أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض قاسم حسن العلي - حين سبقت الرصاصةُ القصيدة















المزيد.....

حين سبقت الرصاصةُ القصيدة


رياض قاسم حسن العلي

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 17:38
المحور: الادب والفن
    


كان علي صبيح شاعراً عراقياً من جنوب العراق، من تلك الجغرافيا التي يبدو الشعر فيها أقدم من كثير من مؤسسات الدولة، وأكثر التصاقاً بالناس والأرض والماء والذاكرة. الجنوب الذي أنجب شعراءه من الطين والقصب والنخيل والأنهار والأهوار والحروب، ومن الحزن الذي لم يكن يوماً عابراً في حياة أهله، وإنما صار جزءاً من تكوينهم النفسي والثقافي.
لكن علي صبيح لم يمت بالطريقة التي يموت بها الشعراء عادةً.
لم تنته حياته عند قصيدة أخيرة، ولا عند كتابٍ أخير، ولا بعد أن يقول الشاعر ما يريد قوله ثم ينسحب بهدوء من المشهد. انتهت حياته برصاصة، في نزاع عشائري، وكأن هناك عالماً آخر ما زال يعيش خارج الزمن، عالماً لم تصل إليه القصيدة، ولم يستطع القانون أن يفرض فيه كلمته الأخيرة.
وهذه هي المفارقة التي تجعل مقتل علي صبيح أكثر من مجرد خبرٍ عابر عن شاعر قُتل في نزاع عشائري.
إنها مأساة شاعر وجد نفسه في مواجهة لغةٍ لا تعرف المجاز.

الشاعر يستخدم الكلمة لكي يمنح الأشياء معنى، بينما تستخدم البندقية الرصاصة لكي تنهي المعنى كله.
الشاعر يقول: الحياة.
والبندقية تقول: الموت.
الشاعر يحاول أن يفتح نافذة في الجدار.
والرصاصة تغلق النافذة والجدار معاً.
ولذلك فإن موت شاعر بهذه الطريقة يحمل شيئاً من العبث المأساوي؛ لأن الشاعر، في جوهر وجوده، يقف في الجهة الأخرى من العنف. إنه يحاول أن يحول التجربة الإنسانية إلى لغة، وأن يستبدل الصدام بالحوار، وأن يمنح الألم شكلاً يمكن للآخرين أن يروه ويفهموه. لكن علي صبيح لم يُمنح حتى فرصة تحويل ألمه إلى قصيدة.
لقد سبقته الرصاصة.

المؤلم في حوادث الثأر والعنف العشائري أنها لا تقتل الإنسان الذي تصيبه الرصاصة فقط، وإنما تقتل معه أشياء كثيرة لا تُرى.
تقتل احتمال القصيدة التي لم تُكتب.
تقتل الكتاب الذي ربما كان سيصدر.
تقتل السنوات التي لم تأتِ.
تقتل جلسات الأصدقاء.
تقتل صوت الأم التي كانت تنتظر عودة ابنها.
تقتل أحلام عائلة كاملة.
وتقتل أيضاً جزءاً من ذاكرة المكان.
فالإنسان ليس جسداً يمشي في الشارع فقط؛ الإنسان مجموعة من العلاقات والذكريات والاحتمالات. وحين يُقتل، لا يسقط جسد واحد وحسب، وإنما يسقط عالم صغير كان يعيش من خلاله.
ولهذا فإن قتل شاعر شاب لا يعني فقدان شاعر فقط، لكن يعني فقدان كل القصائد التي لم تُكتب، وكل التجارب التي لم يعشها، وكل التحولات التي كان يمكن أن تصنع شاعراً مختلفاً بعد عشر سنوات أو عشرين سنة.
الشاعر لا يولد مرة واحدة.
الشاعر يتغير مع العمر.
قصيدة اليوم ليست قصيدة الغد، وتجربة الإنسان في الثلاثين ليست تجربته في الخمسين.
ومن هنا فإن قتل شاعر في بدايات عمره يشبه إغلاق كتاب قبل أن نصل إلى صفحاته الأخيرة.

لكن القضية الأوسع، في تقديري، ليست علي صبيح وحده.
القضية هي تلك الثقافة التي تجعل الدم قابلاً لأن يكون لغةً للتفاهم.
كيف يصل مجتمع ما إلى اللحظة التي تصبح فيها البندقية وسيلةً لحل مشكلة؟
كيف يصبح الثأر ذاكرةً تنتقل من جيل إلى جيل؟
كيف يمكن لخطأ فرد أن يتحول إلى مسؤولية جماعية؟
ومتى يصبح اسم العشيرة أقوى من اسم الإنسان؟
هذه الأسئلة ليست موجهة إلى العشيرة بوصفها رابطة اجتماعية، فالعشيرة جزء من التاريخ الاجتماعي العراقي، ولها أدوارها في التكافل والحماية وحفظ الروابط الاجتماعية، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الرابطة إلى سلطة فوق القانون، أو حين يصبح الانتماء سبباً لإلغاء المسؤولية الفردية.
فالعدالة الحديثة تقوم على مبدأ بسيط: الفرد مسؤول عن فعله.
أما الثأر فيقوم على منطق آخر: الجماعة تتحمل فعل الفرد، والجماعة الأخرى تدفع الثمن.
وهنا يبدأ الظلم.
وحين يُقتل شخص لأن شخصاً آخر من جماعته ارتكب فعلاً ما، فإننا لا نكون أمام عدالة، وإنما أمام إعادة إنتاج للجريمة.

الثأر لا ينهي الجريمة.
الثأر يمدد عمرها.
الجريمة الأولى قد تقع في لحظة، لكن الثأر يحولها إلى زمن كامل.
يموت رجل، فيطالب أهله بدمه.
يُقتل آخر، فيطالب أهله بدمه.
ثم يأتي ثالث ورابع وخامس.
وفي النهاية، قد لا يعرف أبناء الجيل الجديد حتى السبب الأول للنزاع، لكنهم يعرفون فقط أن هناك "دمًا" يجب أن يُؤخذ.
وهذه واحدة من أخطر وظائف الذاكرة حين تتحول من حفظ الماضي إلى إنتاج العنف.
الذاكرة هنا لا تقول: "لا تنسوا ما حدث حتى لا يتكرر".
بل تقول: "لا تنسوا ما حدث لكي تكرروا ما حدث".
وهذا هو الفرق بين الذاكرة التي تحمي المجتمع والذاكرة التي تستنزفه.

ولعل أكثر ما يؤلم في مقتل علي صبيح أن الشاعر نفسه كان ينتمي إلى عالمٍ آخر.
عالم القصيدة.
عالم الصورة.
عالم السؤال.
عالم التفاصيل الصغيرة التي يحاول الشاعر من خلالها أن يستعيد إنسانية الأشياء.
لكن هذا العالم اصطدم بعالم آخر لا يحتاج إلى قصيدة كي يعبّر عن نفسه.
رصاصة واحدة كانت كافية.
وهنا تصبح المسألة رمزية على نحو مؤلم: في الوقت الذي يحاول فيه الشاعر أن يجعل الإنسان أكثر إنسانية، تأتي البندقية لتختصر الإنسان في انتمائه.
لا يعود الرجل إنساناً له حياته الخاصة، وإنما يصبح "من هذه العشيرة".
ولا يعود الآخر إنساناً له أمه وأطفاله وأحلامه، وإنما يصبح "من الطرف الآخر".
وهكذا يبدأ محو الفرد.
وهذا المحو هو أحد أخطر أشكال العنف.

لقد عانى العراق طويلاً من ثقافة العنف.
الحروب، والانقلابات، والاغتيالات، والسجون، والحصار، والإرهاب، والاقتتال، كل ذلك ترك أثراً عميقاً في الوعي العراقي. ومع كل هذه التجارب، كان يفترض أن نتعلم شيئاً واحداً على الأقل: أن الإنسان أغلى من كل الخصومات.
لكن المأساة أننا كثيراً ما نعيد إنتاج العنف بأشكال مختلفة.
قد تتغير الشعارات، وقد تتغير الملابس والأسلحة والجهات، لكن الفكرة القديمة يمكن أن تبقى كما هي:أنا على حق، والآخر يجب أن يُمحى.
وهنا يصبح مقتل علي صبيح جزءاً من صورة أكبر؛ صورة مجتمع ما زال يصارع من أجل الانتقال من منطق الجماعة إلى منطق الفرد، ومن منطق الثأر إلى منطق القانون، ومن سلطة الدم إلى سلطة الدولة.

والدولة لا تكون دولةً حين تكون حاضرة في الأوراق وغائبة عند لحظة النزاع.
الدولة الحقيقية هي التي تقول للناس إن القانون هو الطريق الوحيد لاستعادة الحقوق.
أن لا يحتاج الإنسان إلى عشيرته لكي يحمي نفسه.
وأن لا يحتاج إلى سلاح لكي يثبت حقه.
وأن لا يحتاج أهل القتيل إلى قتل شخص آخر لكي يشعروا بأن العدالة تحققت.
حين يصبح القانون قادراً على حماية الإنسان، تتراجع الحاجة إلى الثأر.
وحين يتراجع القانون، تظهر سلطات أخرى لتملأ الفراغ.
وهذه قاعدة اجتماعية قديمة: حيث يغيب القانون، تبحث الجماعة عن قانونها الخاص.
وقد يكون هذا القانون عشائرياً أو طائفياً أو حزبياً أو عائلياً، وفي كل الحالات يصبح الإنسان مهدداً بأن يُحاكم لا بوصفه فرداً، وإنما بوصفه عضواً في جماعة.

كان علي صبيح يستطيع أن يختلف مع الآخرين في الشعر.
كان يستطيع أن يكتب قصيدة جميلة أو قصيدة لا تعجبنا.
كان يستطيع أن يخطئ، وأن يصيب، وأن يغير رأيه.
كان يستطيع أن يحب، وأن يكره، وأن يسافر، وأن يعود، وأن يكتب عن المجر الكبير، وعن الجنوب، وعن العراق، وعن المرأة، وعن النهر، وعن الموت نفسه.
كان يمكن أن يكبر.
وهذه الجملة وحدها موجعة: كان يمكن أن يكبر.
كان يمكن أن يصبح شاعراً آخر غير الذي نعرفه اليوم.
كان يمكن أن تتغير لغته.
كان يمكن أن يكتب كتابه الأفضل بعد سنوات.
كان يمكن أن يختلف مع نفسه.
لكن الموت لا يمنح الإنسان فرصة مراجعة نصه.
لقد كتب الرصاص نهايته قبل أن يكتب الشاعر نهايته.

ولذلك لا أريد أن أتعامل مع رحيل علي صبيح بكونه خبراً آخر يمر في صفحات التواصل الاجتماعي، ثم يختفي بعد أيام تحت أخبار جديدة.
هناك أخبار يجب أن نتوقف عندها.
لأنها لا تتحدث عن شخص واحد فقط.
إنها تتحدث عن المكان الذي نعيش فيه، وعن الطريقة التي ننظر بها إلى الإنسان، وعن معنى القانون، وعن معنى العشيرة، وعن حدود الانتماء، وعن حق الفرد في الحياة.
مقتل علي صبيح يجعلنا نسأل: ماذا يعني أن يكون الإنسان شاعراً في مجتمع ما زال يحمل السلاح بسهولة؟
ماذا تفعل القصيدة أمام بندقية؟
وهل تستطيع الثقافة أن تنتصر على العنف إذا ظل العنف أقرب إلى اليد من الكتاب؟
لا أملك إجابة سهلة.
لكنني أعرف أن المجتمع الذي يريد مستقبلاً مختلفاً عليه أن يجعل الرصاصة أقل حضوراً، والقانون أكثر حضوراً؛ وأن يجعل الكلمة طريقاً للحوار لا مقدمةً للثأر.

رحم الله علي صبيح.
رحم الله الشاعر الذي كان من حقه أن يعيش، وأن يخطئ، وأن يصيب، وأن يكتب، وأن يحب، وأن يكبر، وأن يترك لنا قصائده بدلاً من أن يترك لنا خبر مقتله.
ورحم الله كل الذين ابتلعتهم خصومات لم يصنعوها.
أما الجنوب، الذي طالما علّم أبناءه أن الماء يمضي مهما اعترضته الحجارة، فإنه يحتاج اليوم إلى أن يتعلم درساً آخر: أن الدم لا ينبغي أن يكون طريقاً إلى المستقبل.
فالدم لا يصنع عدالة.
والثأر لا يعيد الموتى.
والرصاصة لا تستطيع أن تكتب قصيدة.
لكنها تستطيع، في لحظة واحدة، أن تمنع شاعراً من كتابة القصيدة التي كان يمكن أن تبقى معنا طويلاً.
نم بسلام أيها الشاعر الشاب؛ لقد سبقتك الرصاصة إلى الصفحة الأخيرة، لكن قصتك لم تنتهِ بموتك. ستبقى مأساةً تذكّرنا بأن الإنسان حين يفقد لغة الحوار، يعود إلى أقدم لغاته: لغة الدم.



#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين حميد قاسم وعبد العظيم فنجان
- قراءة في قصيدة “خبز أمّي في الجنّة”
- من وهم الشعر إلى غواية النقد
- فتاة التانكي
- من يحدد نجاح الفنان أو الأديب؟
- رأي في الشعر الشعبي
- ملاحظات نقدية على مجموعة صانع الحلوى لأزهر جرجيس
- قلق المبدع
- الله في يوم العيد
- الأنثى والحرب
- مجرد فضفضة
- الأسبقية العراقية
- هيو إيفريت الثالث: الرجل الذي حوّل الاحتمال إلى عوالم كاملة
- المشكلة العراقية: سماء الآخر ومظلة الوطن
- العقل والعالم
- من مركزية الإنسان إلى تفكيك الذات
- “علي” في تاريخ الحكم في العراق
- إنسان ما بعد الحداثة: قراءة في كتاب الدكتور أحمد جعيب كاظم.
- النقد بين ثقافتين
- في اليوم العالمي للكتاب


المزيد.....




- من البرج إلى الجبل.. هل نجا فيلم -سقوط 2- من فخ التكرار؟
- من يصنع الأدب اليوم.. الكاتب أم الذكاء الاصطناعي؟
- -قصر العظم- يتصدر جوائز الإعلام السوري في المهرجان العربي بت ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- قابلوا -الليمور المغنّي-.. كيف يستخدم تقنيات الأوبرا لصنع ال ...
- معاونة وزير الثقافة السورية تكشف عن تعرضها لتهديدات ومضايقات ...
- أمازونيات الطليعة الروسية.. أربع فنانات يستعدن حضورهن على ال ...
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- 186 سلالة و852 شخصية.. أطلس رقمي يعيد رسم التاريخ الإسلامي
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض قاسم حسن العلي - حين سبقت الرصاصةُ القصيدة