أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محيي الدين ابراهيم - حين يخشى العقل الحياة














المزيد.....

حين يخشى العقل الحياة


محيي الدين ابراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 22:33
المحور: الادب والفن
    


ليس كل خوفٍ يرتجف، ولا كل هروبٍ يركض.
هناك خوفٌ أكثر هدوءًا، وأكثر خفاءً، حتى ليبدو في أعين الناس فضيلة. إنه خوفٌ لا يختبئ خلف الجبن، بل خلف اليقين؛ ولا يعلن نفسه رفضًا للحياة، بل ادعاءً لحماية الحقيقة. ومن فرط ما يُتقن ارتداء الأقنعة، يظنه الناس حكمة، وهو في جوهره عجزٌ عن مرافقة الزمن وهو يصنع العالم من جديد.
فالإنسان لا يخاف المجهول دائمًا، بل يخاف أن يكتشف أن ما اعتاد عليه لم يعد كافيًا.
ومن هنا تبدأ الحكاية.
فالحياة ليست اسمًا لما يعيش، وإنما لما يتغيّر. وما لا يتغير، مهما بدا صلبًا، يبدأ رحلته البطيئة نحو الفناء. فالوجود كله مكتوب بلغة التحول؛ الفصول تتبدل، والأنهار لا تعبر المجرى نفسه مرتين، والنجوم تولد وتموت، وحتى الجسد الذي نظنه ثابتًا، لا يكف عن استبدال خلاياه. ومن ثم نجد أن وحده الإنسان يحاول أحيانًا أن يوقف الزمن داخل فكرة، ثم يطلب من الحياة أن تسير على إيقاعها.
وهنا يقع الوهم الأكبر.
فنحن لا نخاف ضياع الحقيقة، بقدر ما نخاف ضياع الطمأنينة التي تمنحها لنا الحقيقة حين تتحول إلى عادة. ولذلك يصبح اليقين، إذا توقف عن مراجعة نفسه، أقلَّ شبهًا بالنور، وأكثر شبهًا بالجدار.
ليس لأن الجدار باطل، بل لأنه لم يعد يرى ما وراءه.
إن العقل لم يُخلق ليكون مخزنًا للمعرفة، بل ورشةً لإنتاجها. ولم يُمنح الذاكرة ليقيم فيها، بل ليعود إليها كلما احتاج أن يبدأ رحلةً جديدة. فالذاكرة ميناء، وليست وطنًا؛ والميناء الذي يمنع السفن من الإبحار، لا يحميها من الغرق، بل يحرمها من معنى وجودها.
ولذلك لا تكمن المأساة في أن يكون للإنسان ماضٍ، بل في أن يصبح الماضي مستقبلَه الوحيد.إن الحضارات التي صنعت التاريخ لم تكن أكثر الأمم حفظًا لما ورثته، بل أكثرها قدرةً على أن تمنحه حياةً جديدة. فما من فكرةٍ عظيمة بقيت عظيمة لأنها تكررت، وإنما لأنها استطاعت أن تتجدد دون أن تفقد روحها. فالحياة لا تطلب من الجذور أن تصبح أغصانًا، لكنها أيضًا لا تسمح للأغصان أن تعود فتدفن نفسها في الجذور.
لهذا كان الجذر سرَّ الحياة، ولم يكن يومًا اتجاهها.
والفرق بين الجذر والقيد، أن الأول يمنحك القدرة على النمو، بينما يمنحك الثاني القدرة على البقاء في المكان نفسه. وكثيرًا ما يختلط الأمر على العقول، فتظن الثبات وفاءً، مع أن الوفاء الحقيقي ليس أن نحرس آثار الذين سبقونا، بل أن نواصل الطريق الذي بدأوه.
إن الذين نرفعهم اليوم إلى مرتبة العظمة، لم يبلغوها لأنهم كرروا ما قيل قبلهم، بل لأنهم امتلكوا شجاعة السؤال. لقد كانوا أبناء زمانهم، لا سجناء الأزمنة التي سبقتهم. ولو كُتب لهم أن يعودوا إلينا، لربما كانوا أول من يرفض أن تتحول أفكارهم إلى نصوص مغلقة، لأن الفكرة التي تتوقف عن الحوار، تبدأ في الانطفاء.
فالحقيقة ليست حجرًا نعثر عليه، بل أفقًا نقترب منه، وكلما اقتربنا اتسع أمامنا.
ومن هنا، فإن أخطر ما يصيب العقل ليس الجهل؛ فالجهل بداية ممكنة لكل معرفة. أما الخوف، فهو اللحظة التي يختار فيها العقل أن يتوقف عن السير. والخوف لا يلبس دائمًا ثوب الضعف، بل قد يرتدي ثوب الحكمة، أو القداسة، أو المحافظة، بينما هو في أعماقه خوفٌ من أن تتغير الصورة التي ألفها الإنسان عن نفسه وعن العالم.
ولعل هذا هو السر الذي يجعل بعض الناس يعيشون داخل الأفكار كما يعيش الناس داخل المقابر؛ يزورونها كل صباح، ويخشون مغادرتها، لأن الهواء خارجها مجهول.
لكن الحياة لا تُولد في الأماكن المغلقة.
إنها تُولد كلما امتلك الإنسان شجاعة أن يسأل، وشجاعة أن يراجع، وشجاعة أن يعترف بأن الحقيقة أكبر من أن يحتكرها جيل، أو كتاب، أو عقل واحد.
فليس في الكون شيءٌ اكتمل إلا بدأ في الأفول، وليس فيه شيءٌ ينمو إلا لأنه ما زال يعترف بأنه لم يبلغ الكمال.
وربما لهذا خُلقت الأشجار؛ لتعلّمنا أن الجذور كلما تعمقت في الأرض، ازدادت الأغصان توقًا إلى السماء. فلا خصومة بين الوفاء والانطلاق، ولا بين الذاكرة والمستقبل، إلا في العقول التي تظن أن السير إلى الأمام خيانةٌ لما كان.
أما الحياة، فلا تعرف هذه اللغة.
إنها لا تسألنا ماذا حفظنا من الأمس، بل ماذا أضفنا إليه.
ولا تقيس أعمارنا بعدد السنوات، بل بعدد المرات التي وُلد فيها وعينا من جديد.
فمن أراد أن يكون وفيًّا للماضي، فليحمل روحه، لا ظله. وليأخذ منه جذوره، لا قيوده. لأن الوجود، منذ بدأ، لم يكن سوى دعوةٍ مفتوحة إلى التجدد، ولأن العقل الذي لا يخشى الحياة... هو وحده القادر على أن يمنحها معنًى جديدًا.



#محيي_الدين_ابراهيم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في مسرحية نشيد الأنشاد لتوفيق الحكيم في ضوء المدرسة ال ...
- مسرح الأقاليم (وجهات نظر عالمية ) - المقال الثالث
- مسرح الأقاليم - (وجهات نظر عالمية ) - المقال الثاني:
- مسرح الأقاليم ( وجهات نظر عالمية ) - المقال الأول
- نوبار باشا بين ذاكرة رجل الدولة وضمير المؤرخ:
- المسرح الوصفي: قراءة نقدية في محاولة لتأسيس شكل مسرحي جديد م ...
- كيف يمكن للأزواج النجاة من الخيانة العاطفية؟
- المسرح البصري .. حين تكتب الصورة نصها الخاص
- مستقبل التفكير الإنساني ما بعد الذكاء الاصطناعي
- المسرح الرقمي - المقال الحادي عشر
- المسرح الرقمي - المقال الثالث عشر
- هل ماتت الرومانسية في زماننا المعاصر؟
- فن البورلسك المسرحي
- المسرح الرقمي المقال الثامن
- المسرح الرقمي المقال العاشر
- المسرح الرقمي المقال التاسع
- المسرح الرقمي - المقال السابع
- المسرح الرقمي - المقال السادس
- المسرح الرقمي - المقال الخامس
- المسرح الرقمي - المقال الرابع


المزيد.....




- اتهامات ودعوى قضائية.. هل سربت نتفليكس فيلم -فورتيتيود-؟
- الغرافيتي.. صوت المتمردين ومرآة المنبوذين
- داخل إحدى دور سينما آيماكس النادرة.. تجربة مشاهدة -الأوديسة- ...
- مخرج ألماني يحذف مشهد تعرّ من أحد أفلامه الشهيرة ويعتذر لمؤد ...
- -بياف 2026- يكرّم نخبة من نجوم الفن والإعلام... وعباس النوري ...
- لماذا تريد الفنانة البريطانية -تشارلي إكس سي إكس- أن يعرف ال ...
- ليبيا تسترد آثارها المنهوبة وتصارع لإنقاذ تاريخها من الخطر
- دعوى بـ105 ملايين دولار ضد نتفليكس بعد سرقة فيلم نيكولاس كيج ...
- “سينما تحت الإبادة”.. كتاب جديد لأشرف بيدس يرصد صورة غزة في ...
- بعد الجدل الواسع... نقابة الفنانين توضح حقيقة منع إدخال الآل ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محيي الدين ابراهيم - حين يخشى العقل الحياة