أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض قاسم حسن العلي - من يحدد نجاح الفنان أو الأديب؟















المزيد.....

من يحدد نجاح الفنان أو الأديب؟


رياض قاسم حسن العلي

الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 08:43
المحور: الادب والفن
    


يبقى السؤال عن نجاح الفنان أو الأديب واحداً من أكثر الأسئلة إشكالية في الثقافة الإنسانية. فما معنى النجاح أصلاً؟ وهل يقاس بعدد الجمهور؟ أم باعتراف النقاد؟ أم بقدرة العمل على البقاء في الذاكرة الجمعية لسنوات طويلة؟ والأهم من ذلك كله: من يمتلك سلطة إصدار الحكم النهائي على قيمة العمل الإبداعي؟

تكمن المشكلة في أن كثيراً من البيئات الثقافية العربية ما زالت تنظر إلى الإبداع بوصفه نشاطاً ينبغي أن يخضع لقواعد ثابتة ومعايير جاهزة لا يجوز تجاوزها. فهناك دائماً من يحاول وضع قوالب مسبقة لما يجب أن يكون عليه الشعر أو الرواية أو الغناء أو الرسم، وكأن الفن معادلة رياضية يمكن قياسها بأدوات جامدة لا تتغير. والحقيقة أن الإبداع بطبيعته فعل تمرد قبل أن يكون فعل امتثال، وهو محاولة دائمة لاكتشاف مناطق جديدة في التعبير لم يصل إليها السابقون.

إن الذائقة الفنية هي نتاج ظروف اجتماعية وثقافية وتاريخية متغيرة. فما يراه جيل خروجاً على المألوف قد يراه الجيل اللاحق بداية لعصر جديد. ولهذا كان التاريخ الثقافي مليئاً بالمفارقات؛ إذ إن كثيراً من الأعمال التي أصبحت فيما بعد علامات بارزة في الفن والأدب تعرضت في لحظة ظهورها الأولى إلى الرفض والسخرية والهجوم.

من أشهر الأمثلة العربية ما حدث للمطرب الكبير عبد الحليم حافظ في بداياته. فعندما غنى أغنية "صافيني مرة" واجه رفضاً حاداً من جمهور اعتاد أنماطاً غنائية مختلفة. لم تكن المشكلة في جودة الأغنية أو في موهبة صاحبها، لكن المشكلة في أن الجمهور كان يقارن الجديد بما ألفه سابقاً. كانت الأذن الموسيقية آنذاك مهيأة لاستقبال أصوات وأشكال غنائية معينة، ولذلك بدا صوت عبد الحليم وأسلوبه خروجاً على المألوف. ولم يكن مستغرباً أن يطالب بعض الحاضرين بمغادرته المسرح، لأن الجديد غالباً ما يُقابل بالخوف قبل أن يُقابل بالفهم. لكن الزمن أثبت لاحقاً أن ذلك الفنان الذي رُفض في بداياته أصبح أحد أهم الأصوات في تاريخ الغناء العربي.

والأمر نفسه يمكن ملاحظته في تجربة كاظم الساهر. فعندما ظهرت بعض أعماله الأولى، ومنها أغنية "التلدغه الحية بيده "، واجه موجة من الانتقادات والاعتراضات. غير أن ما ميز الساهر لم يكن جمال صوته وحده، فهناك أصوات عراقية كثيرة تمتلك خامات صوتية استثنائية، وإنما تميز بجرأته في كسر الأنماط السائدة وقدرته على التفكير خارج الحدود التقليدية للأغنية العراقية. لقد أدرك أن التقليد مهما بلغ من الإتقان لا يصنع ظاهرة فنية، وأن التميز لا يتحقق إلا عبر المغامرة والتجريب. ولذلك استطاع أن يبتكر مساراً مختلفاً في التلحين والأداء، وأن يطوّر أدواته باستمرار حتى أصبحت كثير من أعماله تتميز ببناء لحني معقد وانتقالات موسيقية تجعل أداءها أمراً بالغ الصعوبة على معظم المطربين.

وفي الشعر تتكرر القصة ذاتها. فحين ظهرت حركة الشعر الحر في العراق لم تُستقبل بالترحيب الذي يتخيله البعض اليوم. فقد واجهت رفضاً شديداً من عدد من الشعراء والنقاد الذين كانوا يرون في القصيدة العمودية الشكل الوحيد المشروع للشعر العربي. وكان من أبرز المتحفظين على هذه التجربة الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، الذي رأى أن الشعر الحر يمثل خروجاً على القوالب الشعرية الموروثة.
يقول محمود العبطة في كتابه " بدر شاكر السياب والحركة الشعرية الجديدة في العراق، ص14" : “ كنت قد أنجزت دراسة عن السياب بمناسبة صدور قصيدتيه الطويلتين (حفار القبور) و(المومس العمياء) ورأيت مناسبة صدور قصيدته الطويلة (الأسلحة والأطفال) عام 1954م فرصة مواتية لإكمال دراستي عنه . أكملت الدراسة في صيف تلك السنة، واعطيتها له (أي للسياب) لنشرها في جريدة تحمل اسم الأستاذ (الجواهري)، فقال أنه يخجل من تقديمها بنفسه، فسلمتها الى الأستاذ، فلم تنشر. وعند السؤال عن السبب أجبت بأن الدراسة طويلة، في الوقت الذي كان الجواهري يعيد نشر مقالات طويلة عن شاعريته وبصورة متسلسلة”.
أما الشاعر (حافظ جميل) فيقول : “ إن ما قرأته من الشعر الحر غير ملتزم بالقافية الواحدة، بل يجمع عدّة قواف في القصيدة الواحدة . كما لا يلتزم بوزن واحد بل بعدة أوزان . ولا أدري كيف يصحّ أن نسميه شعراً، والشعر هو ما التزم بالتفعيلة والقافية، وما شذّ عنهما فلا يسمى شعراً “.
لكن الزمن أثبت أن تجربة بدر شاكر السياب كانت تحولاً عميقاً في تاريخ الشعر العربي الحديث، وأن القصائد التي قوبلت بالتشكيك أصبحت فيما بعد نصوصاً مؤسسة لمرحلة كاملة من الإبداع.

هذه الأمثلة تكشف حقيقة مهمة، وهي أن المؤسسات الثقافية والنقدية ليست دائماً قادرة على اكتشاف قيمة الجديد لحظة ظهوره. فالنقاد، مهما بلغت خبرتهم، أبناء عصرهم أيضاً، ويتأثرون بالذائقة السائدة وبالمعايير التي تشكلت في وعيهم عبر سنوات طويلة. ولهذا فإنهم كثيراً ما يقيسون التجارب الجديدة بأدوات قديمة، فيبدون وكأنهم يدافعون عن التراث بينما هم في الحقيقة يدافعون عن عاداتهم الجمالية الخاصة.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى تجاهل النقد أو التقليل من أهميته. فالنقد ضرورة لأي حركة ثقافية حية، لكنه يفقد قيمته حين يتحول من أداة للفهم والتحليل إلى سلطة تمنح الشرعية لهذا العمل وتحجبها عن ذاك. فالإبداع لا يتقدم عبر الطاعة العمياء للمعايير السائدة، إنما عبر اختبار تلك المعايير وكشف حدودها وإعادة صياغتها.

إن الذين يسيرون دائماً في الطرق التي رسمها الآخرون قد يحققون القبول السريع، لكنهم نادراً ما يتركون أثراً حقيقياً في تاريخ الفن والأدب. أما الذين يغامرون بابتكار أساليب جديدة ورؤى مختلفة فهم الذين يواجهون الرفض أولاً، ثم يتحولون لاحقاً إلى علامات فارقة في الذاكرة الثقافية. فكل تجديد حقيقي يبدأ بوصفه خروجاً على المألوف، ثم يصبح مع مرور الزمن جزءاً من المألوف نفسه.

لذلك فإن نجاح الفنان أو الأديب لا يقاس فقط برضا النقاد أو تصفيق الجمهور في لحظة معينة، لكن بقدرته على إضافة شيء جديد إلى الفن الذي ينتمي إليه، وبقدرته على الصمود أمام الزمن. فالزمن وحده هو الناقد الأكثر نزاهة، لأنه لا يجامل أحداً، ولا يخضع للشللية الثقافية أو للأهواء الشخصية. وما يبقى بعد عقود من الغياب هو العمل الأصيل الذي امتلك شجاعة الاختلاف وجرأة الابتكار.



#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رأي في الشعر الشعبي
- ملاحظات نقدية على مجموعة صانع الحلوى لأزهر جرجيس
- قلق المبدع
- الله في يوم العيد
- الأنثى والحرب
- مجرد فضفضة
- الأسبقية العراقية
- هيو إيفريت الثالث: الرجل الذي حوّل الاحتمال إلى عوالم كاملة
- المشكلة العراقية: سماء الآخر ومظلة الوطن
- العقل والعالم
- من مركزية الإنسان إلى تفكيك الذات
- “علي” في تاريخ الحكم في العراق
- إنسان ما بعد الحداثة: قراءة في كتاب الدكتور أحمد جعيب كاظم.
- النقد بين ثقافتين
- في اليوم العالمي للكتاب
- عطسة تشرشل
- المخابرات العراقية / شهادة منقوصة
- أنا والبحرين
- ريلكه / شاعر العدم وإشراقات الوجود الخاطفة
- شئ عن التاريخ


المزيد.....




- روبيو: مفاوضات الفرق الفنية حول إيران ستستمر الأسبوع المقبل ...
- بعد سنوات من التحضير.. خلاف ينهي مشروع فيلم السيرة الذاتية ل ...
- المخرجة رشا شربتجي والكاتب سامر رضوان معًا في رمضان 2027
- مدفيديف: عندما لا يفهمونك تحدث بالروسية.. وسنستخدم جميع الآل ...
- Iran Pushes Back Against Trump-s Claims About Frozen Assets ...
- الغرب ونهاية قرون الهيمنة.. مآلات المشروع الإمبريالي والصراع ...
- حين يلتقي المال بالذكاء الاصطناعي.. فيلم عن سام ألتمان يشعل ...
- غيزينغر يحتفي بثقافة البيرة في ميونيخ ويسعى لموقع في مهرجان ...
- من الجزائر إلى تشيلي: انطلاق المرحلة الدولية لمسابقة -كاردو- ...
- وزير الثقافة اللبناني يتفقد أضرار مواقع صور التاريخية جراء ا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض قاسم حسن العلي - من يحدد نجاح الفنان أو الأديب؟