أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محيي الدين ابراهيم - من الأيديولوجيا إلى الإرث: أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياسة المعاصرة ( الجزء الثالث )















المزيد.....

من الأيديولوجيا إلى الإرث: أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياسة المعاصرة ( الجزء الثالث )


محيي الدين ابراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 04:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الفصل الثالث: الأثر الحي للأفكار.. الذاكرة بوصفها فعلًا سياسيًا:
ربما كانت أقسى أشكال الهيمنة تلك التي لا تحتاج إلى سلطة تحرسها؛ فكرة تستقر في الوعي، ثم تتحول مع الزمن إلى عادة، والعادة إلى سلوك، والسلوك إلى شيء نمارسه دون أن نسأل من أين جاء.
هنا يصبح الإرث الشيوعي، مثل غيره من الأنساق الشمولية، أكثر خفاءً بعد انزوائه. فهو لا يختفي، وإنما يتوقف عن الظهور بوصفه أيديولوجيا، ويبدأ في الظهور بوصفه شيئًا مألوفًا؛ شيئًا لا نراه لأنه أصبح جزءًا من الطريقة التي نرى بها العالم.
فما بقي من الشيوعية بعد تفكك أنظمتها لم يكن المؤسسات والأحزاب والنخب وحدها، وإنما بقي أيضًا سؤالها الصامت داخل الإنسان: هل يمكن الوثوق بالدولة؟ هل تستحق المشاركة السياسية المخاطرة؟ هل العدالة هي المساواة، أم أنها مشروطة بالولاء؟ وهل المعارضة حق طبيعي، أم أنها بداية للفوضى؟
والأخطر أن بعض هذه الأسئلة لم تعد تُطرح أصلًا؛ إذ تتحول الذاكرة، مع الزمن، إلى إجابات تلقائية تسبق التفكير.

الإدراك السياسي.. حين يصبح الميراث لا واعيًا:
تذهب بعض مدارس الاقتصاد السياسي الحديث إلى أن المعارف والإدراكات التي تتشكل في ظل الأنظمة السياسية لا تنتهي بانتهاء تلك الأنظمة. إنها تنتقل عبر الأسرة، والتعليم، والتنشئة الاجتماعية، والذاكرة الجماعية، ثم تظهر لاحقًا في اختيارات سياسية واقتصادية قد لا يعرف أصحابها أصلها.
ولهذا تكشف بعض الدراسات عن استمرار اختلافات في المواقف تجاه الدولة والاقتصاد والسياسة بين مجتمعات عاشت تجارب شيوعية ومجتمعات لم تعشها، حتى بعد تغير النظام السياسي وتوحيد المؤسسات.
فالمواطن الذي تربى في ظل دولة شديدة المركزية قد ينظر إلى تدخل الدولة باعتباره أمرًا طبيعيًا، وقد يتعامل مع السياسة باعتبارها مجالًا للصراع أكثر منها مجالًا للمشاركة. والأجيال التي تعلمت في ظل منظومة تمجد القائد والحزب قد تحتاج إلى زمن طويل كي تتعلم أن الاختلاف ليس خيانة، وأن المعارضة ليست خطرًا، وأن الدولة ليست كيانًا أعلى من المواطن.
إن الأفكار لا تموت لمجرد خروجها من الكتب والمناهج؛ فقد تعود في لغة جديدة، داخل مفاهيم تبدو محايدة مثل «الصالح العام»، أو «العدو الخارجي»، أو «الحزب الذي يعرف مصلحة الجميع».
وهنا يصبح الإرث أكثر خطورة حين يتوقف عن تقديم نفسه بوصفه إرثًا.

الوراثة السياسية.. من الدم إلى الإدراك:
وهنا نصل إلى منطقة أكثر إثارة للجدل: هل تنتقل آثار التجارب السياسية عبر التربية والذاكرة فقط، أم يمكن أن تمتد بعض الاستعدادات السياسية إلى ما هو أعمق؟
تشير الأدبيات التي يستند إليها هذا الفصل إلى دراسات تناولت أثر البيئة العائلية والوراثية في تكوين المواقف السياسية، وإلى أن بعض السمات السياسية قد تتأثر بعوامل تتجاوز التجربة الفردية المباشرة. كما تشير إلى أن أبناء العائلات التي عاشت القمع السياسي قد يحملون، حتى بعد مرور أجيال، حساسيات خاصة تجاه السلطة المركزية أو ميلًا إلى تفسير الأحداث من خلال مفاهيم الخطر والمؤامرة.
وتأتي دراسات التوائم لتفتح بدورها سؤالًا حول حدود ما هو مكتسب وما هو موروث في السلوك السياسي.
لكن الأهم من حسم هذه المسألة علميًا هو السؤال الفلسفي الذي تفتحه: هل يمكن للأفكار الكبرى أن تنتقل بين الأجيال لا عبر الكتب وحدها، وإنما عبر الخوف والحنين والذاكرة والصمت؟
ربما لا يرث الابن الفكرة نفسها، لكنه قد يرث الطريقة التي كان أبوه يخاف بها منها أو يثق بها أو يتمرد عليها.
وهنا يصبح التاريخ أكثر من أحداث مضت؛ يصبح شيئًا يشبه الذاكرة العميقة التي تعيد تشكيل حساسيتنا تجاه العالم.

كيف تنكسر حلقة الإرث؟
إذا كان الإرث يعيش في المؤسسات، ثم في العادات، ثم في الأذهان، فإن تجاوزه لا يمكن أن يبدأ بمجرد تغيير الشعارات أو إزالة التماثيل.
الخطوة الأولى هي التفكيك الواعي للرموز؛ أن نسأل ما الذي كانت تمثله، لا أن نكتفي بإزالتها.
ثم تأتي إعادة بناء التربية السياسية؛ فالتعليم الذي يكتفي بسرد التاريخ يظل عاجزًا عن صناعة المواطن الحر. المطلوب أن يتعلم الإنسان كيف يسأل، وكيف يختلف، وكيف ينقد السلطة دون خوف، وكيف يرى التعدد بوصفه ثراءً لا تهديدًا.
ثم يأتي تحرير المجال العام؛ لأن المجتمع لا يستطيع أن يتعلم الديمقراطية نظريًا إذا ظل الاختلاف فيه تجربة محفوفة بالخوف. السياسة لا تصبح فعلًا إنسانيًا إلا حين يتحول المجال العام من مساحة للرقابة إلى مساحة للحوار والمشاركة.
لكن هذه المهمة كلها تبدأ باعتراف شجاع: أن القطيعة مع الماضي لم تكتمل بعد.
فالإنسان لا يستطيع أن يتحرر من شيء ينكر وجوده.

من النقد إلى الاحتمال.. ماذا نتعلم من الشيوعية؟
ومع ذلك، لا أظن أن قراءة الإرث الشيوعي ينبغي أن تتحول إلى محاكمة شاملة لفكرة انتهت أو إلى محاولة لمحوها من الذاكرة. فالشيوعية كانت، في جانب من جوانبها، تجربة إنسانية وفكرية كبرى حاولت أن تواجه أسئلة حقيقية حول التفاوت والعدالة والعمل وكرامة الإنسان.
لكن المأساة تبدأ حين تتحول الفكرة إلى مطلق، وحين يتحول الحلم إلى جهاز، والعدالة إلى احتكار، والمساواة إلى أداة للضبط، والحرية إلى رقابة.
ولهذا فإن الحكمة ليست في أن نتخلص من كل ما جاء به الماضي، وإنما في أن نفككه، ونميز داخله بين ما كان سؤالًا مشروعًا وما تحول إلى قيد.
فربما لا تزال بعض الأسئلة التي أثارتها الشيوعية، كمسألة التفاوت الاقتصادي وموقع الإنسان العامل في المجتمع، صالحة لأن تعود إلى النقاش؛ لكن ليس بالضرورة بالطريقة التي صيغت بها قديمًا، وإنما بعد تحريرها من القيد الشمولي الذي أحاط بها.
وهنا يتحول الإرث من عبء إلى معرفة؛ لا نكرره، ولا نمحوه، وإنما نتعلم منه.

حين يتحول الفكر إلى مصير:
نحن لا نرث الأنظمة وحدها، بل نرث أفكارها، وطرائقها في ترتيب الواقع، وتعريفها للسلطة، وحدودها لما يمكن وما لا يمكن.
والخطر الحقيقي ليس في أن تبقى الأفكار القديمة، وإنما في أن نكف عن رؤيتها؛ أن تتحول من فكرة قابلة للنقد إلى شيء نسميه «طبيعيًا»، ثم نبني عليه حاضرنا دون أن نعرف أننا ما زلنا نبني فوق أنقاض الماضي.
إن تحرر الإنسان لا يبدأ حين ينسى ما ورثه، وإنما حين يملك شجاعة النظر إليه.
فالفكر الذي لا نُسائله يتحول مع الزمن إلى عادة، والعادة التي لا ننتبه إليها تتحول إلى بنية، والبنية التي لا نفككها تتحول إلى قدر.
وربما كان أخطر ما يفعله الإرث بنا أنه لا يجبرنا على العودة إلى الماضي؛ يكفيه أن يجعلنا نعيد إنتاجه ونحن نظن أننا نمضي إلى المستقبل.
ولهذا فإن الحرية ليست أن نهدم الماضي، وإنما أن نعرف أين يسكن فينا؛ فحين نعرفه، يصبح تاريخًا يمكن أن نتجاوزه، وحين نجهله، يتحول إلى مصير.



#محيي_الدين_ابراهيم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الثقافة الإيرانية في سينما ومسرح بهرام بيضائي .. نماذج الوجو ...
- ميني دراما -حكمت المحكمة حضورياً-
- أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياسة المعاصرة ( الجزء الثاني )
- من الأيديولوجيا إلى الإرث: أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياس ...
- تحت المظلة لنجيب محفوظ .. حين يتحول الإنسان من فاعل إلى متفر ...
- حين يخشى العقل الحياة
- قراءة في مسرحية نشيد الأنشاد لتوفيق الحكيم في ضوء المدرسة ال ...
- مسرح الأقاليم (وجهات نظر عالمية ) - المقال الثالث
- مسرح الأقاليم - (وجهات نظر عالمية ) - المقال الثاني:
- مسرح الأقاليم ( وجهات نظر عالمية ) - المقال الأول
- نوبار باشا بين ذاكرة رجل الدولة وضمير المؤرخ:
- المسرح الوصفي: قراءة نقدية في محاولة لتأسيس شكل مسرحي جديد م ...
- كيف يمكن للأزواج النجاة من الخيانة العاطفية؟
- المسرح البصري .. حين تكتب الصورة نصها الخاص
- مستقبل التفكير الإنساني ما بعد الذكاء الاصطناعي
- المسرح الرقمي - المقال الحادي عشر
- المسرح الرقمي - المقال الثالث عشر
- هل ماتت الرومانسية في زماننا المعاصر؟
- فن البورلسك المسرحي
- المسرح الرقمي المقال الثامن


المزيد.....




- أمريكا ترفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب
- العاهل السعودي الملك سلمان يتلقى رسالة خطية من رئيس الإمارات ...
- من تمرد المستعبَدين إلى ولادة هايتي، ما قصة الثورة التي غيّر ...
- ولاية ألمانية تمنح -فرصة- للعمل والإقامة لمن لم يحصلوا على ح ...
- وزير الخارجية الروسي يبحث مع نظيره الهندي مستجدات الملفين ال ...
- سيناتور روسي: الهجوم الأوكراني على كراسنودار سيقابل برد مناس ...
- ترامب يصعّد بالعقوبات وإيران تهدد برد مزلزل
- المكاسب المتوقعة لسوريا إثر رفع تصنيفها من قائمة -الدول الرا ...
- ترامب يهاجم ويتوعد كندا: لن نسمح لهم بمواصلة استغلالنا
- واشنطن تقترح توسيع حظر الأسلحة على دارفور ليشمل كامل السودان ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محيي الدين ابراهيم - من الأيديولوجيا إلى الإرث: أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياسة المعاصرة ( الجزء الثالث )