أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محيي الدين ابراهيم - أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياسة المعاصرة ( الجزء الثاني )















المزيد.....

أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياسة المعاصرة ( الجزء الثاني )


محيي الدين ابراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 22:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


( الفصل الثاني ) .. الشيوعية بعد الانزواء.. كيف تحيا فينا؟
قد تُهدم الأسوار، وتُسقط التماثيل، وتُبدّل الأعلام، وتُغلق مقار الأحزاب، لكن الأفكار لا تموت بالسرعة نفسها التي تموت بها الأنظمة. فالفكرة، حين تمضي عقودًا وهي تعيد تشكيل الدولة والعقل والسلوك والضمير الجمعي، لا تختفي بمجرد أن يسقط النظام الذي حملها؛ إنها تبحث عن شكل آخر للحياة.
وهكذا تبدو الشيوعية، بعد انزوائها عن المسرح السياسي في أواخر القرن العشرين، أقل شبهًا بنظام سقط، وأكثر شبهًا بطيف بقي في المكان. لم تعد بالضرورة أيديولوجيا معلنة، لكنها تركت وراءها مؤسسات، ونخبًا، وطرائق في التفكير، وعلاقات مع السلطة، وذاكرة سياسية لا يمكن محوها بقرار.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل انتهت الشيوعية؟ وإنما: ماذا بقي منها فينا بعد أن انتهت بوصفها نظامًا؟
فالإرث لا يعيش دائمًا في الشعارات التي نرددها، وإنما قد يعيش في الأشياء التي لم نعد نراها؛ في المؤسسة التي تبدلت واجهتها وبقيت آليتها، وفي النخبة التي غيرت خطابها ولم تغير موقعها، وفي المواطن الذي خرج من دولة الحزب الواحد لكنه ظل يحمل في داخله الخوف من السياسة، والشك في المعارضة، وانتظار الدولة كي تفكر نيابة عنه.

المؤسسات .. البنية التحتية للشبح:
حين سقطت الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية، أُعلن موت الأيديولوجيا، لكن الهياكل لم تسقط معها بالسرعة ذاتها. الشرطة، والقضاء، والإعلام الرسمي، والنقابات، والبيروقراطيات، والنخب الإدارية، وجدت طريقها إلى النظام الجديد، أحيانًا بإعادة تشكيل حقيقية، وأحيانًا بمجرد تغيير في الواجهة.
وهنا تظهر واحدة من مفارقات الانتقال السياسي: يمكن أن تتغير الدولة دون أن تتغير الطريقة التي تعمل بها الدولة.
فالديمقراطيات الجديدة التي قامت فوق أنقاض الأنظمة الشيوعية لم تبدأ دائمًا من أرض خالية؛ لقد ورثت مؤسسات صيغت داخل عقل مركزي شديد الارتباط بالسلطة. ولذلك بقيت بعض الممارسات البيروقراطية، وبعض طرائق إدارة المؤسسات، وبعض العلاقات القديمة بين الدولة والمجتمع، حاضرة داخل البنية الجديدة.
حتى نظم الرفاه التي نشأت في ظل الاقتصاد الشيوعي لم تختفِ تمامًا مع انهياره، بل استمرت في بعض الحالات، وأعيد توظيفها ضمن أدوات الدولة الجديدة. وهكذا نشأت مؤسسات تحمل في ظاهرها لغة الديمقراطية، بينما تحتفظ في أعماقها ببعض طقوس البيروقراطية القديمة.
إن سقوط البناء لا يعني بالضرورة سقوط هندسته؛ فقد تبقى الأساسات تحت الأرض، حتى بعد أن يتغير شكل المبنى.

التحالفات .. من الحزب إلى الشبكة:
ولم يكن سقوط الشيوعية مجرد انهيار لنظام سياسي، بل كان أيضًا لحظة لإعادة توزيع النفوذ. فالنخب التي صنعتها المرحلة السابقة لم تختفِ فجأة، بل استطاعت في حالات عديدة أن تعيد تموضعها داخل النظام الجديد.
لقد تغير اسم الحزب، وتغيرت الشعارات، وتغيرت لغة الخطاب، لكن الشبكات التي صنعتها عقود السلطة لم تكن قابلة للمحو بقرار سياسي. المسؤول الإداري أصبح رجل أعمال، والبيروقراطي أصبح جزءًا من النخبة الجديدة، وبعض رجال الأمن والنخب الاقتصادية أعادوا إنتاج نفوذهم داخل اقتصاد ما بعد الخصخصة.
وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات الانتقال قسوة: قد يسقط الحزب، بينما تبقى الشبكة التي بناها الحزب.
لقد انتقل بعض النفوذ من المجال الأيديولوجي إلى المجال الاقتصادي، ومن مؤسسات الدولة إلى شبكات المصالح، ومن السلطة المعلنة إلى السلطة غير المرئية. وهكذا لم تغادر النخبة القديمة مواقع التأثير تمامًا؛ وإنما تعلمت كيف ترتدي ثوب العصر الجديد.
لم تختفِ المفاتيح، بل تغيرت الأيدي التي تمسك بها.

المعارف والذهنيات.. حين تصبح السياسة مصدرًا للخوف:
لكن الإرث الأعمق ربما لا يوجد في المؤسسات ولا في النخب، وإنما في الإنسان نفسه.
فالعقود الطويلة من الحكم الشيوعي لم تصنع نظامًا سياسيًا فقط؛ صنعت أيضًا ثقافة سياسية. ثقافة تعلم فيها الإنسان أن الدولة تعرف مصلحته أكثر منه، وأن السياسة مجال خطر، وأن المعارضة قد تكون ثمنًا باهظًا، وأن الصمت أحيانًا أكثر أمانًا من الكلام.
ولهذا يمكن أن يسقط النظام، بينما يظل الخوف الذي زرعه قائمًا في الوعي.
وتشير الدراسات التي يتناولها هذا الفصل إلى أن بعض المجتمعات التي عاشت تحت الأنظمة الشيوعية ظلت، بعد التحول، أقل ثقة بالمؤسسات الديمقراطية، وأقل انخراطًا في الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني. كما ظل بعض أبناء الأجيال التي نشأت في ظل تلك الأنظمة أكثر تحفظًا تجاه المخاطرة والاختلاف السياسي العلني.
وكأن الخروج من الشيوعية لم يكن لحظة عبور واحدة، بل مسافة طويلة بين نظام سقط ووعي لم يسقط معه.
فليس أصعب على الإنسان أن يغادر السجن، وإنما أن يكتشف أن بعض جدرانه انتقلت إلى داخله.

الشيوعية كبنية رمزية:
ثم هناك مستوى آخر أكثر التباسًا: الشيوعية بوصفها رمزًا.
ففي المجتمعات ما بعد الشيوعية لم تختفِ الشيوعية من الذاكرة، بل تغيرت وظيفتها. أحيانًا تُستعاد باعتبارها شبحًا مخيفًا يُستدعى لتحذير المجتمع من الماضي، كما في بعض الخطابات السياسية في بولندا أو المجر. وأحيانًا تستعاد بوصفها زمنًا مفقودًا يحن إليه بعض الناس، كما في روسيا وبيلاروسيا، حيث يمكن أن تتحول الذاكرة إلى حنين إلى النظام والانضباط والاستقرار.
وهكذا تصبح الشيوعية قوة رمزية مزدوجة: قد يستخدمها الحاضر لتخويف الناس من الماضي، وقد يستخدمها المهمشون لاستعادة حلم فقدوه في حاضر مضطرب.
وفي الحالتين لا تعود الشيوعية نظامًا سياسيًا بالمعنى المباشر؛ إنها تصبح حكاية. والحكايات، بخلاف الأنظمة، تستطيع أن تعيش طويلًا بعد موت أصحابها.
قد تُستعاد بوصفها تحذيرًا، أو حنينًا، أو وهمًا، أو وعدًا بعالم أكثر عدلًا. وفي كل مرة تستعيد فيها حضورها، فإنها لا تعود كما كانت؛ بل تعود وفق حاجة الحاضر إليها.

النظام الذي لم يسقط بالكامل:
ربما تكون الشيوعية قد سقطت بوصفها نظامًا، لكنها لم تسقط بالضرورة بوصفها أثرًا.
لقد بقي شيء منها في الذاكرة، وشيء في المؤسسات، وشيء في شبكات النفوذ، وشيء آخر ــ وربما أخطر ــ في طريقة نظر الإنسان إلى الدولة والسلطة والاختلاف.
وهذا لا يعني أن العودة إلى الشيوعية حتمية، ولا أن الحاضر مجرد نسخة مخفية من الماضي؛ وإنما يعني أن الانتقال السياسي لا يصبح قطيعة حقيقية لمجرد أن النظام القديم غادر السلطة. فالقطيعة تبدأ حين نكتشف ما الذي تركه فينا، وكيف أصبح جزءًا من عاداتنا السياسية دون أن نشعر.
إن النظام قد يسقط في الساحة، لكن بعض أفكاره قد تبقى في الرأس؛ وقد تتغير القوانين، بينما تستمر العادات؛ وقد تتبدل السلطة، بينما يبقى الخوف.
ولهذا فإن أخطر ما يفعله الإرث ليس أن يعيد الماضي كما كان، وإنما أن يجعلنا نعيد إنتاج بعضه ونحن نظن أننا صنعنا حاضرًا جديدًا.
فالأطياف لا تحتاج إلى أجساد كي تعيش؛ يكفي أن تجد ذاكرة تؤويها، ومؤسسة تحميها، وعادة تكررها، أو خوفًا يبرر بقاءها.
وربما كانت الحرية الحقيقية لا تبدأ حين نسقط النظام القديم، بل حين نمتلك الشجاعة لأن نسأل أنفسنا: كم من ذلك النظام ما زال يسكننا، ونحن لا نعرف؟



#محيي_الدين_ابراهيم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الأيديولوجيا إلى الإرث: أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياس ...
- تحت المظلة لنجيب محفوظ .. حين يتحول الإنسان من فاعل إلى متفر ...
- حين يخشى العقل الحياة
- قراءة في مسرحية نشيد الأنشاد لتوفيق الحكيم في ضوء المدرسة ال ...
- مسرح الأقاليم (وجهات نظر عالمية ) - المقال الثالث
- مسرح الأقاليم - (وجهات نظر عالمية ) - المقال الثاني:
- مسرح الأقاليم ( وجهات نظر عالمية ) - المقال الأول
- نوبار باشا بين ذاكرة رجل الدولة وضمير المؤرخ:
- المسرح الوصفي: قراءة نقدية في محاولة لتأسيس شكل مسرحي جديد م ...
- كيف يمكن للأزواج النجاة من الخيانة العاطفية؟
- المسرح البصري .. حين تكتب الصورة نصها الخاص
- مستقبل التفكير الإنساني ما بعد الذكاء الاصطناعي
- المسرح الرقمي - المقال الحادي عشر
- المسرح الرقمي - المقال الثالث عشر
- هل ماتت الرومانسية في زماننا المعاصر؟
- فن البورلسك المسرحي
- المسرح الرقمي المقال الثامن
- المسرح الرقمي المقال العاشر
- المسرح الرقمي المقال التاسع
- المسرح الرقمي - المقال السابع


المزيد.....




- النائب عماد الغنيمي: كلمة الرئيس السيسي تاريخية.. ورسائلها ت ...
- النائب مختار همام: طلب الرئيس السيسي تفويضًا برلمانيًا لدعم ...
- النائب عبدالرحمن بشاري: تأكيد الرئيس السيسي حسم ولايته حتى 2 ...
- برلمانية الجبهة الوطنية بالنواب: رسائل الرئيس السيسي حاسمة.. ...
- «المصريين الأحرار»: خطاب الأكاديمية العسكرية امتداد تاريخي ل ...
- وزيرة التنمية المحلية والبيئة تبحث مع وزير الإدارة الإقليمية ...
- احتجاجات في فرنسا ضد غلاء المعيشة والضغوط الاجتماعية
- فرنسا: مظاهرات حاشدة تعد بفترة حافلة بالتوترات والتجاذبات ال ...
- آلاف التونسيين يحتجون بشوارع العاصمة ضد سياسات قيس سعيد
- فاسيلييف: أنا جاسوس سابق في الكي جي بي.. هكذا يستهدف الروس ب ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محيي الدين ابراهيم - أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياسة المعاصرة ( الجزء الثاني )