أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض قاسم حسن العلي - الله في يوم العيد














المزيد.....

الله في يوم العيد


رياض قاسم حسن العلي

الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 18:49
المحور: الادب والفن
    


حينما كنتُ صغيرًا
ولا أتذكر متى بالضبط،
فأنا أشعر أنني أعيش منذ زمنٍ أقدم من عمري،
كنتُ أظنُّ أن الله
يجلس فوق غيمةٍ بيضاء
بلحيةٍ بيضاء
ويحدّق في العالم
بعينين غاضبتين.

في الثمانينيات،
حين كان رمضان يهبط على الأزقة الفقيرة
مثل فانوسٍ متعب،
قررتُ أن أصوم.

جارتنا سليمة
كانت تقول لي دائمًا:
الله يراك.

وكانت تقولها
بينما كنتُ أحدّق، بخجلٍ مرتبك،
في فتحة ثوبها
وأرى انطباق لحمٍ دافئ
لم أفهمه يومها،
لكن قلبي الصغير
كان يرتجف نحوه
كعصفورٍ مبتل.

كنتُ أهرب من عيني أمي،
أمشي على أطراف الجوع،
وأفتح الثلاجة بحذر اللصوص،
أسرق قضمةً من رگيّة باردة
وألتهمها بسرعة
كأنني أخفي جريمة عن السماء.

بعد الإفطار
كنتُ أذهب إلى بيت سهيلة.

كانت تُعدُّ عصير نومي بصرة،
وأنا أراقب يديها
وهما تتحركان في الضوء
مثل قطعتَي گيمرٍ طريّتين.

كنتُ أعود إلى البيت
مثقلًا بالاستغفار،
أستغفر الله
لأنني أبصبص إلى جاراتنا الجميلات،
لكن الله، في رأسي الصغير،
كان يغفر سريعًا
للأطفال
وللقلوب التي لم تتعلم بعد
كيف تخفي دهشتها.

وحين أستغفر
كانت سميرة تطلُّ فجأةً في ذاكرتي،
سميرة التي يقع بيتها
في الركن الهادئ من الشارع،
هكذا كنا نسميه.

كانت بيضاء
كأنها خارجة من ثلجٍ لا يذوب.

قلتُ لها مرةً
وهي تصنع كليچة العيد:
هذه الكليچة تشبهكِ.

ضحكت،
وفرحت كأن أحدًا
أهدى إليها العالم.

أعطتني عشر كليچات
محشوة بالمبروش
وقبلةً على الخد.

وقبل أن يعلن العيد نفسه
جلستُ وحدي
أستغفر الله مرةً أخرى،
لأنني نظرتُ إلى زندي سميرة
بنظرةٍ
ربما لم تكن ربانية بما يكفي.

في صباح العيد
كان عمري عشر سنوات فقط،
وكنتُ أدخل بيوت الجارات
دون استئذان،
كأن البيوت كلها
بيتنا.

قبّلتني سميرة
وأعطتني دراهم معدودة،
كانت شفتاها باردتين
بفعل مبردة الهواء
التي جلبها زوجها
موظف شركة نفط الجنوب.

ثم ذهبتُ إلى سهيلة.

حضنتني بيديها البيضاوين،
وكان عطرها
ألذّ من العيد نفسه.

وفي آخر الشارع
كانت لميعة.

كنتُ أخاف زوجها،
قالت لي أمي يومًا
إنه من حزب الدعوة،
وكان اسم الحزب يومها
يشبه بابًا مغلقًا
في وجه الأطفال.

ذهبتُ إليها بخوف،
أدخلتني بيتها،
كان البيت صامتًا
كأنه يخفي سرًا.

أعطتني دينارًا
وهمست في أذني:
لا تقل لأحد.

خرجتُ.

كانت الشمس قوية
إلى درجة أن الشارع كله
بدا كأنه يحترق ببطء.

رفعتُ رأسي إلى الأفق،
وظننتُ أنني رأيت الله
يمشي بعيدًا
بين الضوء والغبار.

عدتُ إلى البيت.

كان السكون يملأ المكان
مثل صلاةٍ قديمة.

رأيتُ الله أخيرًا
في يدي أمي
وهي تحتضن وجهي
وتقول لي:

كلُّ عامٍ
وأنتَ بخير.



#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأنثى والحرب
- مجرد فضفضة
- الأسبقية العراقية
- هيو إيفريت الثالث: الرجل الذي حوّل الاحتمال إلى عوالم كاملة
- المشكلة العراقية: سماء الآخر ومظلة الوطن
- العقل والعالم
- من مركزية الإنسان إلى تفكيك الذات
- “علي” في تاريخ الحكم في العراق
- إنسان ما بعد الحداثة: قراءة في كتاب الدكتور أحمد جعيب كاظم.
- النقد بين ثقافتين
- في اليوم العالمي للكتاب
- عطسة تشرشل
- المخابرات العراقية / شهادة منقوصة
- أنا والبحرين
- ريلكه / شاعر العدم وإشراقات الوجود الخاطفة
- شئ عن التاريخ
- اختراع اللغة العبرية
- اسمي رياض
- العدوى المقدسة
- عن مفصل جواد علي


المزيد.....




- -عار على مصر-.. أزمة حادة وتراشق بين نقيب الموسيقيين وناقد ف ...
- سطو جريء في فيينا.. سرقة -عقد الملكة نازلي- التاريخي في وضح ...
- الممثلة التونسية سوسن معالج: -السينما والصورة والكلمة الحرة ...
- بوق الجلاد لن يمثل الضحية.. -أبو أصيل- يحاكم فناني نظام الأس ...
- الفنانة السورية فايا يونان تعلن خطوبتها: -أجمل من أي صورة رس ...
- زاخاروفا تعليقا على حفل كاني ويست: أبواب روسيا مفتوحة لجميع ...
- التربية السورية توضح آلية تدريس اللغة الكردية.. تفاعل متباين ...
- من ساحات الحرب إلى عامه الـ105.. حكاية بطل روسي شهد قرنا من ...
- -كأن شيئاً لم يكن-.. قراءة في تجربة مسرحية مصرية تمزج بين تش ...
- السعودية حاضرة بقوة.. 10 آلاف شاب من 191 دولة يشاركون في مهر ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض قاسم حسن العلي - الله في يوم العيد