أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محيي الدين ابراهيم - تحت المظلة لنجيب محفوظ .. حين يتحول الإنسان من فاعل إلى متفرج















المزيد.....

تحت المظلة لنجيب محفوظ .. حين يتحول الإنسان من فاعل إلى متفرج


محيي الدين ابراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 01:50
المحور: الادب والفن
    


إنها قصة الإنسان الذي احتمى من فوضى العالم، فلم ينجُ منها؛ لأن المظلة التي حجبته عن المطر حجبته كذلك عن مسؤوليته تجاه ما يحدث، حتى صار متفرجًا على انهيار العالم، ثم صار هو نفسه جزءًا من الانهيار، وتعتبر أول قصة عربية على الإطلاق تم كتابتها بمنهج مدرسة العبث.
صدرت عام 1967م، وهي ليست مجرد قصة قصيرة عن جماعة احتمت من المطر، وإنما هي واحدة من تلك النصوص التي يجعل فيها نجيب محفوظ من المشهد البسيط مرآةً لاضطراب الإنسان والعالم. فالمظلة التي تبدو في ظاهرها مكانًا للحماية، سرعان ما تتحول إلى فضاء مغلق يتأمل من خلاله الإنسان فوضى الحياة من دون أن يمتلك شجاعة التدخل فيها. وهنا تتجلى براعة محفوظ في نقل العبث من مستوى الحدث إلى مستوى الوعي؛ فالأحداث لا تبدو غريبة لأنها مستحيلة، وإنما لأنها تكشف واقعًا فقد منطقه الداخلي، حينما يصر الإنسان في البحث عن منطق يطمئنه.
وفي هذه القصة لا يضع محفوظ الإنسان أمام حدث عبثي فحسب، بل أمام عالم انهارت فيه الحدود بين الحقيقة والتمثيل، وبين الضحية والمتفرج، وبين السلطة والعنف. حيث تبدأ الحكاية بالمطر، لكن سرعان ما يصبح المطر خلفية لمشهد تتوالى فيه المطاردة والضرب والحادث والموت وممارسة الحب فوق الجثث والرقص، بينما يظل الواقفون تحت المظلة أسرى النظر والتفسير والانتظار. وهنا تصبح المظلة أكثر من مكان:
إنها استعارة للوعي الذي يحتمي من الفعل، وللإنسان الذي يظن أنه يستطيع أن يقف خارج المأساة لمجرد أنه لم يصنعها.
ومن هذه الزاوية، تكمن النواة الدرامية الأعمق في الإنسان الذي احتمى من فوضى العالم حتى تحول اختباؤه إلى مشاركة فيها، فالشخصيات ترى ما يحدث، لكنها لا تملك القدرة على تحويل الرؤية إلى موقف، وحين يعجز الإنسان عن الفعل، يبدأ في إنتاج التأويلات؛ فيرى بعضهم ما يحدث تصويرًا سينمائيًا، ويراه آخرون حقيقة، بينما يظل السؤال الحقيقي معلقًا: ماذا يفعل الإنسان حين يرى المأساة ولا يستطيع أن يتدخل؟
وهنا تتجاوز القصة سؤال العبث إلى سؤال المسؤولية، فمحفوظ لا يرسم عالمًا بلا معنى بقدر ما يرسم إنسانًا فقد قدرته على صناعة المعنى بالفعل، فالخطر ليس في أن العالم صار غريبًا، وإنما في أن الإنسان بدأ يتعامل مع غرابته باعتبارها فرجة، وحين يصبح الموت مشهدًا قابلًا للتفسير، يتحول المتفرج تدريجيًا إلى جزء من المأساة التي كان يظن أنه يقف خارجها.
لذلك فإن "تحت المظلة" تطرح سؤالًا يتجاوز زمنها: هل يمكن للإنسان أن يظل آمنًا تحت مظلته بينما العالم من حوله ينهار؟ وربما كانت إجابة محفوظ الأكثر قسوة أن المظلة لا تمنح النجاة؛ إنها تؤجل المواجهة فقط. فمن يكتفي بمشاهدة العبث، قد يجد نفسه، في اللحظة الأخيرة، داخل المشهد الذي ظل يراقبه من بعيد.
ومن هنا يصبح أخطر أشكال العبث في القصة ليس ما يحدث في الخارج، وإنما أن نعتاد الوقوف تحته متفرجين.
إذا كانت النواة قد كشفت أزمة الإنسان في "تحت المظلة" ، فإن البناء الفني هو الذي يمنح هذه الأزمة شكلها وطاقتها. يقوم محفوظ على حركة دائرية محكمة: يبدأ بالمطر وينتهي به، وتبدأ الجماعة بالاحتماء من العالم وتنتهي وقد أصبحت جزءًا من المأساة التي كانت تراقبها. وبين البداية والنهاية لا تتقدم الأحداث وفق سببية واقعية مألوفة، وإنما تتوالى في صورة شظايا صادمة: مطاردة، وضرب، وحادث، وموت، ثم حب ورقص، فظهور "المخرج" ، ثم مطاردة جديدة تنتهي بالموت. وهكذا يصبح الاضطراب نفسه هو النظام الخفي للنص.
ولا تبدو الشخصيات هنا شخصيات واقعية مكتملة الملامح بقدر ما تبدو أصواتًا متعددة داخل وعي جماعي مأزوم. الجماعة الواقفة تحت المظلة هي الشخصية الأبرز؛ فهي ترى ولا تفعل، وتفسر ولا تواجه. أما الشرطي والرجال الرسميون فيجسدون سلطة تتحرك داخل الفوضى دون أن تستعيد لها نظامًا، بينما يظهر "المخرج" بوصفه محاولة لصناعة معنى للمشهد، لكنه يفقد هو الآخر قدرته على السيطرة عليه. وبذلك تتحول الشخصيات من أفراد إلى مرايا لطرائق مختلفة في النظر إلى عالم مضطرب.
وتتسع الدلالة حين نقرأ المكان سيميائيًا. فالمظلة هي المركز الرمزي للقصة: تبدو حماية، لكنها تتحول إلى عزل؛ تفصل الواقفين عن المطر، لكنها لا تفصلهم عن المأساة. أما الشارع فيمثل العالم المفتوح بكل احتمالاته، والمطر يواصل هطوله ببرود طبيعي بينما يتكاثف تحته العنف البشري. وهنا تنشأ المفارقة الكبرى: الطبيعة تبدو أكثر انتظامًا من الإنسان.
حتى الأشياء الأخرى لا تستقر على معنى واحد؛ فالجثث تتحول إلى جزء من المشهد، والحب يأتي فوق الموت، والرقص يتجاور مع العنف، والمخرج الذي يفترض أن يمنح الحدث تفسيره يصبح هو نفسه مطاردًا. إن محفوظ لا يكتفي بتشظية الواقع، بل يشظي علاماته أيضًا؛ فلا يعود القارئ واثقًا: هل ما يراه حقيقة أم تمثيل؟ وهل التفسير يكشف المعنى أم يخفي العجز عن مواجهته؟
وتأتي اللغة لتضاعف هذا الأثر. فهي بسيطة ومباشرة، لكن هذه البساطة تخفي توترًا شديدًا؛ فالسرد لا يشرح بقدر ما يعرض، والحوار لا يقود إلى اتفاق، بل يكشف تعدد الرؤى واستحالة الوصول إلى حقيقة مشتركة. والمفارقة أن برودة النبرة أمام العنف تجعل المشهد أكثر قسوة؛ إذ لا يصرخ النص في وجه المأساة، وإنما يتركها تحدث أمامنا بقدر من الهدوء يجعل القارئ شريكًا في صدمتها.
وهنا تتكامل عناصر البناء: المكان يحاصر، والشخصيات تراقب، والرموز تتشظى، واللغة تمتنع عن التفسير. ومن هذا التآزر يصنع محفوظ عالمًا لا يطلب منا أن نفهم العبث فقط، بل أن نختبره من الداخل.
تتجاوز "تحت المظلة" حدود القصة الواقعية إلى أفق فلسفي يسائل علاقة الإنسان بعالم فقد انتظامه. فالعبث عند محفوظ ليس مجرد غياب للمعنى، وإنما هو عجز الإنسان عن إنتاج معنى يقوده إلى الفعل. ولهذا تبدو الشخصيات معلقة بين الرؤية والعجز، وبين الرغبة في الفهم والخوف من مواجهة الحقيقة. إنهم لا يفتقرون إلى العين التي ترى، وإنما إلى الإرادة التي تحول الرؤية إلى موقف.
ومن هنا تقترب القصة من الحساسية العبثية والحداثية في أدب القرن العشرين، حيث تتشظى الحقيقة، وتتعدد وجهات النظر، ويصبح الواقع نفسه قابلًا لأن يُقرأ بوصفه حدثًا أو فرجة أو وهمًا. غير أن محفوظ يحتفظ بخصوصيته؛ فهو لا يهرب من الواقع إلى العبث، بل يدخل الواقع نفسه إلى مختبر العبث. ولذلك لا تبدو غرابة الأحداث انفصالًا عن الحياة، وإنما تكثيفًا لما يمكن أن يحدث حين تفقد الجماعة قدرتها على التمييز بين المشاهدة والمسؤولية.
وهنا تكتسب القصة بعدًا إنسانيًا وأخلاقيًا بالغ القسوة: ماذا يبقى من إنسانيتنا حين يصبح الموت مجرد مشهد نتفرج عليه؟ إن محفوظ لا يوجه اتهامه إلى العنف وحده، وإنما إلى الوعي الذي يراه ويتعايش معه ثم يبحث له عن تفسير يبرئه من مسؤوليته. ولهذا فإن المتفرج في القصة ليس خارج المأساة؛ إنه جزء منها، حتى لو لم يرفع يده أو يشارك في صناعة الحدث.
وتتأكد حداثة النص في قدرته على مقاومة المعنى الواحد. يمكن أن تُقرأ "تحت المظلة" بوصفها قصة رمزية، أو مشهدًا عبثيًا، أو تأملًا في الوعي الجمعي، أو رؤية ساخرة لعالم تتداخل فيه الحقيقة بالتمثيل. وكل قراءة تفتح بابًا جديدًا دون أن تستنفد النص. وهذه إحدى علامات العمل الكبير: أن يظل قادرًا على إنتاج الأسئلة بعد أن ينتهي من إنتاج الأحداث.
وتكمن قيمة محفوظ الفنية هنا في أنه لم يحتج إلى خطاب فلسفي مباشر كي يقول ما يريد. لقد جعل البنية نفسها تفكر؛ فجعل المطر يواصل هطوله، والجماعة تواصل مراقبتها، والمخرج يعجز عن تفسير المشهد، حتى يصبح انهيار العالم مرئيًا من خلال انهيار القدرة على فهمه. وهكذا تتحول القصة من حكاية عن أشخاص تحت مظلة إلى سؤال عن الإنسان حين يختار الأمان بدل المواجهة، والتفسير بدل الفعل، والمشاهدة بدل المشاركة.
ولهذا لا تنتهي "تحت المظلة" عند موت شخصياتها؛ فالنهاية الحقيقية تبدأ بعد الصفحة الأخيرة، حين يجد القارئ نفسه أمام السؤال الذي أخفاه محفوظ داخل المطر: أين أقف أنا من هذا المشهد؟ هل أنا في الشارع، أواجه ما يحدث، أم تحت المظلة، أراقب وأفسر وأنتظر أن ينتهي كل شيء؟
ربما كانت الإجابة الأكثر قسوة أن المظلة لا تمنح النجاة؛ إنها تؤجل المواجهة فقط. فمن يظن أنه يقف خارج المأساة قد يكتشف متأخرًا أنه كان داخلها منذ اللحظة الأولى.
وهنا تكمن عظمة "تحت المظلة": إنها لا تجعلنا نخاف من العالم بقدر ما تجعلنا نخاف من أنفسنا حين نكتفي بمشاهدته.
ربما لم تكن المظلة في النهاية سوى صورة صغيرة لحياتنا: نحتمي بما يحمينا من الألم، فنحتمي معه من الحقيقة؛ ونراقب العالم وهو يتهاوى، ثم نقنع أنفسنا أن المشاهدة ليست مشاركة. لكن الحياة لا تمنح أحدًا مقعدًا خارج المشهد؛ فكل صمت موقف، وكل تفرج اختيار، وكل خوف قد يصنع نصيبه من المأساة. ولعل رسالة محفوظ لنا جميعًا أن الإنسان لا ينجو حين يختبئ من العالم، بل حين يمتلك شجاعة الخروج من مظلته، ومواجهة المطر، والاعتراف بأن العالم الذي نلعنه أحيانًا هو العالم الذي نصنعه بصمتنا. فلا أحد يقف خارج الحكاية؛ نحن جميعًا، بطريقة ما، نكتب نهايتها.



#محيي_الدين_ابراهيم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يخشى العقل الحياة
- قراءة في مسرحية نشيد الأنشاد لتوفيق الحكيم في ضوء المدرسة ال ...
- مسرح الأقاليم (وجهات نظر عالمية ) - المقال الثالث
- مسرح الأقاليم - (وجهات نظر عالمية ) - المقال الثاني:
- مسرح الأقاليم ( وجهات نظر عالمية ) - المقال الأول
- نوبار باشا بين ذاكرة رجل الدولة وضمير المؤرخ:
- المسرح الوصفي: قراءة نقدية في محاولة لتأسيس شكل مسرحي جديد م ...
- كيف يمكن للأزواج النجاة من الخيانة العاطفية؟
- المسرح البصري .. حين تكتب الصورة نصها الخاص
- مستقبل التفكير الإنساني ما بعد الذكاء الاصطناعي
- المسرح الرقمي - المقال الحادي عشر
- المسرح الرقمي - المقال الثالث عشر
- هل ماتت الرومانسية في زماننا المعاصر؟
- فن البورلسك المسرحي
- المسرح الرقمي المقال الثامن
- المسرح الرقمي المقال العاشر
- المسرح الرقمي المقال التاسع
- المسرح الرقمي - المقال السابع
- المسرح الرقمي - المقال السادس
- المسرح الرقمي - المقال الخامس


المزيد.....




- بعد 3 عقود من الغموض.. انطلاق محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل ...
- مسبح وشلال وقاعة سينما.. هكذا يعيش لامين جمال في قصره الفاخر ...
- لاس فيغاس: بدء محاكمة زعيم عصابة سابق متهم بتدبير مقتل مغني ...
- 8 غرف و6 حمامات وسينما.. تفاصيل فيلا محمد صلاح في طرابزون
- الفيلم الذي تنتظره قد يدمرك رقميا.. قراصنة يستغلون هوس -أودي ...
- راغب علامة يعود إلى دمشق بعد 15 عاماً.. زيارة تفتح باب الحفل ...
- من رسائل الغربة إلى قصائد غزة.. محطات في حياة الشاعر أحمد بخ ...
- ترقب بدء محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل مغني الراب توباك شاك ...
- توصيات المدونين ترفع الطلب على كتب جان بول سارتر في روسيا
- من ميخائيلوفسكوي إلى موسكو.. معرض يستعيد عالم بوشكين بأكثر م ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محيي الدين ابراهيم - تحت المظلة لنجيب محفوظ .. حين يتحول الإنسان من فاعل إلى متفرج