أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين سليم - قرأت كتابًا: رحلة العمر














المزيد.....

قرأت كتابًا: رحلة العمر


حسين سليم
(Hussain Saleem)


الحوار المتمدن-العدد: 8844 - 2026 / 9 / 30 - 18:13
المحور: الادب والفن
    


ليست المذكراتُ السردية مجردَ تدوينٍ جافٍّ للوقائع، بل هي استعادةٌ للزمن المقتطع من عمر الإنسان وإحياءٌ له. وفي كتابه "رحلة العمر"الصادر عن دار المدى حديثًا، لا يقدّم السياسي والمترجم العراقي الراحل عادل حبّة (1938-2022) وثيقةً سياسيةً فحسب، بل ينسج عملًا متفردًا يقف على التخوم الفاصلة بين السيرة الذاتية والرواية، مشحونًا بروح أدب السجون، ليؤرّخ لمرحلة مفصلية ودامية من تاريخ المنطقة بين بغداد وطهران.
أولًا: الجذور - صبابيغ الآل
لا يُفهم مسار عادل حبّة بمعزل عن مولده في محلة صبابيغ الآل، في قلب الرصافة ببغداد. فالمحلة ليست مجرد أزقة، بل مختبرٌ مصغرٌ لتاريخ بغداد الحديث؛ من حواضر العباسيين ومجالسهم إلى معقل الوطنية ضد الاحتلال، ثم حاضنة للشيوعية والديمقراطية في الخمسينيات. قامت على تساكن فريد بين الشيعة والسنة والمسيحيين واليهود والصابئة، فحوّلت مقاهيها ومجالسها السياسة إلى ثقافة يومية متسامحة، وفيها تفتّح وعيه على التعايش والنضال.

ثانيًا: البناء الفني وتداخل الأجناس الأدبية
يمتاز الكتاب بمرونة سردية لافتة، تتنقل بانسيابية محسوبة بين أكثر من جنس أدبي:
1. السيرة بوصفها تأويلًا: يتجاوز حبّة رصد التواريخ كوقائع مجردة، ليصوغ تجربته بعين ناقدة تعيد قراءة الحدث في أبعاده الإنسانية والسياسية، فلا يعود التاريخ رقمًا، بل مصيرًا.
2. البناء الروائي وأدب السجون: يستثمر الكاتب تقنيات السرد الروائي ببراعة؛ رسم دقيق للشخصيات، وبناء محكم للمشاهد، ووصف حسي يكاد يُلمس للمكان، لا سيما الزنازين والمعتقلات. وهذا ما يضفي على سجنه بعدًا جماليًا يحوّل القسوة المادية إلى نص أدبي موجع ومؤثر في آن واحد، دون الوقوع في فخ الشكوى المباشرة.

ثالثًا: الإنسان في قلب المحنة
يشكّل المحور الإنساني جوهر الكتاب ومرتكزه الأخلاقي:
1. صمود الروح: يوثّق حبّة تفاصيل التعذيب الجسدي والتضييق النفسي والعزلة القاتلة داخل المعتقلات، لكنه في ذروة التوثيق لا يفقد قدرته على المقاومة، وكانت أدواته الوحيدة: الأمل والكلمة والذاكرة.
2. التضامن في العتمة: يتحول السجن في سرده من مكان للقهر إلى مختبر إنساني تتولد فيه روابط عميقة بين المعتقلين على اختلاف مشاربهم الفكرية. هناك يتقاسمون رغيف الخبز الشحيح، وذكريات الحرية البعيدة، ومرارة الانتظار، فتنشأ أخوّة لا تصنعها الحرية.

رابعًا: جغرافيا القمع بين ضفتين
تكمن فرادة تجربة عادل حبّة في أنه اختبر آلة القمع في بلدين ونظامين متناقضين:
1. السجن في إيران ـ عهدان ووجه واحد للقمع: عاصر معتقلات إيران في زمنين متضادين؛ الأول في عهد الشاه عام 1963، حيث قضى سبع سنوات قاسية تحت وطأة جهاز "السافاك" سيئ الصيت، والثاني في عهد الجمهورية الإسلامية عام 1982، واستمر سنة ونصف السنة، ولم يُكتب له الخلاص إلا بوساطات سياسية عربية وازنة، يُذكر منها تدخل ياسر عرفات وحافظ الأسد.
2. الاعتقال والملاحقة في العراق: لم تكن محطة الوطن أقل قسوة. فبسبب نشاطه في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، وجد نفسه في مواجهة مستمرة مع الأجهزة الأمنية المتعاقبة، اعتقالًا وملاحقة وتضييقًا، حتى غدت حياته سلسلة متصلة من السجون والمنافي.

خامسًا: العائلة.. خط الدفاع الأخير
لم تكن الأسرة في "رحلة العمر" مجرد متفرج ينتظر خلف الأسوار، بل شكّلت الركن الأساس لصمود الكاتب:
1. خلية متابعة ونضال: عملت العائلة كفريق متكامل يلاحق أخباره بين المعتقلات المجهولة، ويتحمل مشقة الأسفار الطويلة لتأمين زيارة قصيرة، ويطرق أبواب العلاقات السياسية والدولية للضغط من أجل إطلاق سراحه.
2. الحصن النفسي: كانت الرسائل المهربة، المكتوبة بخط صغير على قصاصات ورق، هي الجدار الأخير الذي تحصّن به الكاتب كي لا ينهار نفسيًا خلف القضبان. كلمة واحدة من الخارج كانت تعادل حياة كاملة في الداخل.

سادسًا: إيران الأخرى - الحياة الثقافية في ظل القمع
رغم ثقل تجربة السجن والملاحقة، لا يقع حبّة في فخ التعميم، بل يقدم قراءة عميقة ومنصفة للمجتمع الإيراني. فهو يعبّر عن إعجاب صادق بالثراء الحضاري والفني للشعب الإيراني، وبحيوية مشهده الثقافي وعمق حركة النشر والترجمة والأدب فيه.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى التي يرصدها الكتاب بذكاء: التناقض الصارخ بين مجتمع مدني نابض بالحياة والثقافة، وأنظمة سياسية شمولية متعاقبة سعت جاهدة لتقييد هذه الحيوية ومصادرة حرية التعبير.

خاتمة
تظل "رحلة العمر" أكثر من مجرد سيرة ذاتية؛ إنها إعادة تعريف لأدب المذكرات في منطقتنا. فهي ليست استعراضًا للبطولات، ولا نواحًا على سنوات العمر الضائعة خلف القضبان، بل وثيقة إنسانية وتاريخية بامتياز، تذكّرنا بأن حرية الكلمة والفكرة في هذه المنطقة لم تكن يومًا منحة مجانية، بل كانت - ولا تزال - ثمنًا تدفعه أجيال كاملة من المناضلين والمثقفين.



#حسين_سليم (هاشتاغ)       Hussain_Saleem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حكايات شعبية من مدينة يثرب (41)
- حين أكل الحبرُ الذاكرة/ قصة قصيرة
- حكايات شعبية من مدينة يثرب (40)
- حكايات شعبية من مدينة يثرب (39)
- حكايات شعبية من مدينة يثرب (38)
- قفشات يومية (2)
- حكايات شعبية من مدينة يثرب (37)
- كتاب وقصة (3)
- قفشات يومية
- كتاب وقصة (2)
- حكايات شعبية من مدينة يثرب (36)
- شذرات (1)
- حكايات شعبية من مدينة يثرب 35
- كتاب وقصة (1)
- فزعة مؤمنين
- بغداد مدينة سرياليّة
- حكايات شعبية من مدينة يثرب 31
- حكايات شعبية من مدينة يثرب 30
- زهرة اللوتس واحدة تكفي 1
- حكايات شعبية من مدينة يثرب 29


المزيد.....




- تردد قناة بطوط كيدز الجديد 2026 على النايل سات لمتابعة أجمل ...
- الناجون بعد تشي: رحلة سينمائية استغرقت 22 عاماً لاستنطاق مصا ...
- تتصدّر رواية سيمونيان مبيعات الكتب في موسكو للأسبوع الثاني ع ...
- فيلم وثائقي يرصد تاريخ إنغوشيا وثقافتها وحياتها المعاصرة
- تغيير مسار طائرة كانت متجهة من الإمارات إلى تل أبيب.. ما الر ...
- عراك وطعن.. تضارب الروايات بشأن سبب تحويل مسار طائرة كانت مت ...
- أسبوع الموضة في موسكو يستقطب إقبالا كبيرا في أيامه الأولى
- منتدى -حوار الثقافات- يفتتح أعماله في متحف الإرميتاج بمشاركة ...
- رئيس تشريعية النواب: إرجاء الإجراءات الجنائية لإتاحة الوقت ا ...
- -مسرحية هزلية-.. كوريا الشمالية ترفض اتهامات سول بشأن انفجار ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين سليم - قرأت كتابًا: رحلة العمر