أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محيي الدين ابراهيم - مسرح الأقاليم - (وجهات نظر عالمية ) - المقال الثاني:















المزيد.....

مسرح الأقاليم - (وجهات نظر عالمية ) - المقال الثاني:


محيي الدين ابراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 10:13
المحور: الادب والفن
    


مسرح الأقاليم وصناعة المستقبل الثقافي للأمة:
حين طالعتُ مقال الكاتبة "سارة ريدجواي" عن المسرح الإقليمي في المملكة المتحدة وأيرلندا، لم أتعامل معه بوصفه تقريرًا تعريفيًا عن عدد من المسارح المحلية أو استعراضًا لبعض التجارب الفنية الناجحة، بل قرأته باعتباره دفاعًا ضمنيًا عن أحد أهم المفاهيم الثقافية في التاريخ المسرحي الحديث: حق المجتمع في إنتاج ثقافته من داخل بيئته المحلية، لا باعتباره متلقيًا سلبيًا لما يُنتج في العواصم الكبرى.
يكشف المقال منذ بدايته عن معضلة تاريخية صاحبت الحركة المسرحية في معظم دول العالم، وهي مركزية الإنتاج الثقافي والفني في العواصم. فكما تمثل لندن القلب النابض للمسرح البريطاني بما تضمه من مسارح ويست إند الشهيرة، عرفت دول كثيرة الظاهرة ذاتها حين تركزت المؤسسات الثقافية الكبرى في المدن المركزية، بينما ظلت الأقاليم تنتظر ما يفيض عن المركز من اهتمام أو موارد. غير أن القيمة الحقيقية للمقال تكمن في تأكيده أن المسرح الإقليمي ليس بديلًا هامشيًا للمسرح المركزي، بل هو شريك أساسي في صناعة الثقافة الوطنية وصياغة الوعي الجمالي للمجتمع.
ومن خلال الأمثلة التي تستعرضها الكاتبة، يتضح أن المسرح الإقليمي يؤدي وظيفة تتجاوز تقديم العروض الفنية إلى صناعة الفنان نفسه. فالأسماء اللامعة التي أصبحت لاحقًا جزءًا من المشهد المسرحي والسينمائي البريطاني لم تولد داخل المؤسسات المركزية الكبرى، بل بدأت خطواتها الأولى فوق خشبات المسارح المحلية. وهنا تتجلى إحدى الحقائق المهمة في تاريخ الفنون: فالموهبة لا تنشأ في العاصمة، وإنما تكتشفها المؤسسات القادرة على الرعاية والاحتضان أينما وُجدت.
ولعل أكثر ما استوقفني في المقال هو الإشارة إلى نظام الفرق المسرحية المقيمة الذي كان سائدًا في كثير من المسارح الإقليمية. فهذا النظام لم يكن مجرد آلية إنتاج، بل كان مدرسة متكاملة لتكوين الفنان. إذ أتاح للممثلين الشباب الاحتكاك اليومي بالمهنة واكتساب الخبرة العملية عبر التنقل بين أنماط درامية متعددة خلال الموسم الواحد. ومن هنا يمكن القول إن المسرح الإقليمي لم يكن مصنعًا للعروض المسرحية فحسب، بل كان مصنعًا للكوادر الفنية التي صنعت لاحقًا مجد المسرح البريطاني كله.
كما يلفت المقال النظر إلى البعد الديمقراطي للمسرح الإقليمي. فالفن، في جوهره، لا ينبغي أن يكون امتيازًا جغرافيًا أو طبقيًا. وعندما يصبح الوصول إلى المسرح مرهونًا بالقدرة على السفر إلى العاصمة أو تحمل التكاليف المرتفعة، فإن الثقافة تتحول إلى سلعة نخبوية تفقد رسالتها الاجتماعية. لذلك فإن وجود مسرح محلي في كل إقليم يمثل تجسيدًا عمليًا لمبدأ العدالة الثقافية، لأنه يمنح أبناء المناطق البعيدة الحق نفسه في مشاهدة العروض المسرحية والتفاعل معها.
ومن منظور نقدي أوسع، أرى أن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي أمة هو انقطاع الأجيال الجديدة عن التجربة المسرحية الحية. فالطفل الذي يشاهد عرضًا مسرحيًا للمرة الأولى لا يكتسب متعة جمالية فقط، بل يختبر شكلًا فريدًا من أشكال التواصل الإنساني القائم على الحضور المباشر. ولهذا فإن ما يورده المقال عن الورش الفنية والبرامج التعليمية التي تنظمها المسارح الإقليمية يكشف عن دور تربوي بالغ الأهمية. فهذه المسارح لا تنتج جمهور الحاضر فقط، بل تصنع جمهور المستقبل أيضًا.
ويكشف المقال كذلك عن جانب آخر كثيرًا ما يغيب عن النقاشات الثقافية، وهو أن المسرح الإقليمي يمثل بيئة خصبة للتجريب الفني. فعلى عكس المؤسسات المركزية التي تخضع أحيانًا لضغوط السوق ومتطلبات النجاح التجاري، تمتلك بعض المسارح المحلية قدرًا أكبر من الحرية يسمح لها بالمغامرة الفنية وتقديم نصوص جديدة وأشكال إخراجية مبتكرة. ومن هنا فإن كثيرًا من الأعمال التي وصلت لاحقًا إلى مسارح لندن الكبرى بدأت حياتها الإبداعية في فضاءات إقليمية أقل صخبًا وأكثر استعدادًا للمخاطرة.
كما تؤكد الكاتبة أن المسرح الإقليمي يساهم في بناء شبكات مهنية متماسكة بين الممثلين والمخرجين والكتاب المسرحيين. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الفن لا ينمو في الفراغ، بل داخل منظومات من العلاقات المهنية والمعرفية. وكلما اتسعت هذه الشبكات داخل الأقاليم، أصبحت الحركة المسرحية أكثر قدرة على الاستمرار بعيدًا عن الاحتكار الذي تمارسه المراكز الكبرى.
غير أن أهم ما يثيره المقال في تقديري هو قضية التمويل. فالتحديات الاقتصادية التي تواجه المسارح المحلية ليست مجرد أزمة مالية، بل هي في حقيقتها أزمة رؤية ثقافية. فحين يُنظر إلى المسرح باعتباره نشاطًا ترفيهيًا يمكن الاستغناء عنه عند الأزمات، يصبح وجوده مهددًا باستمرار. أما إذا أدركت الدولة والمجتمع أن المسرح مؤسسة تربوية وثقافية وتنموية لا تقل أهمية عن المؤسسات التعليمية، فإن دعمه يصبح استثمارًا طويل الأمد في الإنسان نفسه.
إن قصة مسرح أولدهام كولوسيوم التي يوردها المقال تكشف بوضوح حجم الارتباط الوجداني بين المسرح ومجتمعه المحلي. فالمسارح ليست مباني حجرية أو قاعات عروض، بل هي جزء من الذاكرة الجماعية للمدن والأقاليم. ولذلك فإن إغلاق أي مسرح محلي لا يعني فقدان مؤسسة ثقافية فقط، بل يعني انقطاع جزء من السيرة الثقافية للمكان.
ومن خلال هذه القراءة أرى أن القيمة الحقيقية لمقال سارة ريدجواي لا تكمن في المعلومات التي يقدمها عن عدد من المسارح البريطانية والأيرلندية، وإنما في تأكيده أن المسرح الإقليمي يمثل البنية التحتية الحقيقية للفن المسرحي. فالعواصم قد تصنع النجوم، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة الحركة المسرحية. أما الأقاليم فهي التي تمد المسرح باستمرار بالمواهب الجديدة والجمهور الجديد والأفكار الجديدة.
ولذلك فإن مستقبل المسرح لا يُقاس فقط بما يحدث فوق خشبات المسارح الكبرى في العواصم، بل بما يحدث في تلك المدن البعيدة التي يلتقي فيها الفن بالحياة اليومية للناس. هناك، في مسارح الأقاليم، يتجدد دم المسرح باستمرار، وتتجدد علاقته بالمجتمع، ويظل الفن قادرًا على أداء رسالته بوصفه فعلًا ثقافيًا وإنسانيًا وجماليًا يتجاوز حدود المركز ليحتضن الوطن كله.
بقلم: محيي الدين إبراهيم
القاهرة في يونيو 2026



#محيي_الدين_ابراهيم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مسرح الأقاليم ( وجهات نظر عالمية ) - المقال الأول
- نوبار باشا بين ذاكرة رجل الدولة وضمير المؤرخ:
- المسرح الوصفي: قراءة نقدية في محاولة لتأسيس شكل مسرحي جديد م ...
- كيف يمكن للأزواج النجاة من الخيانة العاطفية؟
- المسرح البصري .. حين تكتب الصورة نصها الخاص
- مستقبل التفكير الإنساني ما بعد الذكاء الاصطناعي
- المسرح الرقمي - المقال الحادي عشر
- المسرح الرقمي - المقال الثالث عشر
- هل ماتت الرومانسية في زماننا المعاصر؟
- فن البورلسك المسرحي
- المسرح الرقمي المقال الثامن
- المسرح الرقمي المقال العاشر
- المسرح الرقمي المقال التاسع
- المسرح الرقمي - المقال السابع
- المسرح الرقمي - المقال السادس
- المسرح الرقمي - المقال الخامس
- المسرح الرقمي - المقال الرابع
- المسرح الرقمي - المقال الثالث
- المسرح الرقمي - المقال الثاني
- المسرح الرقمي - المقال الأول


المزيد.....




- البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة ...
- مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر ...
- رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية ...
- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محيي الدين ابراهيم - مسرح الأقاليم - (وجهات نظر عالمية ) - المقال الثاني: