أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض قاسم حسن العلي - الأنثى والحرب














المزيد.....

الأنثى والحرب


رياض قاسم حسن العلي

الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 00:27
المحور: الادب والفن
    


راسلتني قبل قليل
امرأةٌ بارعةُ الجمال،
وسألتني عن النصِّ الذي كتبته
عن كاظم صمونة
وهيفاء.

دخلتُ إلى صفحتها،
رأيتُ صورها الشخصية،
وجهًا يفيضُ بالحياة
كأنّه لم يعرف
الجوع يومًا
ولا رائحة الطين المحروق
في الأهوار.

وتساءلتُ بيني وبين نفسي:
ما الذي تريده
امرأةٌ بهذا الجمال
من رجلٍ تجاوز الخمسين،
يحمل في صوته
خرابَ الحروب
وفي ذاكرته
مستنقعاتٍ كاملةً من الموت؟

لماذا تسأل عن كاظم صمونة؟
وعن هيفاء؟

قلتُ لها:
إن ما كتبته
ليس شعرًا،
ولا محاولةً للسرد،
ولا استعراضًا لأوجاع قديمة.

إنه شيءٌ عشتهُ شخصيًا،
بكلِّ ما فيه من قذارة الحياة
ووحدتها.

كاظم صمونة كان شابًا فقيرًا
يبحثُ في بقايا مطبخ الجيش
عن أرغفةٍ يابسة
يرسلها إلى أمّه
كأنها رسالةُ نجاة.

أما هيفاء
فكانت تسكنُ قبالة الشقة
التي يستأجرها طلبة الناصرية.
وأحيانًا
كانت تبعثُ لنا بطبقِ عشاء
حين تخورُ بطوننا
من العرق الرديء
واللبلبي المسلوق
والخسّ الذابل
الذي نأكله كمزة.
كانت تستمعُ إلى غنائي
حين تنطفئ الكهرباء،
ويغرقُ المكان
في صمتٍ ثقيل.
وكنتُ وقتها
أنهي نصف قنينة عرق
اشتريناها من شارع بشار،
وأغنّي
كأن صوتي
سينقذ العالم.

قلتُ لها:
إن ما حدث بعد ذلك
لا يمكن وصفه بالكلمات.
ففي الأهوار
حين يجتمع الجوعُ
مع العطش
مع الخوف
مع القتل،
يفقد الإنسان
أجزاءه البشرية
واحدةً بعد أخرى.

في عيد أضحى
منسيٍّ تمامًا،
لم يكن لدينا ماء.
فتحنا راديتيرات السيارات
وشربنا منها.
ثم ذهبنا
إلى بركٍ صغيرة
تجمّع فيها المطر،
وغمسنا فيها
ما تبقّى من صمون الجيش
كي يلين قليلًا
ولا يجرح أفواهنا اليابسة.
وبعد أيام
وصلنا الطعام.
قدرُ تمنٍ
ممتلئٌ بالتراب.
وهكذا
كنا نعيش.
كنا رجالًا
نبحث عن وطن،
لا عن رايةٍ إضافية
ولا عن خطبةٍ جديدة
تُلقى فوق الخراب.

لكن الوطن
كان يُبعثر كل مرة على أيدي الذين
أقسموا أنهم حُماته.

جاء البعثيون
فحوّلوا البلاد
إلى خوفٍ طويل،
وإلى جدرانٍ تسمع،
ومدنٍ تتقن الصمت
أكثر من الكلام.

كبرنا
ونحن نحمل العراق
كجرحٍ مفتوح،
نراه يضيق
كلما اتسعت صور القائد،
ويختنق
كلما ارتفع التصفيق.

ثم جاء الغرباء بأعلامهم الثقيلة،
وقالوا إنهم
جاؤوا لينقذوا الوطن،
لكن الوطن كان يضيع أكثر.

في لحظة نزوةٍ صامتة
اقتسم البريطانيون والأميركيون
خرائط التعب،
وتركوا لنا بلدًا مكسور الروح،
تتنازعه الطوائف
والخراب
والذاكرة المثقوبة بالحروب.

ذهب الوطن…
ولم يبقَ لنا سوى صور الأمهات،
ورائحة البيوت القديمة،
وأسماء الأصدقاء الذين ابتلعتهم المقابر
أو المنافي.

ومع ذلك
ما زلنا رجالًا
نمشي وسط هذا الركام
كأننا نحرس حلمًا أخيرًا.

نريد وطنًا
لا يخاف فيه الطفل من السماء،
ولا يُسأل فيه الإنسان
عن طائفته
قبل اسمه.

نريد وطنًا
لا يسرقه الطغاة
ولا تبيعه الجيوش
ولا ترسم حدوده رغبات السفارات.

كنا رجالًا نبحث عن وطن…
وما زلنا،
رغم كل الهزائم،
نؤمن أن البلاد التي أنجبت سومر
لا يمكن أن تموت إلى الأبد.

لم أقل لها
إنني كنتُ أقطعُ ثلاثين كيلومترًا يوميًا
حاملًا بريد الفوج،
وأفكّرُ بنهود هيفاء
كي أحتمل الطريق.
ولم أقل لها
إننا ذات جوعٍ
سلقنا سلحفاةً
وأكلناها بصمت
كأننا نرتكبُ خطيئةً قديمة.
ولم أقل لها
إن خزان الماء
كان مليئًا بأبي بريص،
ومع ذلك
كنّا نشرب منه كل يوم
دون اعتراض.
ولم أقل لها
كيف هربتُ من الجيش
ليلةَ السابع من محرّم،
حين رأيتُ قرية العريثم
تشتعلُ تحت القصف
مثل كومة قشٍّ حزينة.

بعض الأشياء
لا تُقال.
ليس لأن اللغة تعجز عنها فقط،
لكن لأن الإنسان
حين ينجو من جحيمٍ طويل
يصير خائفًا
حتى من تذكّره.



#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مجرد فضفضة
- الأسبقية العراقية
- هيو إيفريت الثالث: الرجل الذي حوّل الاحتمال إلى عوالم كاملة
- المشكلة العراقية: سماء الآخر ومظلة الوطن
- العقل والعالم
- من مركزية الإنسان إلى تفكيك الذات
- “علي” في تاريخ الحكم في العراق
- إنسان ما بعد الحداثة: قراءة في كتاب الدكتور أحمد جعيب كاظم.
- النقد بين ثقافتين
- في اليوم العالمي للكتاب
- عطسة تشرشل
- المخابرات العراقية / شهادة منقوصة
- أنا والبحرين
- ريلكه / شاعر العدم وإشراقات الوجود الخاطفة
- شئ عن التاريخ
- اختراع اللغة العبرية
- اسمي رياض
- العدوى المقدسة
- عن مفصل جواد علي
- كتابات نشأة الإسلام


المزيد.....




- الفنانة السورية فايا يونان تعلن خطوبتها: -أجمل من أي صورة رس ...
- زاخاروفا تعليقا على حفل كاني ويست: أبواب روسيا مفتوحة لجميع ...
- التربية السورية توضح آلية تدريس اللغة الكردية.. تفاعل متباين ...
- من ساحات الحرب إلى عامه الـ105.. حكاية بطل روسي شهد قرنا من ...
- -كأن شيئاً لم يكن-.. قراءة في تجربة مسرحية مصرية تمزج بين تش ...
- السعودية حاضرة بقوة.. 10 آلاف شاب من 191 دولة يشاركون في مهر ...
- المجري بيتر ناداس.. رحيل كاتب جعل الذاكرة جسداً والتاريخ حيا ...
- رحيل يايوي كوساما عن عمر 97 عامًا.. فنانة حوّلت الهلوسات إلى ...
- بعد 20 عاما في المنفى.. الموسيقار الإيراني محسن نامجو يعود إ ...
- التعليم العالي: طالبة من جامعة عين شمس تحصد المركز الأول عال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض قاسم حسن العلي - الأنثى والحرب