محيي الدين ابراهيم
الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 18:47
المحور:
الادب والفن
لم يدخل توفيق الحكيم المسرح العربي باعتباره كاتبًا يريد أن يضيف نصوصًا جديدة إلى مكتبة الأدب، وإنما دخل إليه وفي ذهنه سؤال أكثر عمقًا: هل يستطيع المسرح العربي أن يصبح أدبًا وفنًا في آن واحد، دون أن يفقد أحدهما الآخر؟ كان السؤال، في جوهره، سؤالًا عن هوية المسرح نفسه؛ عن علاقته باللغة، وبالتراث، وبالجمهور، وبالخشبة، بل عن المسافة الفاصلة بين ما يُقرأ وما يُرى.
ومن هنا يمكن فهم المشروع الحكيمي بوصفه واحدة من أكثر التجارب التأسيسية تعقيدًا في تاريخ الدراما العربية الحديثة. فمنذ ثلاثينيات القرن العشرين، بدأ الحكيم في كتابة سلسلة من المسرحيات الطويلة التي استمد موضوعاتها من الأساطير اليونانية، والقرآن الكريم، والتاريخ الشرقي، لا باعتبار هذه المصادر مجرد خزائن للحكايات، وإنما باعتبارها مرايا بعيدة يستطيع من خلالها أن يرى الإنسان العربي الحديث وأسئلته القديمة والمتجددة.
كانت الغاية أيضًا أن يؤسس للمسرح موقعًا داخل مفهوم «الأدب» نفسه؛ إذ كان المسرح العربي آنذاك مطالبًا بأن يثبت شرعيته أمام المؤسسة النقدية والثقافية في مصر وخارجها. وكان الحكيم يدرك أن المسرح لكي يحظى بهذا الاعتراف يحتاج إلى نص يمتلك استقلاله الأدبي، لا إلى مجرد مادة معدة للعرض.
ولعل «أهل الكهف» كانت اللحظة الأكثر دلالة على هذا المشروع. استند الحكيم إلى قصة أصحاب الكهف كما وردت في التراث الديني، ولا سيما في سورة الكهف، حيث يستيقظ أصحاب الكهف بعد سبات طويل ليجدوا أنفسهم في عالم تغيّر بصورة كاملة. لكن الحكيم لم يتعامل مع الزمن بوصفه خلفية للحكاية، بل جعله قوة درامية وفلسفية تقلب معنى الوجود نفسه.
فالإنسان الذي يستيقظ بعد قرون لا يكتشف فقط أن العالم قد تغير؛ إنه يكتشف أن العالم الذي كان يعرفه لم يعد قادرًا على الاعتراف به. وهنا يتحول الزمن من إطار للأحداث إلى خصم للإنسان. يصبح السؤال: ماذا يبقى من الإنسان إذا انقطعت صلته بالزمن الذي كان يمنحه معنى؟
وهذه الفكرة ستظل واحدة من أكثر البذور الفلسفية خصوبة في مسرح الحكيم: الإنسان بوصفه كائنًا محاصرًا بين زمن داخلي يخصه، وزمن خارجي لا يتوقف من أجله.
لكن أهل الكهف كشفت في الوقت نفسه عن مشكلة أخرى سترافق المسرح العربي طويلًا: أي لغة ينبغي أن يتكلم بها المسرح؟
كان المشروع الراغب في بناء دراما عربية ذات قيمة أدبية يميل إلى اللغة العربية المعيارية، بينما كانت الخشبة الاجتماعية والسياسية تحتاج إلى اللغة اليومية واللهجات المحلية لكي تستعيد نبض الناس ومشكلاتهم. ومنذ ذلك الحين نشأ التوتر الذي لم يحسم تمامًا حتى اليوم بين الفصحى والعامية، بين اللغة التي تمنح النص أدبيته واللغة التي تمنحه قابلية الحياة فوق الخشبة.
غير أن الحكيم لم يكن مجرد مدافع عن الفصحى في مواجهة العامية؛ لقد كان، في العمق، يبحث عن لغة تستطيع أن تحمل الفكر دون أن تقتل الحركة، وأن تحمل الحياة اليومية دون أن تفقد جمالها الأدبي.
في أعمال مثل شهرزاد (1934) والملك أوديب (1939) وبجماليون (1942)، نواجه عالمًا مسرحيًا يقترب فيه الحوار من الفلسفة، وتصبح الشخصيات أشبه بكائنات فكرية تتصارع بالأفكار بقدر ما تتصارع بالفعل. الحركة على الخشبة محدودة، بينما يتسع المجال للأسئلة: السلطة، الحب، المعرفة، المصير، الرغبة، الحقيقة، وحدود الإنسان أمام قدره.
ومن هنا جاءت التسمية التي ارتبطت بتجربة الحكيم: مسرح الأفكار أو المسرح الذهني.
لقد واجه الحكيم مبكرًا الاعتراض القائل إن بعض نصوصه يصعب تمثيلها فوق الخشبة، فدافع عنها باعتبارها مسرحًا يمكن أن يُقرأ، أي باعتبار أن القيمة الدرامية ليست محصورة في الحركة المسرحية. وهنا تظهر المفارقة التي ستظل ملازمة لتجربته: لقد كان الحكيم يريد للمسرح أن يكون أدبًا، لكنه اكتشف تدريجيًا أن المسرح الذي يعيش على الورق وحده يظل ناقص الوجود.
فالدراما ليست فكرة فحسب؛ إنها الفكرة حين تتجسد في جسد، وصوت، وحركة، وصمت، وضوء، ومسافة بين ممثل وآخر، وبين الممثل والجمهور.
ولهذا أخذ الحكيم، مع تطور تجربته، يراجع الحدود التي وضعها بنفسه. وفي أربعينيات القرن العشرين اتجه إلى المسرحيات القصيرة، التي نُشر بعضها في الصحف، فكان الاقتصاد في البناء أكثر قدرة على خلق الحركة والتركيز الدرامي. وتبرز هنا أعمال مثل أغنية الموت (1950)، إلى جانب المسرحيات التي ستجمع لاحقًا في ترجمات وطبعات مختلفة تحت عناوين مثل «مصير الصرصور ومسرحيات أخرى».
ومع الزمن، أصبح الحكيم أكثر وعيًا بأن الفكرة لا تستطيع أن تستغني عن الحدث. ولذلك تكشف مسرحياته الطويلة اللاحقة، ومن بينها السلطان الحائر (1960)، عن اهتمام أوضح بالفعل والحركة والصراع المسرحي. ولم يعد المسرح عنده مجرد منبر تتواجه فوقه الأفكار، وإنما بدأ يقترب من تركيب أكثر توازنًا بين الفكر والحدث.
لكن اللغة ظلت مختبره الأكثر إثارة.
ففي يا طالع الشجرة (1962) يصل الحكيم إلى واحدة من أكثر مفارقاته الفنية دلالة. فاللغة الفصحى التي كان ينظر إليها البعض بوصفها عائقًا أمام المسرح تصبح هنا جزءًا من منطق العبث نفسه. إن الكلام الفصيح، حين يوضع داخل عالم درامي غير مألوف، يمكن أن يزيد الإحساس بالغرابة والانفصال عن الواقع.
وكأن الحكيم اكتشف أن اللغة لا تعكس الواقع دائمًا؛ بل تستطيع أن تصنع واقعًا آخر.
وقد كتب الحكيم أيضًا بعض المسرحيات بالعامية المصرية، لكنه خاض تجربته الأكثر أهمية حين حاول ابتكار ما سماه اللغة الثالثة؛ لغة تقع في المنطقة الوسطى بين الفصحى والعامية، تستفيد من عناصر نحوية ومعجمية مشتركة بينهما، بحيث تستطيع أن تحافظ على قدر من القيمة الأدبية عند القراءة، وفي الوقت نفسه تكون أكثر قابلية للأداء المسرحي.
وهنا يتجاوز الحكيم مشكلة اللغة إلى سؤال أعمق: هل يمكن أن تكون هناك لغة ثالثة للمسرح العربي، لا تنتمي بالكامل إلى الكتاب ولا تنفصل عن الجمهور؟
هذه المحاولة، سواء نجحت دائمًا أم لا، تكشف جوهر الحكيم التجريبي. فهو لم يكن يريد أن يرث المسرح الأوروبي أو العربي كما هو، وإنما كان يريد إعادة اختراع العلاقة بين النص والإنسان العربي.
ومن هذه الزاوية يصبح تأثيره في الدراما العربية اللاحقة أكبر من حدود مسرحياته نفسها.
بعد ثورة 1952، دخل المسرح المصري مرحلة جديدة ارتبطت بالتحولات الاجتماعية والسياسية وبنشوء مؤسسة ثقافية رسمية أكثر اهتمامًا بالفنون. وأصبح المسرح أحد المجالات التي استطاعت أن تحمل شيئًا من القلق الاجتماعي والسياسي إلى المجال العام، رغم الرقابة والقيود.
وكان توفيق الحكيم من الكتاب الذين حظوا بتقدير كبير لدى جمال عبد الناصر، وتحولت تجربته إلى جزء من الوعي الثقافي المصري الذي أعقب الثورة. وخلال العقدين التاليين بدا المسرح المصري وكأنه يعيش لحظة ذهبية: مؤسسات ثقافية، وكتاب، ومخرجون ومنتجون، ونقاد، ومؤسسات تعليمية وفنية، جميعهم يشاركون بدرجات مختلفة في بناء تقليد مسرحي حديث.
ومن رحم هذه البيئة ظهر جيل جديد لم يكن تابعًا للحكيم، لكنه كان مدينًا له بطريقة أو بأخرى.
كتب نعمان عاشور مسرحيات قاربت المجتمع المصري من زاوية طبقاته وقيمه، وكتب سعد الدين وهبة ومحمود دياب وعلي سالم نصوصًا اقتربت من العامية المصرية ومن نبض الشارع، بينما جاء يوسف إدريس في الفرافير (1964) بتجربة تمزج بين أشكال الكوميديا الشعبية وبعض التأثيرات البريختية، ومنها حضور «المؤلف» بوصفه شخصية مسرحية والاستفادة من فكرة المسرح الدائري.
أما ألفريد فرج فقد عاد إلى التاريخ والفولكلور، وخاصة عالم ألف ليلة وليلة، ليعيد تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي من خلال الحكاية التراثية، واختار لغة أكثر أدبية من لغة عدد من معاصريه، لكنها تظل قابلة للأداء، وهو ما منح أعماله قدرة على الانتشار عربيًا.
وفي الثمانينيات والتسعينيات، ورغم انحسار المناخ الذي ازدهر فيه المسرح المصري في العقود السابقة، واصل كتاب مثل محمد سلماوي ولينين الرملي تقديم تجارب أثبتت أن المسرح لا يموت بانحسار المؤسسة، لأنه في جوهره حاجة الإنسان إلى أن يرى نفسه على خشبة.
وهذه الروح امتدت إلى أنحاء العالم العربي. ففي سوريا، جاء سعد الله ونوس ليجعل علاقة المسرح بالجمهور قضية مركزية في مشروعه، وليطوّر مفهوم مسرح التسييس. وبعد هزيمة يونيو 1967 كتب حفلة سمر من أجل 5 حزيران (1968)، وهي مواجهة قاسية مع الهزيمة ومع الخطاب الإعلامي الرسمي الذي ظل يبشر بالنصر بينما كان الواقع يقول شيئًا آخر، فكان حظر المسرحية نتيجة متوقعة.
ثم جاءت مغامرة رأس المملوك جابر (1971) والملك هو الملك (1977)، لتؤكد أن المسرح يستطيع أن يستدعي التاريخ لا للهروب من الحاضر، وإنما لكشف الحاضر حين يصبح التاريخ قناعًا له.
وفي فلسطين، حيث جعلت الظروف السياسية والاجتماعية بناء مؤسسة مسرحية مستقرة أمرًا شديد الصعوبة، ظهر المسرح بوصفه فعل مقاومة للغياب نفسه، في أعمال مثل ثورة الزنج لمعين بسيسو وقرقوش لسميح القاسم، كما برزت فرقة حكواتي، التي انبثقت من فرقة البالالين، وجابت القرى والأماكن العامة منذ تأسيسها عام 1977، مؤكدة أن المسرح يمكن أن يولد حتى حين لا يمتلك مسرحًا.
وفي تونس برز عز الدين المدني بتجاربه التي جمعت بين الشعبية والتجريب، ومنها ثورة صاحب الحمار (1971) وديوان الزنج (1973)، وفي المغرب لمع الطيب الصديقي من خلال استعادة التراث، ومنها ديوان سيدي عبد الرحمن المجذوب (1966)، بينما واصل المسرح العراقي وجوده رغم الاضطرابات السياسية، وكان يوسف العاني من أبرز أسمائه، ومن أعماله أنا أمك يا شاكر (1955)، التي عبرت عن معاناة العراقيين قبيل سقوط النظام الملكي عام 1958.
لكن كل هذه المسارات المختلفة تعود، في نهاية المطاف، إلى السؤال الذي وضعه الحكيم أمام المسرح العربي مبكرًا: كيف يصبح المسرح فنًا عربيًا حديثًا دون أن يقطع جذوره، وكيف يستفيد من التراث دون أن يتحول التراث إلى قيد؟
لقد كان توفيق الحكيم يقف عند العتبة التي تفصل الماضي عن المستقبل. أخذ من الأسطورة مادتها، ومن القرآن طاقتها الرمزية، ومن التاريخ أسئلته، ومن الفلسفة قلقها، ومن المسرح الأوروبي أدواته، ثم أعاد تركيبها داخل الوعي العربي.
ولهذا فإن قيمة الحكيم لا تكمن فقط في أنه كتب «أهل الكهف» أو «شهرزاد» أو «الملك أوديب» أو «بجماليون» أو «السلطان الحائر» أو «يا طالع الشجرة». قيمته الأعمق أنه حوّل المسرح العربي من سؤال التقليد إلى سؤال الهوية.
لقد علّم الدراما العربية أن المسرح ليس مجرد حكاية تتحرك أمام الجمهور، ولا مجرد أدب يُقرأ في العزلة؛ إنه منطقة التوتر بين الاثنين، حيث تتحول الفكرة إلى جسد، واللغة إلى فعل، والتراث إلى سؤال، والإنسان إلى مرآة يرى فيها زمنه.
ومن هنا يمكن النظر إلى توفيق الحكيم لا باعتباره «أبًا للمسرح العربي» فحسب، وهي عبارة صحيحة لكنها لا تكفي، وإنما باعتباره أحد الذين نقلوا المسرح العربي من مرحلة البحث عن وجوده إلى مرحلة البحث عن جوهره.
ولعل أعظم ما بقي من مشروعه أن السؤال لم يمت بانتهاء الحكيم. فما زال المسرحي العربي يقف أمام المعضلة نفسها: أي لغة يتكلم؟ ولمن يكتب؟ هل يخاطب القارئ أم المتفرج؟ هل ينحاز إلى التراث أم إلى الحداثة؟ هل يجعل المسرح فضاءً للفكر أم للفعل؟ وهل يستطيع أن يكون الاثنين معًا؟
ربما هنا تحديدًا تكمن عظمة الحكيم: أنه لم يمنحنا إجابات نهائية، وإنما ترك لنا أسئلة قادرة على البقاء.
والفن العظيم ليس هو الذي يغلق الأسئلة، بل الذي يجعلها أكثر اتساعًا من الزمن الذي وُلدت فيه.
لهذا ظل توفيق الحكيم حاضرًا؛ لأن المسرح الذي أسسه لم يكن مسرحًا عن زمنه وحده، بل عن الإنسان وهو يصطدم بالزمن، وعن اللغة وهي تبحث عن جسد، وعن الفكرة وهي تحاول أن تمشي، وعن التراث حين يفتح عينيه فجأة ليكتشف أن العالم قد تغير.
وهنا، ربما، يصبح أهل الكهف أكثر من مسرحية؛ يصبح صورة رمزية لمشروع الحكيم كله: إنسان يستيقظ داخل تاريخ جديد، ثم يسأل السؤال الأصعب: كيف أظل أنا، والعالم لم يعد هو العالم الذي عرفته؟
محيي الدين إبراهيم
القاهرة في ٢٤ أكتوبر ٢٠١٩م
#محيي_الدين_ابراهيم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟