أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض قاسم حسن العلي - قلق المبدع















المزيد.....

قلق المبدع


رياض قاسم حسن العلي

الحوار المتمدن-العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 16:48
المحور: الادب والفن
    


قبل أيام ظهر كاظم الساهر على أحد مسارح أبو ظبي. وبعد أن غنى مجموعة من أغانيه التي يحفظها الجمهور عن ظهر قلب، توقف ليسأل الحاضرين عن رأيهم في الأغنية التي أطلقها قبل أيام. لا أعرف لماذا علقت هذه اللحظة في ذهني أكثر من غيرها، فالمشهد في ظاهره عادي؛ فنان يسأل جمهوره عن عمل جديد. لكنني شعرت أن وراء هذا السؤال ما هو أعمق من مجرد مجاملة عابرة أو محاولة لاستطلاع الآراء.
كاظم الساهر ليس فنانًا في بداية الطريق. ليس شابًا يحاول إثبات موهبته للمرة الأولى، ولا مطربًا يبحث عن فرصة كي يعرفه الناس. إنه واحد من أشهر الأصوات العربية خلال العقود الأخيرة، وصاحب تجربة فنية طويلة، وأغنيات أصبحت جزءًا من ذاكرة ملايين المستمعين. ومع ذلك بدا لي، وهو يسأل جمهوره عن أغنيته الجديدة، وكأنه يخوض امتحانًا جديدًا.
في تلك اللحظة فكرت أن النجاح لا يمنح صاحبه حصانة أبدية. فما حققه الفنان بالأمس لا يضمن له القبول اليوم. كل عمل جديد هو مغامرة جديدة، وكل نص أو قصيدة أو أغنية هي بداية أخرى مهما تراكمت الإنجازات السابقة. وربما لهذا السبب ظل كاظم الساهر مهتمًا بمعرفة رأي جمهوره، لأنه يدرك أن التاريخ الفني، مهما كان كبيرًا، لا يعفي صاحبه من مواجهة السؤال الأبدي: هل نجحت هذه المرة أيضًا؟

أعجبتني تلك الصورة كثيرًا لأنها أعادت إلى ذهني فكرة قديمة أؤمن بها منذ سنوات، وهي أن المبدع الحقيقي يعيش على القلق. وإني أذهب أحيانًا إلى الاعتقاد بأن القلق ليس مجرد صفة ترافق الإبداع، وإنما هو أحد شروطه الأساسية. فحين يغادر القلق، ويحل محله الاطمئنان الكامل، يبدأ شيء ما بالموت داخل التجربة الإبداعية.

أتذكر في هذا السياق امرأة أصدرت روايتين قبل سنوات. أهدتني إحداهما، واشتريت الثانية بنفسي. وكان ذلك في فترة كنت أقرأ فيها بشراهة كل ما يقع بين يدي من الروايات والدواوين العراقية. كنت أحيانًا أنهي كتابًا كاملًا في يوم واحد، أو في يومين على الأكثر. قرأت الروايتين باهتمام لأنني كنت حريصًا على متابعة كل ما يصدر، لكنني لم أجد فيهما ما يدفعني إلى التوقف طويلًا أو إعادة القراءة أو التأمل. كانتا بالنسبة لي تجربتين عاديتين، وربما أقل من عاديتين.
لكن ما استوقفني لاحقًا هو الطريقة التي نظرت بها الكاتبة إلى تجربتها. فقد كانت تكتب على صفحتها في فيسبوك بثقة مطلقة: "الروائية فلانة". وكأن الأمر قد حُسم نهائيًا، وكأن التجربة اكتملت ولم يعد هناك ما يستحق التساؤل أو المراجعة حيث لم تصدر تلك الروائية فلانة أي عمل اخر منذ سنوات.

ولا أنكر حق أي إنسان في أن يعرّف نفسه كما يشاء، لكنني شعرت يومها بالفارق الهائل بين هذه الثقة المطلقة وبين ذلك السؤال البسيط الذي طرحه كاظم الساهر على جمهوره. هناك فرق بين من يرى كل عمل جديد امتحانًا، ومن يرى أول خطوة شهادة نهائية.

ومع مرور السنوات ومتابعتي للأدب والفن، بدأت أقتنع أكثر فأكثر بأن المبدع الحقيقي يعيش في منطقة الأسئلة. إنه يشك فيما يكتب، ويعيد النظر فيما ينجز، ويحذف أكثر مما ينشر، ويقرأ عمله بعين خصمه قبل عين محبيه. ليس لأنه ضعيف الثقة بنفسه، لكن لأنه يعرف حجم المسافة بين ما يحلم به وما يستطيع تحقيقه فعليًا.
فالمبدع، مهما بلغ من النضج والخبرة، يظل يطرح على نفسه الأسئلة ذاتها: هل قدمت شيئًا جديدًا؟ هل استطعت أن أقول ما أردت قوله؟ هل جاءت النتيجة بحجم الفكرة التي كانت تدور في رأسي؟ هل سيبقى هذا العمل حيًا بعد سنوات أم أنه مجرد انفعال عابر؟
هذه الأسئلة علامة صحة. أما المرض الحقيقي فهو الغرور.
وأنا هنا لا أتحدث عن الثقة بالنفس. فالثقة ضرورة لكل عملية إبداعية. وإن قدرًا من النرجسية يبدو ملازمًا لمعظم المبدعين الكبار. فمن دون الإيمان بالذات لا يستطيع الشاعر أن يكتب قصيدته، ولا الروائي أن يقضي سنوات من عمره في كتابة رواية، ولا الموسيقي أن يعتقد أن ما يقدمه يستحق أن يسمعه الآخرون.
لكن الفرق كبير بين الثقة والغرور. الثقة تدفع صاحبها إلى العمل، أما الغرور فيقنعه بأنه لم يعد بحاجة إلى العمل. الثقة تجعله يبحث عن الأفضل، أما الغرور فيجعله مقتنعًا بأنه الأفضل بالفعل.

وربما يحتج البعض بالمتنبي، الذي يكاد يكون النموذج الأشهر للاعتداد بالنفس في التراث العربي. وهذا صحيح من جهة، لكنه ليس كل الحقيقة. فالمتنبي، على الرغم من كل ما قاله في نفسه، كان شديد الاهتمام بتلقي شعره. وكان يجد في ابن جني قارئًا استثنائيًا وناقدًا يثق بحكمه. حتى ذلك الشاعر الذي ملأ الدنيا بصوته العالي لم يكن مستغنيًا عن مرآة يرى فيها انعكاس تجربته.

وأتذكر أيضًا حوارًا قديمًا قرأته في ثمانينيات القرن الماضي مع الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد. لا أتذكر معظم ما جاء في الحوار، لكنني أتذكر جيدًا جملة واحدة بقيت عالقة في ذهني حتى اليوم. قال إنه حين يكتب الشعر فإن ما يقرب من ثمانين بالمئة مما يكتبه ينتهي في سلة المهملات لأنه لا يرضيه.

وقد تعلمت من تلك العبارة أكثر مما تعلمته من كثير من الكتب. تعلمت أن الإبداع ليس ما نكتبه فقط، لكن ما نحذفه أيضًا. وأن الكاتب الجيد لا يتميز بقدرته على الكتابة وحدها، بل بقدرته على رفض ما لا يرقى إلى المستوى الذي يريده.

لهذا أشعر أحيانًا بالحيرة وأنا أقرأ نصوصًا يصر أصحابها على تسميتها شعرًا، بينما لا تتجاوز في حقيقتها كونها خواطر عاطفية بسيطة تشبه ما كنا نكتبه في دفاتر المدرسة الثانوية، حين كنا نظن أن الحب الأول حدث كوني يستحق أن تُكتب فيه الملاحم.
ليس في الخواطر ما يعيب بالطبع، لكن المشكلة تبدأ عندما تختفي الحدود بين الرغبة في الكتابة وبين امتلاك أدواتها. فليس كل من كتب سطرين أصبح شاعرًا، وليس كل من نشر رواية صار روائيًا.
ولهذا لم أستطع إخفاء دهشتي عندما سمعت الروائي جابر خليفة جابر يقول في إحدى المقابلات التلفزيونية إن في البصرة مئة روائي. الرقم أدهشني حقًا. فأنا أتابع النشاط الأدبي في البصرة منذ سنوات طويلة، وأعرف عددًا من الروائيين الجادين والمجتهدين، لكنني لا أعرف هذا العدد الكبير الذي تحدث عنه.
يومها وجدت نفسي أتساءل: من أين جاء هؤلاء جميعًا؟ وهل أصبح نشر رواية واحدة كافيًا للحصول على لقب روائي؟ وما المعايير التي تعتمدها المؤسسات الثقافية حين تمنح هذه الأوصاف؟ وهل تحولت الألقاب إلى غاية بحد ذاتها بدل أن تكون نتيجة طبيعية لتجربة إبداعية حقيقية؟
وربما لأنني أنظر إلى الأدب باعتباره مسؤولية ثقيلة أكثر من كونه لقبًا اجتماعيًا، فإنني أتعامل بحذر مع هذه التسميات. فالكاتب الحقيقي لا يصنعه ما يُكتب على بطاقة التعريف أو في الصفحة الشخصية، إنما ما يبقى من أثره في ذاكرة القراء بعد سنوات.
أن أي عمل إبداعي، سواء كان رواية أو قصيدة أو لوحة أو أغنية، لا يولد من أجل صاحبه وحده. إنه يتجه في النهاية إلى متلقٍ آخر. إلى قارئ أو مستمع أو مشاهد سوف يحكم عليه بطريقته الخاصة. ولهذا فإن قلق المبدع فضيلة ينبغي الحفاظ عليها.

كلما تأملت تجارب المبدعين الكبار وجدت أن ما يجمعهم ليس الثقة المطلقة، وإنما ذلك القلق الخفي الذي يرافقهم حتى آخر العمر. قلق يجعلهم يشعرون دائمًا أن العمل القادم يجب أن يكون أفضل من السابق، وأن ما لم يكتب بعد أهم مما كتب، وأن الطريق، مهما طال، ما زال في بدايته.
أما الذين يعتقدون أنهم وصلوا إلى النهاية، فغالبًا ما يكونون قد توقفوا عن السير منذ زمن طويل دون أن يشعروا.



#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الله في يوم العيد
- الأنثى والحرب
- مجرد فضفضة
- الأسبقية العراقية
- هيو إيفريت الثالث: الرجل الذي حوّل الاحتمال إلى عوالم كاملة
- المشكلة العراقية: سماء الآخر ومظلة الوطن
- العقل والعالم
- من مركزية الإنسان إلى تفكيك الذات
- “علي” في تاريخ الحكم في العراق
- إنسان ما بعد الحداثة: قراءة في كتاب الدكتور أحمد جعيب كاظم.
- النقد بين ثقافتين
- في اليوم العالمي للكتاب
- عطسة تشرشل
- المخابرات العراقية / شهادة منقوصة
- أنا والبحرين
- ريلكه / شاعر العدم وإشراقات الوجود الخاطفة
- شئ عن التاريخ
- اختراع اللغة العبرية
- اسمي رياض
- العدوى المقدسة


المزيد.....




- ترمب ينوي إحياء حفل الاستقلال بعد انسحاب فنانين: أنا أشهر من ...
- فنانون في حديقة الحيوانات هذه يحوّلون النفايات إلى منحوتات ف ...
- وزير الثقافة اللبناني: مدينة صور تواجه خطرا يهدد إرثها العال ...
- من الرحلة إلى المجاورة.. كيف صانت التراجم المغربية ذاكرة بيت ...
- قصة حب شبيهة بالأفلام.. كيف غيرت رحلة على متن طائرة حياة هذا ...
- المتنبي الخفي.. كيف تصنع الثقافة سوقا موازية وسط بغداد؟
- شاهد.. فنان يحوّل أقدم جسر في باريس إلى كهفٍ هوائيٍّ ضخم
- من مقاومة النازية إلى التضامن مع فلسطين ونقد الحداثة.. رحيل ...
- -لم نكن نعرف-.. لماذا تتوالى انسحابات الفنانين من احتفالات أ ...
- -في أصول الفقه السياسي-.. كتاب يكشف مواطن القوة والضعف في مش ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض قاسم حسن العلي - قلق المبدع