|
|
قراءة في مسرحية نشيد الأنشاد لتوفيق الحكيم في ضوء المدرسة الإنجليزية لنقد الدراما الشعرية
محيي الدين ابراهيم
الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 7 - 07:23
المحور:
الادب والفن
(حين يتحول العشق إلى دراما، وتصبح القصيدة خشبةً للمطلق ) تمهيد توفيق الحكيم... حين أصبح الإبداع العربي لغةً يفهمها العالم ليس من الإنصاف أن نقترب من هذا العمل دون أن نتوقف، أولًا، أمام القامة الفكرية والإبداعية التي أعادت إليه ميلاده العربي؛ لأن الأعمال الكبرى لا تُقاس بقيمة النصوص التي يكتبها أصحابها فحسب، وإنما تُقاس أيضًا بقدرتهم على اكتشاف الحياة الكامنة في نصوص الإنسانية كلها، ثم إعادة بعثها في صورة جديدة، وهذا ما فعله الأديب المصري الكبير توفيق الحكيم. لقد كان الحكيم أحد أولئك المبدعين النادرين الذين تجاوزوا حدود الكاتب إلى مرتبة صانع الرؤية. فلم يكن المسرح عنده جنسًا أدبيًا يُكتب، بل كان طريقةً للتفكير، ومنهجًا لفهم الإنسان، وأداةً فلسفية لاختبار الأسئلة الكبرى التي صاحبت الوعي الإنساني منذ فجر الحضارات. ولهذا جاءت أعماله لتؤكد أن المسرح العربي ليس تابعًا للمسرح الأوروبي، ولا مجرد امتدادٍ له، بل قادر على أن يضيف إلى الفكر المسرحي العالمي رؤيته الخاصة، المنطلقة من حضارة عريقة، ومن حساسية ثقافية تمتد جذورها آلاف السنين. ولعل هذه القدرة على الجمع بين التراث والحداثة، وبين الفلسفة والشعر، وبين الفكر والدراما، هي التي جعلت توفيق الحكيم يحتل مكانة استثنائية في تاريخ الأدب العربي الحديث، ويصبح أحد الأسماء التي عبرت حدود اللغة والجغرافيا، فاستحقت أن تُقرأ بوصفها جزءًا من التراث الإنساني، لا من التراث العربي وحده. فالحكيم لم يكن يكتب لمصر وحدها، ولا للعالم العربي وحده، بل كان يكتب للإنسان، ولذلك ظلت أسئلته صالحة لكل زمان، وبقيت شخصياته قادرة على الحياة كلما تبدلت الأزمنة. إن القيمة العالمية لتوفيق الحكيم لا ترجع إلى كثرة ما كتب، ولا إلى ريادته المسرحية فحسب، بل إلى أنه استطاع أن يحقق المعادلة التي لا ينجح فيها إلا كبار المبدعين؛ فقد جعل الأدب العربي يدخل في حوارٍ متكافئ مع الآداب العالمية، لا بوصفه طالبًا للاعتراف، وإنما بوصفه شريكًا في إنتاج المعرفة الجمالية والإنسانية. ولهذا لم يكن مشروعه مشروع اقتباس، بل مشروع إبداعٍ وإضافة؛ إذ كان يستوعب التراث الإنساني ثم يعيد إنتاجه بروح عربية أصيلة، دون أن يفقد النص عالميته أو يفقد هوويته. ومن هنا تكتسب معالجته لـ «نشيد الأنشاد» قيمةً استثنائية؛ لأنها تكشف عن عقلٍ مسرحي يرى ما وراء ظاهر النصوص، ويكتشف في القصيدة ما قد يغيب عن أعين كثير من النقاد. فما قد يراه غيره نشيدًا غنائيًا، يراه الحكيم مشروعًا دراميًا نابضًا بالحركة، وما قد يُقرأ بوصفه حوارًا بين عاشقين، يقرأه هو بوصفه دراما الوجود الإنساني في بحثه الأبدي عن الاكتمال. ولذلك لا تُكتب هذه الدراسة احتفاءً بنص «نشيد الأنشاد» وحده، بل هي أيضًا تحيةٌ فكريةٌ إلى عبقرية توفيق الحكيم؛ ذلك المبدع الذي أثبت، عبر مشروعه الأدبي كله، أن الإبداع العربي لا يكتفي بأن يشارك في الحضارة الإنسانية، بل يمتلك القدرة على أن يعيد قراءة تراثها، وأن يكتشف فيه آفاقًا جديدة، وأن يضيف إلى النقد والجمال والفلسفة رؤيةً تخرج من قلب الثقافة العربية لتخاطب الإنسان أينما كان. ولعل هذه هي السمة التي لا يبلغها إلا كبار المبدعين؛ فهم لا يغيّرون طريقة كتابة الأدب فحسب، بل يغيّرون طريقة قراءته. وهنا تكمن عظمة توفيق الحكيم؛ إذ لم يقدّم للقارئ نصوصًا جديدة فقط، وإنما قدّم له عينًا جديدة يرى بها النصوص القديمة، فحوّل القراءة نفسها إلى فعلٍ من أفعال الإبداع، وجعل من المسرح أفقًا فلسفيًا لفهم الإنسان، ومن الشعر وسيلةً لاكتشاف الدراما الكامنة في أعماق الوجود. ولذلك يبقى اسمه واحدًا من العلامات المضيئة التي أثبتت أن الإبداع العربي، حين يبلغ ذروة أصالته، يبلغ في الوقت نفسه ذروة عالميته. ولا تكتمل صورة هذا العمل دون الوقوف أمام الكلمة الموجزة التي صدَّر بها توفيق الحكيم نصه؛ فهي، على قصرها، تكشف عن عبقرية فنان يعرف أن المقدمة ليست شرحًا للنص، بل مفتاحًا لقراءته. ففي بضعة أسطر فقط، رسم الحكيم خريطةً ثقافية تمتد من الملك النبي سليمان إلى Ernest Renan وAndré Gide، ثم أعلن منهجه في العودة إلى النص الأصلي، قبل أن يختم بكلمات تعد، في تقديرنا، من أجمل البيانات الجمالية في تاريخ الأدب العربي الحديث. فهو يكتب عمله سنة 1940، في اللحظة التي كانت فيها الحرب العالمية الثانية تفتح أبواب الخراب أمام الإنسانية، لكنه لا يختار أن يجيب عن العنف بلغة العنف، ولا عن الكراهية بخطاب الكراهية، وإنما يعلن، في صورة رمزية بالغة الكثافة، أنه يتعمد نشر «أغنية النبي سليمان المعطرة بروح الحب والجمال» في اليوم الذي «ينشر فيه روح الشر جناحيه على الأرض». إن هذه المقابلة ليست مجرد محسن بلاغي، وإنما هي رؤية فلسفية كاملة؛ فقد جعل الحكيم من «الجناحين» رمزًا لقوتين متقابلتين تحلقان فوق العالم: جناحي الشر اللذين تنشرهما الحرب، وعطر الحب الذي تنشره الكلمة. وهنا تتجلى عبقرية الرمز؛ فالشر عنده يمتلك القوة والانتشار، لكنه لا يمتلك الخلود، أما الحب فلا يحتاج إلى السلاح، لأنه ينتشر كما ينتشر العطر، في هدوء لا يُرى، لكنه يغيّر العالم من الداخل. لقد اختصر الحكيم، في هذه الجملة وحدها، فلسفته في الفن؛ فالإبداع ليس ترفًا يولد في أزمنة السلام، بل هو فعل مقاومة حضارية، وكلما اتسعت مساحة الظلام، ازدادت مسؤولية الفنان عن إشعال نور الجمال. ومن ثم فإن نشر «نشيد الأنشاد» في ذلك التوقيت لم يكن قرارًا أدبيًا فحسب، بل كان موقفًا إنسانيًا وأخلاقيًا، أعلن به توفيق الحكيم أن الحضارة لا تُدافع عن نفسها بالسلاح وحده، وإنما تدافع عن نفسها أيضًا بالشعر، وأن الكلمة الجميلة قد تكون، في لحظات الانهيار الكبرى، آخر حصون الإنسان في مواجهة السقوط ولعل هذه اللمحة الوجيزة تكفي لتكشف أن توفيق الحكيم لم يكن يعيد كتابة «نشيد الأنشاد»، بل كان يعيد تحديد وظيفته في التاريخ؛ فلم يعد النص عنده قصيدةً عن الحب، بل أصبح فعلًا حضاريًا يقاوم به الإنسان طغيان الشر، ولذلك فإن قراءة هذا العمل في ضوء المدرسة الإنجليزية لنقد الدراما الشعرية ليست مجرد دراسة في جماليات الشعر، وإنما هي كشفٌ عن مشروع فني وفلسفي أدرك، منذ اللحظة الأولى، أن أعظم الدراما ليست تلك التي تدور فوق خشبة المسرح، بل تلك التي يخوضها الإنسان، في كل عصر، بين جناحي الشر وعطر الحب.
مقدمة: حين يتحول العشق إلى دراما، وتصبح القصيدة خشبةً للمطلق منذ أن بدأ الإنسان يحول انفعالاته إلى كلمات، لم يكن الشعر غايته الأولى، كما لم يكن المسرح غايته الأخيرة؛ إذ لم يكن يبحث عن شكلٍ أدبي بقدر ما كان يبحث عن وسيلة يستطيع بها أن يجعل التجربة الإنسانية قابلة للعيش مرةً أخرى. ولهذا لم يكن الشعر في بدايات الحضارات غناءً خالصًا، كما لم يكن المسرح حوارًا خالصًا، بل كانا وجهين لطقسٍ واحد، تتحد فيه الكلمة بالفعل، والإنشاد بالحركة، والوجدان بالمشهد. ومن هذه الوحدة الأولى وُلدت الدراما الشعرية؛ لا بوصفها جمعًا بين الشعر والمسرح، وإنما بوصفها اللحظة التي تتحول فيها اللغة إلى فعل، ويتحول الفعل إلى كشفٍ عن حقيقة الإنسان. ولعل هذا هو المنطلق الذي قامت عليه المدرسة الإنجليزية في نقد الدراما الشعرية، ولا سيما في تنظيرات T. S. Eliot، التي أعادت النظر في العلاقة بين الشعر والمسرح من جذورها. فقد رفضت هذه المدرسة أن يكون الشعر مجرد زخرفة لفظية تُعلَّق على جسد المسرحية، كما رفضت أن يتحول المسرح إلى خطابٍ شعري طويل لا يتحرك فيه شيء سوى البلاغة. فالشعر، في منظورها، ليس قيمةً في ذاته، وإنما يكتسب قيمته بقدرته على أن يصنع الفعل، وأن يكشف البنية النفسية للشخصيات، وأن يمنح الزمن المسرحي إيقاعه، وأن يخلق، من خلال الصور والأشياء، عالمًا يفيض بالعاطفة دون أن يصرح بها. ومن هنا لم تعد الدراما الشعرية تُقاس بجمال أبياتها، وإنما بقدرتها على أن تجعل الشعر يعمل داخل البناء الدرامي. فالبيت الشعري الذي لا يغير مسار التجربة، مهما بلغ من البلاغة، يظل بيتًا جميلًا لا أكثر؛ أما البيت الذي يدفع الشخصية خطوةً نحو مصيرها، أو يفتح بابًا جديدًا في وعي المتلقي، فإنه يتحول إلى حدثٍ درامي لا يقل أهمية عن أي فعلٍ فوق خشبة المسرح. وهذا الفهم الفلسفي يفتح أمام الناقد أفقًا أرحب من حدود التصنيف الأدبي. فليست كل الدراما مكتوبةً في صورة مسرحية، كما أن ليس كل الشعر بعيدًا عن طبيعة المسرح. فثمة نصوص لا تحتوي على فصلٍ أو مشهد، ولا تعرف الممثل أو الستارة، لكنها تمتلك طاقةً درامية تجعلها قابلة لأن تُرى قبل أن تُقرأ، وأن تُعاش قبل أن تُفسَّر. وهنا لا يعود السؤال: هل هذا النص مسرحية؟ وإنما يصبح: هل يحمل في داخله روح المسرح؟ ومن هذا المنطلق تكتسب قراءة «نشيد الأنشاد» أهميتها النقدية. فهذا النص، الذي ظل قرونًا طويلة يُقرأ بوصفه قصيدة حب، أو نصًا دينيًا، أو استعارةً روحية للعلاقة بين الإنسان والإله، يخفي في أعماقه بنيةً درامية بالغة الثراء، لا تقل تعقيدًا عن كثير من المسرحيات الشعرية الكبرى. فالنص لا يقوم على غنائيةٍ منفردة، وإنما على تعدد الأصوات، وتبادل النداءات، وحركة الغياب والحضور، وانتظار اللقاء، والخوف من الفقد، وتكرار البحث، ثم الاكتشاف، ثم الضياع من جديد. إننا لا نجد حكايةً تُروى، بقدر ما نجد حالةً درامية تتنامى باستمرار، حتى يصبح العشق نفسه قوةً محركةً للأحداث، لا مجرد موضوعٍ للغناء. ولعل أكثر ما يلفت النظر أن النص لا يقدِّم الحب بوصفه انفعالًا فرديًا، وإنما بوصفه قدرًا وجوديًا. فالحبيبة لا تبحث عن الحبيب لأنه غاب عنها فقط، بل لأنها تبحث، من خلاله، عن اكتمال ذاتها. إنها تطوف المدينة، وتسأل الحراس، وتتعرض للضرب والجرح، ثم تواصل البحث دون أن تفقد يقينها بالعشق. إن هذه الحركة المستمرة لا تنتمي إلى بنية القصيدة الغنائية التقليدية، بل إلى بنية الصراع الدرامي؛ لأن الشخصية لا تكتفي بالتعبير عن شعورها، وإنما تتحرك في العالم مدفوعةً بهدفٍ واضح، وتدفع القارئ معها إلى متابعة مصيرها. كما أن النص لا يكتفي بتبادل الاعترافات العاطفية، بل يبني عالمًا كاملاً من الرموز: الكروم، والحدائق، والرمان، واللبنان، والأرز، والحمام، والظباء، والليل، والمدينة، والحراس، والجبال، والنوافذ، والريح، حتى تتحول الطبيعة كلها إلى فضاءٍ مسرحي تتجسد فيه العاطفة، ويصبح المكان نفسه شريكًا في بناء الدراما، لا خلفيةً لها. وهنا تتجلى القيمة الفلسفية للنص؛ إذ لا يعود العشق علاقةً بين شخصين، بل يتحول إلى صورةٍ رمزية لرحلة الإنسان نحو ما ينقصه، أيًا كان اسم هذا النقص: حبيبًا، أو حقيقةً، أو خلاصًا، أو إلهًا. ولذلك فإن الحركة الدرامية في "نشيد الأنشاد" لا تبدأ باللقاء ولا تنتهي به، وإنما تبدأ بالرغبة في الاكتمال، وتظل تتحرك بين الوصل والفراق، واليقين والانتظار، حتى يغدو البحث ذاته هو الحقيقة الوحيدة الثابتة. وانطلاقًا من هذا التصور، فإن هذه الدراسة لا تنظر إلى «نشيد الأنشاد» بوصفه نصًا دينيًا أو شعريًا فحسب، بل بوصفه مشروعًا للدراما الشعرية الكامنة؛ أي نصًا تتجاوز فيه القصيدة حدود الغنائية لتؤسس فعلًا مسرحيًا داخليًا، تتحول فيه الصورة إلى حركة، والرمز إلى شخصية، والإيقاع إلى نبض درامي، والعاطفة إلى بنيةٍ موضوعية تتولد من الأشياء لا من التصريح. ومن ثم ستخضع هذه القراءة لأهم القواعد الأربع التي أرستها المدرسة الإنجليزية في نقد الدراما الشعرية: الشعر الوظيفي بدلًا من الشعر الزخرفي، والنمط الخفي للعاطفة، وإيقاع الكلام المعاصر، والارتباط الموضوعي. غير أن الغاية هنا ليست إخضاع النص لقالبٍ نقدي جاهز، بل اختبار قدرة هذا المنهج على الكشف عن المسرح المختبئ داخل واحدةٍ من أقدم وأجمل القصائد الإنسانية؛ ذلك المسرح الذي لا تُرفع ستارته فوق خشبةٍ من خشب، وإنما تُرفع في أعماق الروح كلما بدأ العاشق رحلته الأبدية نحو من يظن أنه سيكتمل به، ليكتشف أن الرحلة نفسها كانت، منذ البداية، هي المسرحية الكبرى.
أولاً - الشعر الوظيفي بدلاً من الشعر الزخرفي: تُعدُّ قاعدة "الشعر الوظيفي بدلاً من الشعر الزخرفي" حجر الأساس الذي قامت عليه المدرسة الإنجليزية في نقد الدراما الشعرية، لأنها تمثل الحد الفاصل بين القصيدة التي تُقرأ، والمسرحية الشعرية التي تُعاش. فقد أدرك T. S. Eliot أن أخطر ما يمكن أن يصيب المسرح الشعري ليس ضعف الشعر، وإنما فائض الشعر؛ أي تلك اللحظة التي تتحول فيها اللغة إلى غاية مستقلة، فيتوقف الحدث، وتتجمد الشخصيات، ويصبح المتلقي معجبًا بالكلمات أكثر من انشغاله بالمصير الذي تتجه إليه الدراما. ومن هنا أعلن إليوت أن الشعر في المسرح لا يُقاس بقدرته على الإدهاش البلاغي، وإنما بقدرته على إنتاج الفعل؛ فكل بيت شعري لا يغير شيئًا في مسار التجربة الدرامية، يظل ــ مهما بلغ من الجمال ــ بيتًا زائدًا على حاجة المسرح. وهذه القاعدة، إذا نقلناها إلى «نشيد الأنشاد»، تفتح أمامنا أفقًا نقديًا جديدًا؛ إذ لا يصبح السؤال: ما أجمل الصور التي يزخر بها النص؟ وإنما: ما وظيفة هذه الصور؟ وهل كانت اللغة تزين العشق، أم كانت تصنعه؟ وهنا تتجلى عبقرية هذا النص. فالقراءة السطحية قد ترى في «نشيد الأنشاد» سلسلةً من التشبيهات والاستعارات التي تحتفي بجمال الجسد والطبيعة، غير أن القراءة الدرامية تكشف أن معظم هذه الصور ليست زينةً بلاغية، وإنما وحدات درامية، لا يمكن حذف واحدة منها دون أن يختل البناء الداخلي للنص. فالعاشقة لا تبدأ النص بوصف الحبيب، وإنما تبدأ بالفعل: «ليقبلني بقبلات فمه…» هذه ليست جملةً غنائية تقف عند حدود الرغبة، بل هي الشرارة الأولى للفعل الدرامي. فالرغبة هنا لا تُوصف، وإنما تُطلق حركة النص بأكمله. إنها تمثل ما يسميه علم الدراما القوة المحركة (Driving Force)؛ لأن كل ما سيأتي بعد ذلك ليس إلا محاولة لتحقيق هذا اللقاء المؤجل. ولو حذفنا هذه البداية، لتحول النص إلى تأمل في الحب. أما بوجودها، فقد أصبح رحلةً نحو الحب. وهذا هو الفرق بين الشعر الزخرفي والشعر الوظيفي. ثم تأتي صورة العطر: "لأن أدهانك طيبة الرائحة… اسمك دهن مهراق" قد يظن القارئ أن الشاعر أراد فقط أن يصف جمال الحبيب. لكن المدرسة الإنجليزية تدفعنا إلى سؤال آخر: ماذا فعل العطر داخل البناء الدرامي؟ إنه لم يضف جمالًا خارجيًا، بل جعل الحبيب حاضرًا في غيابه. فالعطر يؤدي وظيفة درامية دقيقة؛ إذ يحول الغائب إلى حضور محسوس. ومنذ تلك اللحظة لا يعود الغياب غيابًا كاملًا، لأن الرائحة تواصل أداء دور الشخصية. وهنا تتحول الصورة الشعرية إلى ممثل خفي. ويتكرر الأمر مع الكرم والرمان والحدائق. فالكروم لا تُذكر لأنها جميلة. بل لأنها تمثل مكان اللقاء. والحديقة ليست خلفية رومانسية. إنها المسرح الذي تتحرك فوقه الشخصيات. والرمان لا يؤدي وظيفة زخرفية. بل يمثل اكتمال الحياة وخصوبتها، ولذلك يتكرر كلما اقترب النص من لحظات الوصل. وهكذا لا توجد صورة مستقلة عن حركة النص. كل صورة تدفع المشهد خطوةً إلى الأمام. ومن أبلغ الأمثلة على الشعر الوظيفي مشهد البحث الليلي. تقول العاشقة: «في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي… طلبته فما وجدته… أقوم وأطوف في المدينة…» لو كان النص غنائيًا خالصًا، لاكتفى الشاعر بأن يقول: "اشتقت إليه." لكن النص لا يفعل. إنه يحول الشوق إلى حركة. قيام. خروج. طواف. سؤال. لقاء بالحراس. استمرار في البحث. ثم العثور. إن العاطفة هنا لا تُروى. إنها تسير على قدميها. وهذا هو جوهر الشعر الوظيفي. فاللغة لا تصف الانفعال، بل تجعله يتحرك في الزمن. بل إن الشخصيات الثانوية نفسها تؤدي وظائف درامية واضحة. فالحراس الذين يلتقون بالعاشقة في المدينة لا يمثلون مجرد تفصيل واقعي. إنهم يمثلون اختبار الرغبة. فكل رحلة درامية تحتاج إلى قوة تعوق البطل. ولهذا فإن ظهور الحراس لا يزيد النص جمالًا. بل يزيده توترًا. ولو حذفوا، لفقدت الرحلة إحدى محطاتها الأساسية. ومن أكثر المواضع كشفًا لهذه القاعدة تكرار النداء: «أحلفكن يا بنات أورشليم…» هذا النداء يتكرر أكثر من مرة. ولو نظرنا إليه بلاغيًا، لقلنا إنه تكرار. أما دراميًا، فهو نقطة انتقال. فكل مرة يظهر فيها هذا النداء، يكون النص قد وصل إلى ذروة وجدانية جديدة. إنه يشبه إسدال الستارة بين فصلين. أو انتقال الإضاءة من مشهد إلى آخر. ومن هنا فإن التكرار نفسه يؤدي وظيفة بنائية. ويبلغ الشعر الوظيفي ذروته في الإصحاح الثامن، حين يقول النص: "اجعلني كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك، لأن المحبة قوية كالموت…" هذه العبارة ليست خاتمة شاعرية فحسب. إنها النتيجة الدرامية التي وصلت إليها الرحلة كلها. فالحب، الذي بدأ رغبةً في القبلة، وانطلق بحثًا في المدينة، واجتاز الخوف والغياب والانتظار، يتحول الآن إلى قانون وجودي. لقد تطورت الشخصية. وتطور معها معنى الحب. وهذا التطور هو جوهر البناء الدرامي. ومن زاوية المدرسة الإنجليزية، فإن ما يلفت النظر في «نشيد الأنشاد» هو أن النص يكاد يخلو من الصور التي يمكن حذفها دون أن يختل المعنى. فالحمامة ليست تشبيهًا. إنها البراءة. والغزال ليس استعارة. إنه الحركة. والكرمة ليست نباتًا. إنها الخصوبة. والحديقة ليست مكانًا. إنها الفضاء الذي يولد فيه اللقاء. والمدينة ليست جغرافيا. إنها فضاء الامتحان. والليل ليس زمنًا. إنه زمن الاختبار الداخلي. ولهذا فإن جميع الصور تعمل داخل شبكة درامية واحدة. ومن المدهش أن النص، رغم ثرائه البلاغي، لا يسمح للبلاغة بأن تستقل عن الحدث. فكل تشبيه يغير زاوية الرؤية. وكل استعارة تدفع العلاقة بين العاشقين إلى مرحلة جديدة. وكل نداء يفتح مشهدًا. وكل صمت يؤجل لقاءً. وكل وصف يتحول إلى فعل. وهذه سمة لا تتحقق إلا في النصوص التي تمتلك وعيًا دراميًا عميقًا. ومن ثم، يمكن القول إن "نشيد الأنشاد" ينجح، وفق المعيار الأول للمدرسة الإنجليزية، نجاحًا استثنائيًا؛ لأنه لا يستخدم الشعر ليزين تجربة العشق، بل ليخلقها من جديد. فالكلمات هنا لا تلبس الحدث ثوبًا جميلًا، بل تصنع الحدث ذاته، والصور لا تُعلَّق على النص كما تُعلَّق الزخارف على الجدران، بل تعمل في داخله كما تعمل الأعصاب في الجسد؛ لا تُرى في ذاتها، ولكن الحياة كلها تتوقف عليها. ولهذا لا تبدو قصائد «نشيد الأنشاد» سلسلةً من الأوصاف الغنائية، بل تبدو مشاهد درامية متتابعة، تتقدم فيها الشخصيات نحو مصائرها بقدر ما تتقدم اللغة نحو أعلى درجاتها الشعرية. وهنا تتحقق المعادلة التي حلمت بها المدرسة الإنجليزية: أن يصبح الشعر فعلًا، لا زينة؛ وأن تتحول البلاغة من غاية جمالية إلى ضرورة درامية، حتى يغدو كل بيت شعري خطوةً جديدة في رحلة العشق، لا وقفةً للاستمتاع بجمال اللغة وحدها.
ثانياً - النمط الخفي للعاطفة: إذا كانت المدرسة الإنجليزية قد جعلت من الشعر الوظيفي الشرط الأول لنجاح الدراما الشعرية، فإنها انتقلت بعد ذلك إلى مستوى أكثر عمقًا، لا يتعلق بما تفعله الكلمات فوق سطح النص، وإنما بما تفعله في الطبقات الخفية من وعي المتلقي. وهنا يظهر ما اصطلح عليه عدد من نقاد المسرح الإنجليزي بـ "النمط الخفي للعاطفة" (The Under Pattern of Feeling)؛ أي ذلك الإيقاع الشعوري غير المعلن الذي يربط أجزاء العمل كلها، ويجعل المتلقي يعيش إحساسًا واحدًا، رغم تعدد المشاهد، وتباين الصور، واختلاف الأصوات. فالعمل المسرحي العظيم لا ينجح لأنه يقدم قصة متماسكة فحسب، بل لأنه يخلق مناخًا وجدانيًا يستمر في النمو من بداية النص حتى نهايته. ولهذا فإن الناقد، وفق هذا المنهج، لا يتوقف عند الحوار أو الحبكة أو الشخصيات، وإنما يحاول أن يكتشف العاطفة المركزية التي تتحرك في أعماق العمل، حتى وإن لم تُذكر مرةً واحدة بصورة مباشرة. ومن هنا يصبح السؤال النقدي في قراءة «نشيد الأنشاد» مختلفًا تمامًا عن السؤال التقليدي. فالقضية ليست: هل يتحدث النص عن الحب؟ بل: أيُّ حبٍّ هذا؟ وما الشعور الذي يظل يتنامى في أعماق النص، بينما تبدو الكلمات منشغلة بوصف الجمال والحدائق والكروم والظباء؟ إن القراءة السريعة تجعل القارئ يظن أن "نشيد الأنشاد" قصيدة حب تحتفي بالوصال، غير أن القراءة الدرامية تكشف أن العاطفة المركزية للنص ليست الوصال، وإنما الخوف الدائم من الفقد. إن الحب هنا لا يعيش لأنه تحقق، بل لأنه مهدد باستمرار. وهذا هو النمط الخفي الذي يوحد النص كله. فالحبيبة لا تبدأ بالغناء، وإنما تبدأ بالرغبة. ثم تتحول الرغبة إلى انتظار. ثم يتحول الانتظار إلى بحث. ثم يصبح البحث خوفًا. ثم يتحول الخوف إلى لقاء. ثم لا يلبث اللقاء أن يعود إلى خوف جديد. وهكذا يتحرك النص كله في دائرة وجدانية واحدة، هي الخوف من انكسار الاكتمال. ولهذا فإن الحب في «نشيد الأنشاد» ليس حالة مستقرة، بل توتر دائم بين الحضور والغياب. ويتجلى هذا البناء منذ اللحظات الأولى. تقول الحبيبة: "ليقبلني بقبلات فمه... " قد يبدو هذا افتتاحًا غنائيًا بسيطًا. لكن المدرسة الإنجليزية تدفعنا إلى تجاوز ظاهر العبارة. فلو كان اللقاء متحققًا، لما بدأت القصيدة بالرغبة. إن مجرد طلب القبلة يكشف أن هناك مسافة. وهذه المسافة هي التي تصنع الدراما. فالعاطفة الحقيقية هنا ليست القبلة. بل غياب القبلة. وهذا الغياب هو الذي يطلق الحركة الشعورية للنص كله. ثم ينتقل النص إلى واحد من أكثر مشاهده درامية: "في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي... طلبته فما وجدته... أقوم وأطوف في المدينة... " لو كان النص يريد التعبير عن الاشتياق، لاكتفى بهذه العبارة. لكن الشاعر لا يسمح للعاطفة أن تستقر. فكلما اقتربت الشخصية من الاطمئنان، أعادها إلى الحركة. إن الليل ليس زمنًا. إنه الحالة النفسية للعشق. والمدينة ليست مكانًا. إنها اتساع الاحتمالات. والطواف ليس انتقالًا جغرافيًا. إنه دوران الروح حول غيابها. ومن هنا فإن القارئ لا يشعر بأنه يتابع امرأة تبحث عن رجل، بل يتابع روحًا تبحث عن يقينها. ويزداد هذا النمط عمقًا حين تلتقي الحبيبة بالحراس. "وجدني الحراس الطائفون في المدينة... " الحراس، من الناحية الدرامية، ليسوا شخصيات ثانوية. إنهم التجسيد الخارجي للقلق الداخلي. ولهذا لا يقدمهم النص بوصفهم أفرادًا، بل بوصفهم قوة تعترض طريق الحب. إنهم الوجه المرئي للخوف. ولذلك فإن وجودهم لا يغير الحدث وحده. بل يغير الإيقاع العاطفي للنص. ومن أعمق المشاهد النفسية في «نشيد الأنشاد» ذلك الذي تتعرض فيه الحبيبة للإيذاء أثناء بحثها: "ضربني... جرحني... أخذ حراس الأسوار ردائي عني. " لو قرأنا هذه العبارات قراءة سردية، لوجدنا حادثة. أما دراميًا، فإنها تمثل ذروة الانكشاف الوجودي. فالرداء هنا لا يمثل قطعة ثياب. إنه رمز الحماية. وحين يُنتزع الرداء، لا تُجرح المرأة وحدها. بل تُجرَّد الروح من آخر دفاعاتها. إن الألم لا يُقال. بل يحدث أمامنا. وهذا هو النمط الخفي للعاطفة. ومن المدهش أن النص، كلما بلغ ذروة الألم، عاد فجأة إلى صور الطبيعة. الكروم... الرمان... الأرز... الجبال... الظباء... الحمام... وقد يظن القارئ أن هذه الصور تخفف التوتر. لكنها في الحقيقة تعيده بصيغة أخرى. فالطبيعة هنا لا تزين النص. إنها تحمل العاطفة نيابةً عن الشخصيات. فالربيع لا يعني الفصل. بل يعني الأمل. والكرمة لا تعني النبات. بل تعني احتمال الإثمار. والغزال لا يعني الحيوان. بل هشاشة اللقاء. وهكذا تنتقل العاطفة من الإنسان إلى العالم. فيصبح الكون كله عاشقًا. ومن أهم السمات التي تكشف هذا النمط الخفي كثرة النداءات. «أحلفكن يا بنات أورشليم...» هذه العبارة تتكرر أكثر من مرة. وليس المقصود بها التأكيد البلاغي. بل إعادة ضبط الإيقاع الوجداني. فكلما اقترب النص من الانفعال الأقصى، جاء هذا النداء ليمنح العاطفة لحظة صمت، قبل أن تبدأ موجة جديدة. إنه يشبه في الموسيقى تلك الوقفة التي تسبق انفجار اللحن. ولهذا فإن التكرار هنا لا يخدم اللغة. بل يخدم النفس. ثم يصل النص إلى ذروته الكبرى في الإصحاح الثامن: "اجعلني كخاتم على قلبك... لأن المحبة قوية كالموت... مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة، والسيول لا تغمرها. " قد تبدو هذه العبارة إعلانًا لانتصار الحب. لكنها، في الحقيقة، تكشف النمط الخفي كله. فالذي يشبَّه بالموت لا يكون حبًا هادئًا. والذي يحتاج إلى كل هذه القوة كي يبقى، هو حب يعيش دائمًا تحت تهديد الفناء. إن الموت لم يدخل النص في نهايته. لقد كان يسير فيه منذ بدايته. ولهذا لم يكن الحب نقيض الموت. بل كان القوة الوحيدة القادرة على الوقوف في مواجهته. ومن هنا نستطيع أن نكتشف أن العاطفة المركزية في "نشيد الأنشاد" ليست الغرام، كما قد يبدو في القراءة الأولى، وليست حتى الشوق، وإنما هي التوق الوجودي إلى اكتمالٍ يظل مهددًا بالفقد في كل لحظة. ولهذا يتحول الحبيب إلى أكثر من إنسان. وتتحول الحبيبة إلى أكثر من امرأة. ويصبح اللقاء أكثر من لقاء. إنه محاولة الإنسان أن يعثر على الجزء الذي يشعر بدونه أن وجوده ناقص. ومن هنا يكتسب النص بعده الفلسفي العميق. إنه لا يتحدث عن عاشقين فقط. بل عن الإنسان منذ لحظة خروجه إلى العالم. فالإنسان، في جوهر وجوده، ليس كائنًا يبحث عن الحب، بل كائن يبحث عن اكتماله. ولأن الاكتمال المطلق لا يتحقق في العالم، يبقى الحب في حالة بحث دائم. ولهذا لا ينتهي «نشيد الأنشاد» بانتهاء الحوار، بل يظل مفتوحًا على رحلة لا تنتهي. ومن ثم يمكن القول إن «نشيد الأنشاد» يحقق، وفق القاعدة الثانية للمدرسة الإنجليزية، أحد أرقى أشكال النمط الخفي للعاطفة؛ إذ لا يعتمد على التصريح بالمشاعر، ولا يجعل الشخصيات تفسر انفعالاتها، وإنما يبني، عبر حركة اللقاء والفراق، والليل والمدينة، والحديقة والبرية، والحراس والظباء، إيقاعًا وجدانيًا مستترًا، يتسرب إلى القارئ ببطء حتى يكتشف، عند نهاية النص، أنه لم يكن يقرأ قصيدة حب، بل كان يعيش مأساة الإنسان الجميلة؛ مأساة الكائن الذي يقترب من الاكتمال كلما ازداد خوفه من فقدانه. وهنا تبلغ الدراما الشعرية ذروتها؛ لأن النص لا يخبرنا بما نشعر به، بل يجعلنا نشعر بما لا تستطيع اللغة أن تقوله مباشرة.
ثالثاً - إيقاع الكلام المعاصر: إذا كانت المدرسة الإنجليزية قد طالبت بأن يكون الشعر في المسرح وظيفةً درامية لا زخرفةً لفظية، فإنها لم تتوقف عند هذا الحد، بل أضافت شرطًا أكثر صعوبة وأعمق أثرًا، وهو أن يكون الشعر قادرًا على التحدث بلغة الإنسان الحي. وقد كان T. S. Eliot يرى أن مأساة المسرح الشعري لا تبدأ حين يضعف الشعر، بل حين ينفصل عن الحياة؛ إذ تصبح الشخصيات تتحدث بلغة لا يتحدث بها بشر، وتتحرك داخل بناء لغوي مهيب، لكنه يفتقر إلى حرارة التجربة الإنسانية. ولذلك كان يؤكد أن نجاح الدراما الشعرية مرهون بقدرتها على إيجاد منطقة وسطى، لا تذوب فيها اللغة في النثر اليومي، ولا ترتفع إلى حد الخطابة، وإنما تتحول إلى كلام يمكن أن يُقال على المسرح، ويظل شعرًا في الوقت نفسه. وللوهلة الأولى قد يبدو هذا المعيار بعيدًا عن «نشيد الأنشاد»؛ فالنص ينتمي إلى أقدم الطبقات الشعرية في التراث الإنساني، وتفصل بينه وبين مفهوم "الكلام المعاصر" آلاف السنين. غير أن القراءة النقدية لا تقيس المعاصرة بعمر النص، وإنما بطبيعة الإيقاع الإنساني الذي يحمله. فالمعاصرة، في جوهرها، ليست زمنًا تاريخيًا، بل قدرة النص على أن يجعل الإنسان، في كل عصر، يشعر أن الشخصيات تتكلم من داخله، لا من داخل متحف لغوي. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل بقيت لغة "نشيد الأنشاد" أسيرة زمنها، أم أنها استطاعت أن تلامس الإيقاع الأبدي للإنسان؟ إن المتأمل في بنية النص يكتشف أن السر لا يكمن في مفرداته، بل في طريقة تنفس الجملة. فالنص لا يقوم على الخطب الطويلة، ولا على التدفق البلاغي المسترسل، وإنما على جمل قصيرة، متتابعة، تنبض بإيقاع الحوار أكثر مما تنبض بإيقاع الإنشاد. تقول الحبيبة: "ليقبلني بقبلات فمه... " هذه ليست مقدمة وصفية، ولا استهلالًا بلاغيًا، وإنما جملة تبدأ من قلب الرغبة نفسها. فلا يسبقها تمهيد، ولا تشرح أسبابها، لأن الإنسان حين يشتد به الشوق لا يبدأ بالشرح، بل يبدأ بالنداء. وهنا تتحول اللغة إلى نبض، لا إلى تقرير. إن هذه البساطة هي التي تمنح العبارة خلودها؛ فهي لا تبدو أثرًا لغويًا من الماضي، بل تبدو كأنها خرجت من قلب عاشق في أي زمان. ومن هنا تتجلى أولى خصائص إيقاع الكلام المعاصر؛ إذ لا يقوم على حداثة المفردة، وإنما على صدق النبرة. ويتأكد هذا الأمر في البنية الحوارية للنص. فالعمل لا يقوم على صوت واحد، وإنما على تبادل الأصوات. الحبيبة تتكلم. والحبيب يجيب. وبنات أورشليم يعلقن. ثم يعود الحوار إلى الحبيبة مرة أخرى. إن هذا التناوب لا يمنح النص طابعًا مسرحيًا فحسب، بل يمنحه أيضًا إيقاعًا حيًا، لأن كل صوت يحمل سرعته النفسية الخاصة. فالحبيبة تتكلم بلغة البحث. والحبيب يتكلم بلغة الاطمئنان. وبنات أورشليم يتكلمن بلغة المراقبة. وهكذا لا يتولد الإيقاع من الوزن وحده، بل من اختلاف الأصوات. وهذه من أهم خصائص المسرح الحديث، حيث تصنع الشخصيات موسيقى النص بطرائق كلامها، لا بالموسيقى الخارجية وحدها. ومن أبرز ما يميز «نشيد الأنشاد» أيضًا أن الحوار فيه لا يفسر نفسه. فعندما تقول الحبيبة: "طلبته فما وجدته. " لا تضيف: "فشعرت بالحزن." ولا تقول: "امتلأت باليأس." إنها تترك الجملة معلقة. وهذا الصمت جزء من الإيقاع. فالإنسان في لحظات الألم الكبرى يقل كلامه، لا يكثر. ولهذا يبدو النص قريبًا من الحساسية الدرامية الحديثة، التي تجعل الصمت امتدادًا للحوار، لا انقطاعًا له. ويظهر الإيقاع المسرحي كذلك في تكرار الأفعال القصيرة المتلاحقة: "أقوم... أطوف... أطلب... أسأل... " هذه الأفعال لا تؤدي وظيفة نحوية فحسب. إنها تصنع إيقاع الحركة. ولو تأملناها، لوجدنا أن النص لا يتوقف عند وصف الشعور، بل يحوله إلى سلسلة من الأفعال المتتابعة. ومن هنا يشعر القارئ أن الزمن يتحرك، وأن الشخصية لا تقف عند انفعالها، بل تدفعه إلى الأمام. وهذا هو الإيقاع الذي يحتاجه المسرح؛ لأن المسرح لا يعيش بالأوصاف، وإنما يعيش بالفعل. ومن الخصائص اللافتة أيضًا أن النص يعتمد كثيرًا على النداء. «يا بنات أورشليم...» إن النداء هنا ليس أداة لغوية. إنه انتقال في الطاقة الدرامية. فكل نداء يغير اتجاه الخطاب. ويعيد توزيع الانتباه. ويخلق وقفةً نفسية قبل أن يبدأ المشهد التالي. ولهذا فإن تكراره لا يولد الرتابة، بل يولد الإيقاع. إنه يشبه في المسرح انتقال الإضاءة من ممثل إلى آخر. ومن أبدع ما في النص أن إيقاعه لا يظل ثابتًا. فعندما يقترب اللقاء، تصبح الجمل أكثر هدوءًا واتساعًا: «أنا لحبيبي، وإليَّ اشتياقه.» إنها جملة مستقرة. لا حركة فيها. ولا قلق. ولا سؤال. وكأن الإيقاع نفسه قد وصل إلى لحظة استراحة. لكن ما إن يعود الفراق حتى تتسارع الأفعال من جديد، ويضيق النفس، ويعود النص إلى البحث والنداء والطواف. وهكذا لا تتغير الموسيقى وحدها. بل يتغير معدل التنفس الداخلي للجملة. وهذا ما كانت المدرسة الإنجليزية تعدّه أحد أهم شروط الشعر المسرحي؛ إذ ينبغي أن تتغير اللغة بتغير الحالة النفسية، لا أن تبقى على وتيرة واحدة مهما تبدلت الأحداث. وقد يقال إن لغة «نشيد الأنشاد» لا يمكن وصفها بالمعاصرة لأنها تستخدم صورًا تنتمي إلى بيئة زراعية قديمة؛ الكروم، والرمان، والأرز، واللبنان، والظباء. غير أن هذا الاعتراض ينطلق من فهمٍ لغوي للمعاصرة، لا من فهمٍ درامي لها. فالمعاصرة، في النقد الإنجليزي، لا تُقاس بالمفردات، وإنما بطاقة الأداء. إن الإنسان المعاصر لا يزال يقول: "أبحث عنك." "اشتقت إليك." "وجدتك." "لا تتركني." وهذه هي البنية العميقة للنص. أما الكرمة والرمان والظباء، فهي الوعاء الثقافي الذي حمل هذه المشاعر، لا المشاعر نفسها. ولهذا بقي النص قادرًا على الحياة، لأن إيقاعه النفسي لم يشيخ. ومن منظور مسرحي خالص، فإن القارئ يكاد يسمع النص قبل أن يقرأه. فالحوار فيه موزع بطبيعته. والوقفات محسوبة. والانتقالات واضحة. والتكرار يؤدي وظيفة إيقاعية. والصمت حاضر. ولو جُرد النص من تقسيماته التقليدية، ثم وُزع على ممثلين فوق خشبة المسرح، لما احتاج إلى إعادة كتابة جوهرية، لأن بنيته الداخلية تحمل خصائص الأداء المسرحي منذ لحظة ميلادها. وهذا يكشف أن "نشيد الأنشاد" لا يمتلك إيقاعًا شعريًا فحسب، بل يمتلك إيقاعًا تمثيليًا؛ أي ذلك الإيقاع الذي يجعل الكلمة لا تُقرأ وحدها، وإنما تُقال، وتُسمع، وتُجسَّد. ومن ثم يمكن القول إن «نشيد الأنشاد» يحقق، وفق القاعدة الثالثة للمدرسة الإنجليزية، معادلة فنية نادرة؛ فهو لا يقدم لغةً معاصرة بالمعنى الزمني، وإنما يقدم لغةً معاصرة بالمعنى الإنساني. لقد تجاوز عصره لأنه لم يكتب مفردات عصره، بل كتب إيقاع القلب الإنساني، وهو الإيقاع الوحيد الذي لا يشيخ. ولهذا ظل النص، عبر القرون، قادرًا على أن ينتقل من المعبد إلى المسرح، ومن الطقس الديني إلى التجربة الجمالية، ومن التراث إلى الحاضر، دون أن يفقد حرارة صوته. فالكلمات قد تحمل آثار الزمن، لكن الإيقاع الذي يحركها ما زال إيقاع الإنسان نفسه؛ الإنسان الذي لا يزال، منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، يبدأ الحب بنداء، ويعيش القلق في الصمت، ويبحث عن اكتماله بالكلام، ثم يكتشف أن أجمل ما في اللغة ليس ما تقوله، بل ما تتركه ينبض بين الكلمات.
رابعاً: الارتباط الموضوعي (Objective Correlative): إذا كان T. S. Eliot قد قدَّم للمسرح الشعري أهم معاييره في ضرورة أن يكون الشعر أداةً للفعل الدرامي، فإنه قدَّم للنقد الحديث، في المقابل، أحد أكثر مفاهيمه تأثيرًا وعمقًا، وهو مفهوم "الارتباط الموضوعي" (Objective Correlative). ولم يكن هذا المفهوم مجرد مصطلح نقدي، بل كان فلسفةً كاملة في فهم العلاقة بين الإنسان والعاطفة. فإليوت كان يرى أن المشاعر الحقيقية لا تُنقل إلى المتلقي عن طريق التصريح بها، لأن الانفعال المعلن يظل انفعالًا خاصًا بصاحبه، أما الفن العظيم فإنه يبتكر معادلًا موضوعيًا للعاطفة؛ أي مجموعةً من الأشياء، أو موقفًا، أو سلسلةً من الأحداث، إذا اجتمعت معًا، ولَّدت الشعور نفسه في وجدان المتلقي دون أن يحتاج النص إلى شرحه أو تفسيره. ولهذا كان يؤكد أن الكاتب لا ينبغي أن يقول: أنا حزين، بل عليه أن يبني عالمًا يجعل القارئ يشعر بالحزن قبل أن يدرك سببه. ومن هنا يصبح السؤال النقدي في «نشيد الأنشاد» سؤالًا جوهريًا: هل يعتمد النص على الاعتراف المباشر بالعاطفة، أم أنه يبتكر منظومة من الصور والمواقف تتحول إلى معادل موضوعي للحب؟ والحقيقة أن هذا النص يُعدُّ من أروع النماذج الإنسانية التي تجسد هذه القاعدة، رغم أنه كُتب قبل أن يولد هذا المصطلح بقرون طويلة. فهو لا يقدم الحب بوصفه فكرة مجردة، ولا يكتفي بوصف جمال الحبيب أو الحبيبة، وإنما يبني كونًا كاملًا تصبح فيه الطبيعة، والأشياء، والأماكن، والزمن، والروائح، والألوان، والأصوات، معادلًا موضوعيًا لعاطفة لا تستطيع الكلمات وحدها أن تحتويها. ولعل أول ما يلفت النظر أن الحديقة ليست مكانًا في النص، وإنما هي الحالة الداخلية للعشق. فالحديقة لا تظهر لأنها جميلة، بل لأنها الفضاء الذي تبلغ فيه الحياة ذروة خصوبتها. وحين يقول الحبيب: "أختي العروس جنة مغلقة، عين مقفلة، ينبوع مختوم. " فإن النص لا يصف امرأة. إنه يبني معادلًا موضوعيًا للطهارة، والخصوصية، والامتلاء الروحي. فالحديقة المغلقة ليست سورًا من حجر، وإنما حدود النفس التي لا يدخلها إلا الحب. والعين المختومة ليست ماءً. إنها الصفاء الذي لم تمسه يد الزمن. وهكذا تتحول الأشياء إلى لغة للعاطفة. ويتكرر الأمر مع صورة الكرمة. فالكرمة في «نشيد الأنشاد» لا تؤدي وظيفة زراعية، بل تتحول إلى معادل موضوعي للعلاقة الإنسانية نفسها. وحين تقول الحبيبة: "أمسكوا لنا الثعالب، الثعالب الصغار المفسدة للكروم، لأن كرومنا قد أقعلت. " فإن النص لا يتحدث عن زراعة الكروم. إنه يتحدث عن الحب. الثعالب هنا ليست حيوانات. إنها كل قوة صغيرة قادرة على إفساد العلاقة الإنسانية. إنها الشك. والخوف. والغيرة. والزمن. والنسيان. ولو قال النص: "احذروا ما يفسد الحب." لفقد نصف قوته الفنية. أما حين جعل الحب كرمةً، وجعل الشك ثعلبًا، فقد خلق معادلًا موضوعيًا يبقى في الذاكرة أكثر من أي خطاب مباشر. ومن أبدع المعادلات الموضوعية في النص الليل. فالليل لا يؤدي وظيفة زمنية. إنه يتحول إلى الصورة الخارجية لحالة الروح. حين تقول الحبيبة: «في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي.» لا يصبح الليل وقتًا. بل يصبح الفراغ الوجودي الذي يبدأ فيه الإنسان رحلة البحث عن اكتماله. إن الظلام هنا ليس غياب الضوء. إنه غياب اليقين. ولهذا فإن الليل كله يتحول إلى معادل موضوعي للقلق العاطفي. ثم تأتي المدينة. وفي القراءة السطحية تبدو مجرد مكان تدور فيه الأحداث. لكنها دراميًا تمثل شيئًا آخر تمامًا. إن المدينة هي عالم الاحتمالات. وعالم الضياع. وعالم الامتحان. ولهذا فإن الحبيبة لا تجد الحبيب في فراشها. بل تخرج إلى المدينة. وهذا الخروج لا يمثل انتقالًا مكانيًا. بل انتقالًا نفسيًا من الداخل إلى الخارج. إن المدينة هي الصورة المرئية للتيه. ومن أهم المعادلات الموضوعية أيضًا الحراس. «وجدني الحراس الطائفون في المدينة...» ثم: "ضربني... جرحني... أخذ حراس الأسوار ردائي عني. " الحراس هنا لا يؤدون وظيفة سردية. إنهم ليسوا شخصيات ثانوية. بل يمثلون العالم الذي يختبر صدق الحب. إنهم صورة لكل سلطة تواجه الإنسان حين يبحث عن حلمه. ولهذا لا يصبح الجرح حادثة. بل يصبح المعادل الموضوعي للألم الذي يدفع ثمنه كل عاشق حقيقي. ويبلغ النص درجة مذهلة من العمق حين يجعل الريح والصوت عنصرين من عناصر البناء العاطفي. «استيقظي يا ريح الشمال، وتعالي يا ريح الجنوب. هبي على جنتي فتقطر أطيابها.» إن الريح هنا ليست ظاهرة طبيعية. إنها القوة التي توقظ الحياة. وتحرك السكون. وتدفع العشق إلى الاكتمال. ولو حذفنا الريح، لفقد المشهد توتره الداخلي. لأن الحركة النفسية قد تجسدت فيها. ومن أروع ما في «نشيد الأنشاد» أن الطبيعة كلها تتحول إلى جهاز شعوري. الحمامة ليست طائرًا. إنها البراءة. والغزال ليس حيوانًا. إنه الرشاقة والحرية. والتفاح ليس ثمرة. إنه الظل الذي يحتمي به القلب. واللبنان ليس جبلًا. إنه السمو. والأرز ليس شجرًا. إنه الثبات. ولهذا فإن الطبيعة لا تُزيِّن النص. بل تفكر نيابة عن الشخصيات. ومن زاوية المدرسة الإنجليزية، فإن أعظم معادل موضوعي في «نشيد الأنشاد» ليس الحديقة، ولا الكرمة، ولا الليل، ولا الريح. إنه رحلة البحث نفسها. فالنص كله يقوم على حركة واحدة: رغبة... انتظار... خروج... بحث... سؤال... ألم... لقاء... ثم خوف من الفراق. هذه الحركة ليست حبكة شعرية. إنها المعادل الموضوعي للوجود الإنساني كله. فالإنسان، منذ ولادته، يعيش باحثًا عن شيء يشعر أنه ينقصه. يسميه مرة حبًا. ومرة حقيقة. ومرة خلاصًا. ومرة الله. لكن الحركة واحدة. ولهذا لا تصبح رحلة الحبيبة قصة امرأة. بل قصة الإنسان. وهنا تتجلى عبقرية النص. فهو لا يقول إن الإنسان ناقص. بل يجعلنا نراه يخرج ليلًا يبحث. ولا يقول إن الحب مؤلم. بل يجعل الحراس يجرحونه. ولا يقول إن اللقاء خلاص. بل يجعل الحديقة تزهر. ولا يقول إن الفراق موت. بل يجعل الليل يطول. وهكذا تتحول الفلسفة إلى مشهد. وتتحول الفكرة إلى صورة. وتتحول العاطفة إلى عالم كامل من الأشياء. ومن ثم يمكن القول إن "نشيد الأنشاد" يحقق، وفق القاعدة الرابعة للمدرسة الإنجليزية، أحد أنقى نماذج الارتباط الموضوعي في الأدب الإنساني؛ إذ لا يُحمِّل الشخصيات عبء تفسير مشاعرها، ولا يجعلها تُغرق النص في الاعترافات الوجدانية، وإنما يبني شبكةً محكمة من الحدائق، والكروم، والرياح، والليل، والمدينة، والحراس، والظباء، والحمام، والأرز، واللبنان، حتى تصبح هذه العناصر، في مجموعها، المعادل الموضوعي الأكبر للعشق. غير أن العشق في «نشيد الأنشاد» لا يعود، في ضوء هذه القراءة، علاقةً بين رجل وامرأة فحسب، بل يغدو الاسم الشعري لأعمق مأساة وجودية عرفها الإنسان؛ مأساة الكائن الذي خرج إلى العالم وهو يشعر أن جزءًا منه يقيم دائمًا في مكان آخر، وأن حياته كلها ليست إلا رحلة طويلة للعثور على ذلك الجزء الغائب. ومن هنا لم تعد الحديقة حديقة، ولا الكرمة كرمة، ولا الليل ليلًا، بل أصبحت لغةً كونية تتحدث بها الروح حين تعجز اللغة المباشرة عن التعبير، وتصبح الأشياء نفسها هي الممثل الحقيقي على خشبة المسرح، بينما يكتفي الإنسان بأن يتبعها، عاشقًا، وباحثًا، ومندهشًا، حتى يسدل النص ستاره الأخير دون أن تنتهي الرحلة.
توفيق الحكيم .. حين اكتشف المسرح الكامن في أقدم قصيدة حب: إذا كانت هذه القراءة قد انتهت إلى أن «نشيد الأنشاد» يمتلك، في جوهره، بنية الدراما الشعرية التي بشرت بها المدرسة الإنجليزية الحديثة، فإن الإنصاف النقدي يقتضي أن نتوقف أمام صاحب الرؤية التي جعلت هذا الاكتشاف ممكنًا؛ لأن النص الذي بين أيدينا ليس مجرد نقلٍ أدبي لنشيدٍ توراتي، وإنما هو إعادة خلقٍ فني أنجزها عقلٌ مسرحي من طرازٍ نادر، هو عقل الأديب المصري الكبير توفيق الحكيم. لقد كان من الممكن أن يقرأ الحكيم «نشيد الأنشاد» بوصفه نصًا دينيًا، أو وثيقةً تاريخية، أو قصيدةً غنائية خالدة، لكنه امتلك من الحدس الدرامي ما جعله يرى، خلف الكلمات، خشبةً لم يكن يراها غيره، ويسمع، خلف الإنشاد، أصواتًا تتبادل الفعل والصراع، ويكتشف، خلف الحب، دراما الإنسان الأولى في بحثه الأزلي عن الاكتمال. وهنا تتجلى عبقرية الحكيم؛ فهو لم يكن يضيف المسرح إلى النص، بل كان يحرر المسرح المختبئ داخله. إن الفارق بين الكاتب العادي والمبدع الكبير، ليس أن الأول يبتكر نصوصًا والثاني يكتبها بصورة أجمل، وإنما أن المبدع يرى في النصوص ما لا يراه الآخرون. وهذه القدرة الاستثنائية هي التي ميزت مشروع توفيق الحكيم كله؛ فقد كان ينظر إلى الأدب بعين الفيلسوف، وإلى الفلسفة بعين المسرحي، وإلى المسرح بعين الشاعر. ولذلك لم يكن يعالج الأفكار بوصفها قضايا ذهنية، وإنما بوصفها كائنات حية تمشي وتتكلم وتصطدم وتتألم أمامنا. ولعل هذا هو السر الذي جعل مشروعه المسرحي يحتفظ بفرادته في الثقافة العربية؛ إذ لم يكن يبحث عن الحدث في ظاهره، بل عن الفكرة وهي تتحول إلى قدرٍ إنساني. ولهذا وجد في «نشيد الأنشاد» مادةً تتجاوز حدود الغناء والعشق، لتصبح رحلةً درامية في أعماق النفس البشرية، حيث يتحول الحب إلى سؤالٍ وجودي، ويصبح اللقاء رمزًا للاكتمال، ويغدو الفراق الوجه الآخر لمعرفة الإنسان بنفسه. ومن خلال القواعد الأربع التي اعتمدتها المدرسة الإنجليزية في نقد الدراما الشعرية، بدا واضحًا أن رؤية الحكيم لم تكن رؤية شاعرٍ مفتون بجمال اللغة، وإنما رؤية مسرحي يعرف أن الشعر لا يكتمل إلا حين يصبح فعلًا. لقد جعل الصورة تتحرك، لا تتجمل. وجعل الإيقاع يحمل التوتر النفسي، لا الموسيقى وحدها. وجعل الأشياء تتكلم بدلًا من الشخصيات. وجعل العاطفة تنمو في ضمير القارئ، بدلًا من أن تُلقى عليه في صورة اعترافات مباشرة. وهذا كله يؤكد أن توفيق الحكيم لم يكن يقرأ «نشيد الأنشاد» بعين المترجم أو الشارح، وإنما بعين الفنان الذي يعيد اكتشاف النصوص الكبرى في ضوء رؤيته الخاصة. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذا العمل لا تكمن في أنه قدَّم للقارئ العربي واحدًا من أقدم النصوص الإنسانية، وإنما في أنه قدَّمه بلغة فنية أعادت إليه حياته الدرامية. لقد أثبت الحكيم أن النصوص الخالدة لا تشيخ، وإنما تنتظر من يمتلك الشجاعة والخيال ليوقظ ما نام فيها من طاقات. وهنا تتجلى عظمة الفنان الحقيقي؛ فهو لا يفرض نفسه على النص، ولا يذوب فيه، بل يقيم معه حوارًا خلاقًا، يظل فيه النص محتفظًا بأصالته، بينما يولد منه عمل جديد يحمل بصمة صاحبه دون أن يفقد جذوره. ولذلك فإن هذه الدراسة لا تنتهي بالحكم على «نشيد الأنشاد» وحده، بل تنتهي أيضًا بالإقرار بأن توفيق الحكيم قدَّم نموذجًا فريدًا للمثقف العربي الذي استطاع أن يقيم جسرًا حيًا بين التراث الإنساني والفكر المسرحي الحديث. لقد سبق، بحدسه الإبداعي، كثيرًا من القراءات النقدية اللاحقة، وكأنه كان يدرك أن النصوص العظيمة لا تُحفظ بالتقديس، وإنما تُبعث من جديد كلما امتلك فنانٌ كبير الشجاعة لأن يقرأها بعين مختلفة. ولعل هذا هو سر خلود توفيق الحكيم نفسه؛ إذ لم يكن يكتب للمسرح وحده، بل كان يكتب للإنسان. ولم يكن يبحث عن الإجابة، بل عن السؤال الذي يبقى حيًا بعد أن ينتهي العرض. ولهذا سيظل اسمه حاضرًا في تاريخ الأدب العربي، لا لأنه رائد من رواد المسرح العربي فحسب، بل لأنه أحد أولئك القلائل الذين أدركوا أن المسرح ليس بناءً من حجر، وإنما طريقةٌ في رؤية الوجود، وأن الشعر، حين يبلغ ذروة صدقه، لا يعود قصيدة تُتلى، بل يصبح حياةً تُعاش، ومسرحيةً تؤدى في أعماق الروح قبل أن تؤدى فوق الخشبة.
محيي الدين إبراهيم القاهرة في 23 مايو 2026
#محيي_الدين_ابراهيم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مسرح الأقاليم (وجهات نظر عالمية ) - المقال الثالث
-
مسرح الأقاليم - (وجهات نظر عالمية ) - المقال الثاني:
-
مسرح الأقاليم ( وجهات نظر عالمية ) - المقال الأول
-
نوبار باشا بين ذاكرة رجل الدولة وضمير المؤرخ:
-
المسرح الوصفي: قراءة نقدية في محاولة لتأسيس شكل مسرحي جديد م
...
-
كيف يمكن للأزواج النجاة من الخيانة العاطفية؟
-
المسرح البصري .. حين تكتب الصورة نصها الخاص
-
مستقبل التفكير الإنساني ما بعد الذكاء الاصطناعي
-
المسرح الرقمي - المقال الحادي عشر
-
المسرح الرقمي - المقال الثالث عشر
-
هل ماتت الرومانسية في زماننا المعاصر؟
-
فن البورلسك المسرحي
-
المسرح الرقمي المقال الثامن
-
المسرح الرقمي المقال العاشر
-
المسرح الرقمي المقال التاسع
-
المسرح الرقمي - المقال السابع
-
المسرح الرقمي - المقال السادس
-
المسرح الرقمي - المقال الخامس
-
المسرح الرقمي - المقال الرابع
-
المسرح الرقمي - المقال الثالث
المزيد.....
-
رئيس اللجنة الأمريكية للفنون الجميلة: إنجازات الراقصين الأمر
...
-
رومانسي- كوميدي.. إطلاق الإعلان الترويجي لفيلم -أحبك من زمان
...
-
-باك رومز-.. من أسطورة رقمية إلى ظاهرة سينمائية
-
من الحرب إلى الأرشيف الحي.. -احكيلي يا جنوب- يوثق ذاكرة لبنا
...
-
مصر: استقالة وزيرة الثقافة بعد حكم نهائي ضدها في قضية الملكي
...
-
حكم قضائي بإدانتها.. وزيرة الثقافة المصرية تتقدم باستقالتها
...
-
يورونيوز تطلق بثا باللغة الكازاخية من أستانا
-
لافروف متندّرا: إستوديو زيلينسكي الكوميدي لن يقبل توظيف روته
...
-
جدل في الهند عقب سحب فيلم -ساتلج- من منصات البث الرقمي
-
زاخاروفا تفند بالأرقام ادعاءات كتابة نصف رواية -الحرب والسلا
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|