رياض قاسم حسن العلي
الحوار المتمدن-العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 22:16
المحور:
الادب والفن
أنهيت قراءة المجموعة القصصية "صانع الحلوى" لأزهر جرجيس في جلسة واحدة، وربما كان ذلك ممكنًا بسبب قصر النصوص أكثر مما هو نتيجة لقدرتها على شدّي كقارئ. فالمجموعة، على امتداد صفحاتها، تدور في الفضاء نفسه الذي استهلكه السرد العراقي خلال العقدين الأخيرين: الحرب، والموت، والوطن المفقود، والخراب الإنساني. وهي موضوعات ما تزال قادرة على إنتاج أدب كبير، لكن بشرط أن تُقدَّم برؤية جديدة أو معالجة فنية مختلفة، وهو ما لم يتحقق في معظم نصوص هذه المجموعة.
يمكن النظر إلى القصة القصيرة بوصفها أحد أكثر الأجناس الأدبية قدرة على الوصول إلى القارئ المعاصر، ولا سيما القارئ الذي لا يمتلك الوقت الكافي لمتابعة الأعمال السردية الطويلة. فهي فن يقوم على التكثيف والاقتصاد اللغوي والقدرة على اقتناص لحظة إنسانية أو اجتماعية أو نفسية محددة، ثم تقديمها في بناء فني محكم خلال مساحة محدودة من النص. ولهذا اكتسبت القصة القصيرة انتشاراً واسعاً منذ القرن التاسع عشر، إذ وجدت طريقها إلى المجلات والصحف الدورية التي كانت تبحث دائماً عن نصوص يمكن قراءتها في جلسة واحدة، وهو ما أسهم في ازدهار هذا الفن وانتشاره بين شرائح واسعة من القراء.
ومع أن وصف القصة القصيرة بأنها "أدب استهلاكي" قد يبدو قاسياً أو غير دقيق من الناحية النقدية، فإنها بالفعل ارتبطت تاريخياً بالنشر الدوري أكثر من ارتباطها بالكتاب المستقل. فقد كانت الصحف والمجلات في العالم العربي، كما في أوروبا وأمريكا، المنصة الأساسية التي احتضنت هذا الفن في بداياته. غير أن هذا الارتباط لم ينتقص من قيمتها الفنية، إذ إن كثيراً من أعظم الأعمال القصصية في العالم نُشرت أولاً في الصحف قبل أن تجمع لاحقاً في كتب. والأمر نفسه ينطبق على الأدب العربي والعراقي، حيث ظهرت معظم القصص الأولى في الدوريات الثقافية والصحف قبل أن تصدر في مجموعات قصصية مستقلة.
ومن الملاحظ أن المجموعة القصصية التقليدية، كما عرفها القراء خلال معظم القرن العشرين، كانت تقوم على مبدأ التنوع. فالقاص يجمع عدداً من النصوص التي تختلف في موضوعاتها وشخصياتها وأمكنتها وأزمنتها، بينما يوحد بينها أسلوب الكاتب ورؤيته الفنية العامة لا أكثر. لذلك نجد أن رواد القصة العراقية لم يكونوا في الغالب معنيين بجعل جميع قصص المجموعة تدور حول ثيمة واحدة أو قضية واحدة.
فعند قراءة أعمال فؤاد التكرلي القصصية، أو عبد الملك نوري، أو غائب طعمة فرمان، نلاحظ حضور تنوع واضح في الموضوعات والرؤى والشخصيات. كانت هناك قصص اجتماعية ونفسية وواقعية وأخرى ذات أبعاد رمزية، ولم يكن ثمة التزام صارم بمحور موضوعي واحد يجمع نصوص المجموعة كلها. والأمر ذاته يمكن ملاحظته لدى أجيال لاحقة مثل عبد الستار ناصر ومحمد خضير وغازي العبادي، إذ ظلت المجموعة القصصية لديهم فضاءً للتجريب والتنوع واستعراض إمكانات السرد المختلفة أكثر من كونها مشروعاً موضوعياً مغلقاً.
غير أن المشهد السردي العربي والعالمي شهد خلال العقود الأخيرة اتجاهاً متزايداً نحو ما يُعرف بـ"المجموعة القصصية المترابطة" أو "المجموعة ذات الثيمة الواحدة". وفي هذا النوع يسعى الكاتب إلى جعل القصص تدور حول قضية مركزية مشتركة، كالحرب أو المنفى أو المدينة أو الذاكرة أو الطفولة، مع احتفاظ كل قصة باستقلالها الفني. وقد تأثر بعض الكتاب العرب بهذا الاتجاه الذي انتشر في الأدب العالمي، فأصبحت بعض المجموعات تُبنى بوصفها مشروعاً فكرياً أو موضوعياً متكاملاً، لا مجرد تجميع لنصوص متفرقة كُتبت في أزمنة مختلفة.
ومن هنا يبرز سؤال نقدي مشروع: ما الذي يدفع بعض القاصين المعاصرين إلى حصر مجموعاتهم في ثيمة واحدة؟ هل يعود ذلك إلى الرغبة في منح الكتاب وحدة عضوية أشد تماسكاً؟ أم إلى محاولة استكشاف موضوع محدد من زوايا متعددة؟ أم أنه انعكاس لتحولات الواقع نفسه، بحيث تفرض قضايا كالحروب والهجرة والعنف حضورها الطاغي على خيال الكاتب فلا يجد نفسه معنياً بالابتعاد عنها؟
مهما تكن الإجابة، فإن التجربة العراقية تحديداً تقدم نموذجين متوازيين؛ نموذجاً تقليدياً يقوم على التنوع الواسع في الموضوعات داخل المجموعة الواحدة، وهو ما نجده لدى كثير من الرواد، ونموذجاً أحدث يميل إلى التركيز على ثيمة مركزية واحدة تتفرع عنها بقية النصوص. ولا يمكن الجزم بأفضلية أحد النموذجين على الآخر، لأن القيمة الفنية تتحدد بمدى نجاح الكاتب في تحويل تجربته الإنسانية إلى نصوص تمتلك العمق والجمال والقدرة على التأثير. فالمجموعة المتنوعة قد تبدو أحياناً أكثر ثراءً واتساعاً، بينما قد تمنح الثيمة الواحدة للمجموعة قدراً أكبر من التماسك والوحدة الفنية إذا أحسن الكاتب استثمارها ، لكني أميل إلى التنوع .
----------
أول ما يلفت الانتباه في مجموعة أزهر هو اختيار عنوان "صانع الحلوى" عنوانًا للمجموعة، مع أن القصة التي تحمل هذا الاسم تبدو من أضعف نصوص الكتاب فنيًا ودلاليًا. فلا هي تمثل ذروة التجربة السردية في المجموعة، ولا هي الأكثر قدرة على التعبير عن عالمها العام، الأمر الذي يجعل اختيارها عنوانًا للمجموعة موضع تساؤل.
لم أجد بين نصوص المجموعة سوى عدد محدود من القصص التي استطاعت أن تحقق أثرًا جماليًا حقيقيًا. أما بقية النصوص فقد بدت متفاوتة المستوى، وبعضها يعاني من ترهل في البناء أو من نهايات متوقعة أو من اعتماد مفرط على الفكرة المباشرة على حساب التشكيل الفني. والأهم من ذلك أن عددًا من القصص لا يقدم إضافة واضحة إلى السرد العراقي الذي تناول الحرب والعنف، حيث يعيد تدوير موضوعات وصور سبق أن عالجتها أعمال أخرى بكفاءة أعلى وجرأة أكبر.
تظل قصة "وجه النحس" الاستثناء الأبرز في المجموعة. فهي قصة تمتلك عالمًا روائيًا كاملًا وشخصيات وأحداثًا وحمولة إنسانية تجعلها أكثر النصوص اكتمالًا ونضجًا ، فقد نجح الكاتب في تكثيف مادة سردية واسعة داخل نص قصير دون أن يفقدها حيويتها أو تأثيرها. ولو أعيد تطوير هذه المادة لكانت قادرة على أن تتحول إلى رواية متميزة.
كما أن قصة "انفجار" تُعد من النصوص الجيدة في المجموعة، وإن كانت تستند إلى تقنية سردية ليست جديدة، تتمثل في منح الصوت السردي لمن تجاوز حدود الواقع أو الموت. وهي تقنية عرفتها الرواية العالمية والعربية منذ عقود كما فعل باموق في "اسمي احمر" ، ولذلك فإن قيمة النص لا تكمن في فكرته بقدر ما تكمن في طريقة تنفيذها.
أما قصة "الحضن البارد" ، فإن خاتمتها وحدها تكاد تتفوق على معظم ما سبقها من نصوص. ففي تلك الفقرة الأخيرة يبلغ السرد درجة عالية من الكثافة والتأثير، وكأن الكاتب ادخر أجمل ما لديه للحظاته الأخيرة.
لا أنكر أن في ثنايا النصوص عبارات ولقطات في غاية الروعة، وهي تسخر من الوجع العراقي.
------------
الملاحظة الأهم في المجموعة تتعلق باستخدام الفنتازيا والغرائبية. فهذه العناصر تبدو في كثير من الأحيان أداة جاهزة تُستدعى لإنتاج الدهشة. ولهذا جاءت الغرائبية مكشوفة ومفتعلة أحيانًا، وفقدت قدرتها على الإقناع الجمالي. وكان بالإمكان أن تحقق القصص أثرًا أقوى لو اعتمدت على منطقها الواقعي وتركت الوقائع نفسها تنتج غرابتها الخاصة ، لذلك فإن النصوص الواقعية في هذه المجموعة أفضل بكثير من تلك المغطاة بالفانتازيا.
ورغم أن النسخة التي قرأتها هي الطبعة الثالثة المنقحة والمزيدة، فإن عددًا من النصوص ما يزال بحاجة إلى مراجعة فنية أكثر صرامة. وهذا ما يجعل الفارق واضحًا بين هذه المجموعة وبين رواية "النوم في حقل الكرز" لنفس الكاتب التي أراها عملًا أكثر نضجًا وتماسكًا من حيث البناء والرؤية والأسلوب.
لقد اشتريت هذه المجموعة مدفوعًا بقدر غير قليل من الحماس الذي صنعته الآراء المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي. لكن القراءة الفعلية كشفت لي مرة أخرى عن المسافة الكبيرة التي قد تفصل بين الضجيج الإعلامي والقيمة الأدبية الحقيقية.
ولا يمكن قراءة هذه المجموعة بمعزل عن السياق الأوسع للسرد العراقي بعد عام 2003. فقد أتاحت التحولات السياسية هامشًا واسعًا للكتابة عن المسكوت عنه، غير أن هذا الهامش نفسه أنتج وفرة من النصوص التي استهلكت الموضوعات ذاتها حتى كادت تتحول إلى قوالب جاهزة. ومن هنا تبدو الحاجة اليوم أقل إلى المزيد من الكتابة عن الحرب، وأكثر إلى البحث عن طرائق جديدة لرؤيتها وتمثيلها فنيًا.
#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟