مدحت قلادة
الحوار المتمدن-العدد: 8844 - 2026 / 9 / 30 - 10:04
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في بعض اللحظات، لا تحتاج الشعوب إلى خطب طويلة كي تقول ما تريد. تكفي ثلاث كلمات، إذا خرجت من عمق المعاناة، لتختصر سنوات طويلة من الألم والأمل:
عيش… حرية… عدالة اجتماعية.
هكذا ارتفع صوت المصريين في يناير 2011.
لم تكن الكلمات الثلاث مجرد شعار في ميدان، بل كانت تعبيرًا عن إنسان يريد أن يستعيد حقه في حياة كريمة، وأن يتخلص من الفقر والقهر والفساد والمحسوبية، وأن يصبح مواطنًا في وطنه لا تابعًا لمن يحكمه.
«عيش» لم يكن يعني الخبز وحده، بل العمل والكرامة والفرصة والمستقبل.
و«حرية» لم تكن مجرد القدرة على الكلام، بل أن يستطيع الإنسان أن يفكر ويختلف وينتقد دون خوف.
أما «عدالة اجتماعية»، فكانت رفضًا لمجتمع تصبح فيه الفرص امتيازًا للنفوذ، ويصبح الفقر قدرًا، والمحسوبية طريقًا أقصر من الكفاءة.
لهذا كانت الثورة، في معناها الإنساني، أكبر من إسقاط حاكم.
كانت سؤالًا عن الدولة التي يستحقها الإنسان.
لكن الثورات تواجه دائمًا امتحانًا أصعب من إسقاط السلطة:
ماذا يحدث عندما تصل السلطة إلى أيدي من كانوا بالأمس يعارضونها؟
هنا تبدأ الفلسفة.
فالثورة قد تسقط الحاكم، لكنها لا تسقط بالضرورة الثقافة التي صنعت الاستبداد. قد تتغير الوجوه بينما يبقى الخوف، وتتبدل الشعارات بينما تبقى المحسوبية، ويتغير الحاكم بينما يظل المواطن تابعًا.
وهنا يجب التمييز بين:
إسقاط النظام، وإسقاط منطق النظام.
سقوط مبارك كان لحظة تاريخية فارقة، لكنه لم يمحُ وحده عقودًا من الممارسات السياسية والثقافة التي ترسخت في الدولة والمجتمع.
ثم دخلت مصر مرحلة انتقالية شديدة الاضطراب، وجاءت انتخابات الرئاسة عام 2012 بين محمد مرسي وأحمد شفيق. وأعلنت اللجنة العليا للانتخابات رسميًا فوز مرسي بنسبة 51.73% بالتزوير وتهديد كيان و وحدة الوطن بارهابي حماس الذين دخلوا مصر وتمكنوا من اخراج المساجين ايضا .
و شفيق ظل يؤكد أنه كان الفائز، وصرح علنًا بوجود تزوير في الانتخابات. كما أظهرت التقارير في ذلك الوقت أن حملتي المرشحين تقدمتا بادعاءات وشكاوى تتعلق بمخالفات انتخابية، وإن كانت اللجنة الانتخابية قد أعلنت النتيجة الرسمية لصالح مرسي بالتزوير .
ومن هنا يصبح السؤال أكبر من مجرد اسم الفائز:
كيف تبدأ الشرعية السياسية عندما تحيط بها الشكوك والاتهامات والضغوط؟
والأهم:
هل الوصول إلى السلطة يعني امتلاك الدولة؟
بالطبع لا.
فالدولة ليست غنيمة سياسية، والأغلبية لا تملك الوطن، والشرعية الانتخابية — حتى عندما تكون صحيحة — ليست تفويضًا مفتوحًا.
وكانت تجربة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة في الحكم اختبارًا حقيقيًا لهذا المعنى.
فالمشكلة لم تكن فقط في من وصل إلى السلطة، وإنما في السؤال الذي يواجه كل جماعة سياسية عندما تتحول من المعارضة إلى الحكم:
هل تستطيع أن تحكم دولة بكل مواطنيها، أم تتعامل مع الدولة باعتبارها امتدادًا لجماعتها ومشروعها؟
فالذي يطالب بحريته وهو في المعارضة يُختبر عندما يصبح قادرًا على تقييد حرية خصمه.
والذي يرفض الإقصاء عندما يقع عليه يُختبر عندما يصبح قادرًا على إقصاء غيره.
وهنا تظهر إحدى أعمق مفارقات السياسة:
ليس كل مظلوم قد تحرر من منطق الظلم.
قد يرفض الإنسان السجن لأنه كان داخله، ثم عندما يخرج منه يريد أن يحتفظ بمفتاح السجن.
وقد يرفض الاستبداد عندما يقع عليه، ثم يبرره عندما يمارسه حلفاؤه.
وقد يرفع شعار الحرية، ثم يكتشف أن الحرية في نظره حق له وحده.
وهنا لا يعود السؤال: من كان مظلومًا ومن كان ظالمًا؟
بل يصبح:
ماذا تفعل بالقوة عندما تصبح القوة في يدك؟
رفض الإخوان لا يعني قبول الاستبداد
إن نقد تجربة الإخوان المسلمين لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير لأي سلطة تأتي بعدها.
رفض الإخوان لا يعني قبول الاستبداد.
والظلم لا يصبح عدلًا لأن ظلمًا آخر سبقه.
فالعدالة ليست انتقامًا سياسيًا، والحرية ليست امتيازًا لجماعة، والقانون لا ينبغي أن يتغير حسب هوية من يقف أمامه.
إذا كنا قد رفضنا القهر عندما مارسته سلطة سابقة، فلا يجوز أن نقبله عندما يمارسه طرف نختلف معه أو عندما تبرره السلطة باسم الأمن والاستقرار.
وهنا تكمن الأخلاق السياسية الحقيقية:
أن يكون المبدأ ثابتًا، حتى عندما لا يخدم مصلحتنا.
أن ندافع عن حرية خصمنا عندما نكون أقوياء، لأننا نريد أن تبقى الحرية حقًا للجميع عندما نصبح نحن الضعفاء.
أن يثور الإنسان على السجان
ربما تكون هذه هي المفارقة الأكثر قسوة في تاريخ الثورات:
أن يثور الإنسان على السجان، ثم يحمل قضبان السجن معه إلى السلطة.
فالتحرر ليس مجرد تغيير موقع.
قد يخرج الإنسان من السجن، لكنه يحمل في داخله عقل السجان.
ولهذا فإن السؤال الأخلاقي الحقيقي بعد الثورة ليس:
من أصبح يحكم؟
بل:
ماذا سيفعل عندما يصبح قادرًا على الظلم؟
فالحرية ليست أن تمتلك القوة فقط.
الحرية أن تمتلك القوة وتعرف حدودها.
أن تستطيع إسكات خصمك ولا تفعل.
أن تستطيع إقصاء المختلف ولا تفعل.
أن تملك الأغلبية ولا تعتبر الأقلية عدوًا.
فالسلطة لا تُقاس فقط بما تستطيع فعله، وإنما أيضًا بما تستطيع الامتناع عن فعله.
حين تفسد اللغة
الطغيان لا يحتاج دائمًا إلى رجل واحد.
أحيانًا يحتاج إلى لغة تبرره.
عندما يصبح القمع «حماية»، والخوف «استقرارًا»، والصمت «وحدة وطنية»، والاعتراض «خيانة»، تبدأ الكلمات في تغيير معنى الواقع.
وهنا تكمن خطورة اللغة السياسية: فقد يتحول الظلم إلى ضرورة، والقهر إلى أمن، والاعتراض إلى جريمة.
لذلك فإن أول شروط الحرية هو أن نستطيع تسمية الأشياء بأسمائها:
الظلم ظلم، حتى لو صدر ممن نؤيده.
والخطأ خطأ، حتى لو ارتكبه من نثق به.
فالمجتمع الذي يفقد قدرته على نقد السلطة يفقد تدريجيًا قدرته على حماية نفسه منها.
مصر لا تحتاج إلى منقذ
ربما يكون أحد أعمق دروس التجربة المصرية أن الوطن لا ينبغي أن ينتظر دائمًا «الرجل الذي سينقذ البلاد»، أو «الجماعة التي تمتلك الحل».
فالمنقذ قد يأتي باسم الثورة، أو الدين، أو الدولة، أو الأمن.
لكن الخطر يبدأ عندما يصبح الوطن مرتبطًا بشخص أو جماعة.
الدولة القوية ليست الدولة التي يحكمها رجل قوي.
بل الدولة التي تستطيع مؤسساتها أن تمنع أي حاكم من أن يصبح أقوى من القانون.
ولهذا فإن سيادة القانون، والمحاسبة، وحق المعارضة، وحرية التعبير، واستقلال المؤسسات، وتداول السلطة، ليست ترفًا سياسيًا.
إنها وسائل لحماية الإنسان من القوة.
نحن لا نحتاج إلى حاكم صالح فقط؛ نحتاج إلى دولة لا تنهار إذا لم يكن الحاكم صالحًا.
عيش… حرية… عدالة اجتماعية
هنا يعود شعار يناير إلى معناه الكامل.
عيش: أن تكون للإنسان كرامة وعمل وفرصة ومستقبل.
حرية: أن يستطيع أن يفكر ويختلف ويعترض دون خوف.
عدالة اجتماعية: أن تكون الفرص مرتبطة بالاستحقاق لا بالنفوذ، وألا يتحول الفقر إلى مصير موروث.
لكن هذه القيم لا تتحقق بالشعارات.
إنها تحتاج إلى قانون ومؤسسات وثقافة يومية تبدأ من المدرسة والأسرة ومكان العمل، كما تبدأ من الدولة.
فالمجتمع الذي يرفض الاستبداد السياسي ثم يمارس الاستبداد في حياته اليومية لم يتخلص بعد من جذور المشكلة.
الثورة ليست لحظة في ميدان فقط.
إنها تغيير في علاقة الإنسان بالسلطة، وبالقانون، وبالآخر، وبنفسه.
الثورة التي لم تنتهِ بعد
ربما لا ينبغي أن نقيس يناير فقط بما حققته أو أخفقت فيه.
الأهم أن السؤال الذي خرج من الميدان ما زال قائمًا:
كيف نبني وطنًا لا يكون فيه الإنسان تابعًا للسلطة، ولا تكون فيه السلطة فوق القانون؟
فالثورة لا تكتمل بمجرد تغيير الحاكم أو الحزب أو الجماعة.
تكتمل عندما يصبح المواطن قادرًا على أن يعيش بكرامة، ويمارس حريته، ويحصل على حقه في العدالة دون أن يحتاج إلى ثورة من أجل ذلك.
فالطغيان لا يعيش في شخص واحد فقط؛ قد يعيش في الخوف، وفي تقديس القوة، وفي قبول الظلم عندما يقع على الآخرين.
ولهذا فإن أصعب ثورة ليست التي تسقط قصرًا، بل التي تجعل أي سلطة عاجزة عن تحويل الدولة إلى ملكية خاصة.
الثورة الحقيقية أن نبني دولة لا تحتاج إلى طاغية كي تستقر، ولا يحتاج فيها الإنسان إلى ثورة كي يحصل على حقه.
ويبقى السؤال الذي يتجاوز يناير ويتجاوز مصر:
هل نستطيع أن نجعل «عيش، حرية، عدالة اجتماعية» واقعًا نعيشه، لا شعارًا نضطر إلى الثورة من أجله
#مدحت_قلادة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟