخيس، والتي ترجمتها إلى العربية غالبًا ماتكون "المتاهات" وتضم عددًا من أشهر نصوصه، ومن بينها "المعجزة السرية"، التي كانت قد نُشرت منفردة قبل ذلك ، وهكذا تصبح الآية القرآنية بمثابة المعادلة الفلسفية للقصة: حيث مائة عام يمكن أن تكون في وعي الإنسان "يومًا أو بعض يوم"، ودقيقة واحدة يمكن أن تحتوي، في الوعي، على زمن يكفي لخلق عالم كامل. حين تمنح الكتابة الإنسان زمناً لا يملكه: حين يصبح الموت موعدًا تحدده سلطة خارجية، لا يعود الزمن ملكًا للإنسان، وحين تُغلق أبواب العالم كلها أمام الكاتب، قد لا يبقى له سوى باب واحد لا تستطيع السلطة إغلاقه:" الخيال"، ومن هذه النقطة العميقة يمكن القبض على النواة الدرامية في "المعجزة السرية" لخورخي لويس بورخيس؛ فالمعجزة هنا ليست أن رجلاً نجا من الرصاص، وإنما أن الإنسان، في اللحظة التي يُسلب فيها الزمن الخارجي، يستطيع أن يخلق داخل وعيه زمنًا آخر يكفي لإنجاز ما عجز عن إنجازه في حياته، وهي المفارقة التي تجعل قصة بطل الرواية "جارومير هالديك" أكثر من حكاية عن رجل ينتظر الإعدام؛ إنها تأمل فلسفي في علاقة الإنسان بالزمن والموت والخلق والإله والذاكرة. ويمنح بورخيس هذه النواة منذ البداية مفتاحًا قرآنيًا بالغ الدلالة، حين يستحضر الآية 259 من سورة البقرة، حيث يموت الرجل مائة عام ثم يُبعث، وحين يُسأل عن مدة لبثه يجيب: يومًا أو بعض يوم، وتعليقي الاستهلالي الغرض منه التقاط جوهر المفارقة: هناك زمن موضوعي تقيسه الساعة، وزمن داخلي يعيشه الإنسان، وقد يكون الفارق بينهما هو المسافة نفسها بين الموت والإبداع، فالآية لا تأتي بوصفها زينة ثقافية، وإنما تتحول إلى معادلة فلسفية لبنية القصة كلها: مائة عام يمكن أن تنكمش في الوعي إلى يوم، ودقيقة واحدة يمكن أن تتمدد داخله حتى تصبح عمرًا كاملًا. ومن هنا يبدأ بورخيس بناء عالمه الدرامي في براغ سنة 1939، في الرابع عشر من مارس، حيث يظهر هالديك، الكاتب الذي يعيش تحت وطأة الاحتلال النازي، وقد ترك وراءه أعمالًا لم تكتمل، أهمها مأساته المسرحية "الأعداء"، إلى جانب كتابه "تبرئة الأبدية" ودراسته للمصادر اليهودية غير المباشرة ليعقوب بوهيمي، فضلًا عن حلم غامض بلعبة شطرنج تمتد بين عائلتين عبر القرون. وليس حضور هذه التفاصيل مجرد تعريف بالشخصية، بل يكشف منذ البداية عن عالم يعيش فيه هالديك بين الحاضر والماضي والمستقبل، وبين ما أنجزه وما يحلم بإنجازه. فالشطرنج الممتد عبر القرون يصبح، في القراءة التأويلية، صورة مبكرة لعقل منشغل بزمن لا يسير في خط مستقيم؛ زمن تتداخل فيه اللحظات، ويظل الماضي حاضرًا في الذاكرة، بينما يظل المستقبل ممكنًا داخل الحلم والكتابة. ثم يقتحم التاريخ الحلم؛ سيارات الرايخ تصل إلى براغ، ويُعتقل هالديك بناءً على وشايات واتّهامات مرتبطة بأصله اليهودي وكتاباته وتوقيعه على احتجاج ضد الضم، هنا تتخذ القصة بعدًا سياسيًا واضحًا: النازية لا تظهر بوصفها خلفية تاريخية، بل بوصفها آلة لتحويل الإنسان إلى ملف وإجراء وموعد، حتى تحديد الإعدام في التاسع والعشرين من مارس، الساعة التاسعة صباحًا، يجري وفق منطق إداري "غير شخصي"، كما لو أن قتل الإنسان يمكن أن يصبح إجراءً بيروقراطيًا شبيهًا بتنظيم حركة الأشياء. لكن العبقرية الدرامية لا تكمن في السجن ذاته، بل في السجن الذي ينتقل من الجسد إلى الوعي، هالديك يموت قبل موته مرات لا تحصى؛ يتخيل ساحات الإعدام والجنود والمسافات والرصاص، ويعيد السيناريو في رأسه حتى يصبح الموت تجربة متكررة قبل وقوعها، إنه يحاول امتلاك الموت عبر تخيله، لكنه يكتشف في المقابل أن الخيال الذي كان وسيلة للتحرر يمكن أن يتحول إلى آلة لتعذيب الذات، وهنا يلتقي بورخيس مع واحدة من أكثر حقائق النفس الإنسانية قسوة: الإنسان لا يخاف الموت وحده، بل يخاف الصورة التي يصنعها عنه. وتتضاعف المفارقة حين يتشبث هالديك بموعد موته، فيقول إن ما بقي من الليالي يجعله "منيعًا" و"خالدًا"، إنه يمارس لعبة صغيرة مع الزمن: ما دام الموعد لم يأتِ، فهو يمتلك بقايا المستقبل، غير أن الفن يستعيده فجأة من حافة الرعب؛ فتظهر مسرحيته "الأعداء" باعتبارها آخر إمكانية لإنقاذ حياته، لا جسديًا، وإنما رمزيًا، فهالديك ليس مجرد سجين؛ إنه كاتب يرى أن وجوده يمكن أن يجد تبريره في العمل الذي لم يكتمل. وهنا تبلغ القصة ذروتها الفكرية: يتوجه هالديك إلى الله طالبًا عامًا واحدًا لإتمام مسرحيته، ويقول، في لحظة شديدة التعقيد، إنه يحتاج إلى ذلك العام لكي يبرر نفسه ويبرر الله أيضًا، إن علاقة الخالق بالمبدع تنقلب هنا إلى سؤال ميتافيزيقي: إذا كان الله هو سيد القرون والزمن نفسه، فهل يمكن أن يمنح الإنسان لحظة تتجاوز قوانين الزمن؟ الحلم الذي يلي ذلك ليس مجرد حلم، بل هو الممر السري إلى المعجزة،" مكتبة كليمنتين"، وأربعمائة ألف مجلد، والبحث عن رسالة كتب فيها اسم الله، وموسى بن ميمون، وأطلس الهند، ثم الحرف الذي ينطق لهالديك بأن وقت عمله قد مُنح له؛ كل ذلك يجعل المعرفة نفسها متاهة، ويجعل الله حاضرًا لا بوصفه شخصية ظاهرة، وإنما بوصفه احتمالًا يسكن بين الكلمات والخرائط والكتب. وعندما يخرج هالديك إلى ساحة الإعدام، يبدو العالم للمرة الأولى وكأنه ينتظر شيئًا غير موته، الساعة تشير إلى الثامنة وثمان وأربعين دقيقة؛ الرقيب والجنود ينتظرون التاسعة، ثم، عند لحظة إطلاق النار، يتوقف الكون المادي، تتجمد أذرع الجنود، وتتوقف قطرة الماء على خده، ويثبت ظل النحلة في الهواء، ويتحول الفناء إلى لوحة لا تتحرك، هذه التفاصيل ليست وصفًا سرياليًا فحسب؛ إنها تجسيد مادي للفكرة المركزية: حين يتوقف الزمن الخارجي، يبدأ الزمن الحقيقي للكاتب. والأكثر إدهاشًا أن المعجزة لا تمنحه عامًا في العالم، بل تمنحه عامًا في ذهنه، الرصاصة ستصل في الموعد المحدد، لكن وعي هالديك سيعيش عامًا كاملًا بين الأمر بإطلاق النار ووقوع الرصاص، لا وثيقة لديه سوى ذاكرته، ولا أدوات سوى عقله، ولذلك يصبح الحفظ نفسه فعلاً إبداعيًا؛ يتعلم أبيات المسرحية، ويعيد صياغة الفصول، ويشطب ويختصر ويكثف ويوسع، حتى تتحول ذاكرته إلى مخطوط غير مرئي، وهكذا يصبح الكاتب ناسخًا لعمله في أكثر مادة هشاشة وقوة في آن: "الوعي". ومن زاوية درامية، تبدو مسرحية "الأعداء" انعكاسًا مرآويًا للقصة؛ فهي نفسها تقوم على التكرار، والالتباس، والزمن الدائري، وعودة الشخصيات والكلمات والمواقف، حتى يتكشف أن رومرشتات هو ياروسلاف كوبين، وأن ما يحدث ليس إلا هذيانًا دائريًا يعاد بلا نهاية، لذلك لا يمكن فصل المسرحية التي يكتبها هالديك عن تجربته الشخصية؛ إنه يكتب، من دون أن يدري، الشكل الفني للزمن الذي سيعيشه هو نفسه. وهنا تتجاوز "المعجزة السرية" حدود الحكاية إلى سؤال جوهري: هل يستطيع الفن أن ينتصر على الموت؟ الإجابة البورخيسية أكثر تعقيدًا من نعم أو لا، الجسد يموت فعلًا؛ هالديك يُقتل في التاسع والعشرين من مارس عند الساعة 9:02 صباحًا، لكن العمل يكتمل قبل ثوانٍ من الرصاص، لقد انتصر الفن لا لأنه ألغى الموت، وإنما لأنه انتزع من الموت حقه في أن يكون (هو) الكلمة الأخيرة. إن أعظم ما فعله بورخيس أنه لم يجعل المعجزة خلاصًا جسديًا؛ لو نجا هالديك لفقدت القصة جزءًا كبيرًا من قوتها الفلسفية، المعجزة الحقيقية أن الإنسان يستطيع، في اللحظة التي يبدو فيها كل شيء منتهيًا، أن يخلق معنى يتجاوز نهايته، لذلك يصبح الموت في "المعجزة السرية" حدًا للوجود البيولوجي، لكنه ليس بالضرورة حدًا للمعنى. وفي النهاية، لا يعود هالديك مجرد كاتب أُعدم في براغ، ولا تصبح المعجزة مجرد تدخل إلهي خارق، بل تتحول القصة إلى دفاع عميق عن الإنسان بوصفه الكائن القادر على صناعة زمنه الخاص، السلطة تستطيع أن تحدد ساعة موته، والرصاص يستطيع أن ينهي جسده، والتاريخ يستطيع أن يسحق اسمه تحت ركام الحروب، لكنها لا تستطيع أن تصادر اللحظة التي يتحول فيها الوعي إلى خلق، ولعل السر الذي يخفيه بورخيس في عنوانه يكمن هنا تحديدًا: المعجزة لم تكن أن الله أوقف الزمن؛ المعجزة أن إنسانًا واحدًا، في مواجهة الموت، امتلك داخله زمنًا لم تستطع السلطة امتلاكه. وهكذا يصبح هالديك شاهدًا على أن الإنسان قد يُهزم في العالم، لكنه يستطيع، ولو للحظة واحدة، أن يسترد العالم في داخله، وربما كان ذلك هو الشكل الأكثر سرية للمقاومة: أن تكتب حين يريدون لك أن تموت، وأن تجعل من الزمن الذي سُلب منك وطنًا أخيرًا للحرية. ولا تكمن عظمة "المعجزة السرية" في أن بورخيس أوقف الزمن، وإنما في أنه انتزع من الزمن سلطته الأكثر قسوة: أن يجعل الإنسان يكتشف قيمة ما صنعه بعد فوات الأوان، في خمس صفحات فقط، يحوّل خورخي لويس بورخيس مأساة كاتب يهودي محكوم عليه بالإعدام إلى سؤال وجودي عن الكتابة، ويضعنا أمام ذلك السر الذي ربما لا يجرؤ الكاتب على الاعتراف به إلا حين يصبح الموت واقفًا خلفه: هل أكتب لكي يقرأني الآخرون، أم لأن الكتابة هي الطريقة الوحيدة التي أستطيع بها أن أوجد؟ وهنا يصبح "يارومير هالديك"، الكاتب المسرحي التشيكي الأربعيني، أكثر من شخصية سردية؛ إنه صورة للكاتب حين يكتشف أن حياته كلها ربما كانت مسودة لم تكتمل، مسرحيته "الأعداء" ليست مجرد عمل ناقص، بل هي الجزء المفقود من معنى وجوده، والمفارقة البورخيسية الأشد ذكاءً أن المسرحية نفسها تدور حول الزمن الوهمي، والعودة، والموت الذي لا يستقر على نهايته، وهكذا يكتب هالديك، دون أن يدري أن المسرحية التي ستصبح مرآة لمعجزته الخاصة: زمن دائري داخل زمن خطي، وحياة كاملة مختبئة داخل لحظة. وإذا قارنا هذه الفكرة بـ"حادثة عند جسر أوول كريك" للكاتب "أمبروز بيرس"، سيظهر اختلاف جوهري في هندسة المعجزة، فعند بيرس، يُترك القارئ أسير وهم النجاة؛ حيث يظن أن بطل القصة "فاركوهار" أفلت من الإعدام، ثم يكتشف في النهاية أن الحياة التي عاشها لم تكن سوى امتداد خاطف في وعيه قبل موته، أما بورخيس فلا يخفي الخدعة؛ نحن نعرف أن "هالديك" سيموت، ونعرف أن الزمن سيتوقف، ونعرف أن العام الذي طلبه لن يكون عامًا في العالم، لذلك لا يبني بورخيس أثره على المفاجأة، بل على التأمل في معنى الوقت حين يتحرر الوعي من عقارب الساعة. ومن هنا تقترب الرواية - على نحو آخر - من "رصاصة في الدماغ" للكاتب "توبياس وولف"؛ ففي العملين يصبح الموت إطارًا تستعيد داخله الذات لحظة ذات قيمة، لكن بورخيس يذهب أبعد: إنه لا يمنح بطل روايته "هالديك" ذكرى وحسب، بل يمنحه الزمن الضروري لكي يخلق، ولذلك فإن المعجزة ليست استعادة الحياة وإنما، استعادة القدرة على العمل. وهذا هو سر الألم الجميل في القصة، هالديك لا يكتب من أجل جمهور، ولا من أجل الأجيال القادمة، ولا حتى من أجل الله؛ إنه يكتب لأنه اكتشف أن العمل نفسه هو الشيء الوحيد الذي لا يريد أن يموت ناقصًا، وحين لا يبقى لديه سوى ذاكرته، تصبح الذاكرة مخطوطه الوحيد، ويصبح حفظ كل بيت شعري سداسي التفعيلة ضربًا من الصرامة التي لم تكن ممكنة في حياته العادية، لقد فقد الورق، فصار عقله ورقًا؛ وفقد الزمن، فصار وعيه زمنًا؛ وفقد الجمهور، فصار هو القارئ الوحيد لعمله. هنا تحديدًا تتحول "المتاهة العظيمة الخفية" إلى استعارة كبرى لفعل الكتابة كله، كل كاتب يبني متاهته الخاصة، وقد لا يعرف أحد الطريق إليها، وقد لا يراها العالم أصلًا، لكن قيمتها لا تتوقف بالضرورة على عدد الذين يدخلونها، فالكتابة، في أعمق صورها، ليست دائمًا رسالة إلى الآخرين؛ قد تكون محاولة لإنقاذ الذات من العدم. لكن بورخيس لا يقدم لنا هذه الفكرة بوصفها خلاصًا ساذجًا، فحين ينتهي العام، يعود الزمن إلى مجراه، وتُطلق البنادق، ويموت هالديك في التاسع والعشرين من مارس عند الساعة 9:02 صباحًا، المعجزة إذن لم تُلغِ الموت، وهذا تحديدًا ما يجعلها أكثر صدقًا: الله لم يمنحه الحياة، بل منح حياته معنى قبل أن تنتهي. ولذلك تأتي النهاية شديدة القسوة، يبدأ هالديك في الصراخ ويهز رأسه، ثم تسقطه وابلات الرصاص الأربع، لا نعرف يقينًا هل كان صراخه خوفًا من الموت أم احتجاجًا على انقضاء الزمن الذي مُنح له، ولا نعرف إن كان راضيًا تمامًا عن مسرحيته أو ظل يحمل ذلك "الندم المختلط" الذي لازم أعماله السابقة، بورخيس لا يغلق هذه الأبواب؛ يتركها مفتوحة لكي يصبح القارئ شريكًا في المعجزة. وربما هنا تكمن الحقيقة الأكثر إنسانية في "المعجزة السرية": ليس انتصار الكاتب أن ينجو من الموت، بل أن يصل إلى الموت وقد أنجز الشيء الذي كان يخشى أن يموت قبل إنجازه، لقد قتل النازيون جسد هالديك، لكنهم لم يستطيعوا أن يدخلوا إلى تلك السنة السرية التي عاشها داخل وعيه، وحين أطلقوا الرصاص، كانوا ينهون حياة رجل؛ أما هو فكان قد أنهى عملًا أراد أن يكون، بطريقة ما، تبريرًا لوجوده. وهكذا تصبح الكتابة عند بورخيس مقاومة لا تحتاج إلى جمهور لكي تكون مقاومة، ومعجزة لا تحتاج إلى أن يراها أحد لكي تكون معجزة، فكل واحد منا، حين يكتب، يبني في مكان ما من داخله "متاهته العظيمة الخفية"، وقد لا يعرف العالم عنها شيئًا، لكنها تظل شاهدة على أننا كنا هنا، وأننا حاولنا، ولو في لحظة واحدة، أن ننتزع من الزمن حقًا صغيرًا في أن نصبح أكثر من مجرد عابرين فيه. إن "المعجزة السرية" لا تقول لنا إن الفن ينتصر على الموت؛ إنها تقول شيئًا أكثر عمقًا: الموت قد ينتصر على الإنسان، لكنه لا يستطيع دائمًا أن ينتصر على المعنى الذي خلقه الإنسان قبل أن يرحل. محيي الدين إبراهيم القاهرة في 21 يوليو 2025م
#محيي_الدين_ابراهيم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من الأيديولوجيا إلى الإرث: أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياس
...
-
الثقافة الإيرانية في سينما ومسرح بهرام بيضائي .. نماذج الوجو
...
-
ميني دراما -حكمت المحكمة حضورياً-
-
أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياسة المعاصرة ( الجزء الثاني )
-
من الأيديولوجيا إلى الإرث: أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياس
...
-
تحت المظلة لنجيب محفوظ .. حين يتحول الإنسان من فاعل إلى متفر
...
-
حين يخشى العقل الحياة
-
قراءة في مسرحية نشيد الأنشاد لتوفيق الحكيم في ضوء المدرسة ال
...
-
مسرح الأقاليم (وجهات نظر عالمية ) - المقال الثالث
-
مسرح الأقاليم - (وجهات نظر عالمية ) - المقال الثاني:
-
مسرح الأقاليم ( وجهات نظر عالمية ) - المقال الأول
-
نوبار باشا بين ذاكرة رجل الدولة وضمير المؤرخ:
-
المسرح الوصفي: قراءة نقدية في محاولة لتأسيس شكل مسرحي جديد م
...
-
كيف يمكن للأزواج النجاة من الخيانة العاطفية؟
-
المسرح البصري .. حين تكتب الصورة نصها الخاص
-
مستقبل التفكير الإنساني ما بعد الذكاء الاصطناعي
-
المسرح الرقمي - المقال الحادي عشر
-
المسرح الرقمي - المقال الثالث عشر
-
هل ماتت الرومانسية في زماننا المعاصر؟
-
فن البورلسك المسرحي
المزيد.....
-
مصر.. توصية بتفكيك تمثال رمسيس الثاني بالكرنك
-
وزير ثقافة الاحتلال يطالب بسحب جنسية مخرجي فيلم وثائقي عن غز
...
-
بتهمة الخيانة.. وزير إسرائيلي يتوعد بسحب الجنسية من مخرجَي ف
...
-
جولة بسمرقند.. جوهرة طريق الحرير وموطن العلماء والحكام التيم
...
-
تونس.. وفاة الموسيقار محمد القرفي عن عمر يناهز 78 عامًا
-
-بينها مؤلفات نادرة-.. شركات الذكاء الاصطناعي تدمر ملايين ال
...
-
باريس تحتفي بعودة سيلين ديون إلى الغناء
-
مصدر أمني مصري يعلق على واقعة متداولة بشأن ممثلة أفلام إباحي
...
-
فيلم عن قتل المدنيين في غزة يتوج في مهرجان البندقية
-
ريان غارسيا يسقط كونور بن بالضربة الفنية القاضية (فيديو)
المزيد.....
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
المزيد.....
|