أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رياض قاسم حسن العلي - فتاة التانكي














المزيد.....

فتاة التانكي


رياض قاسم حسن العلي

الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 22:47
المحور: قضايا ثقافية
    


لم أحب رواية "التانكي" لعالية ممدوح، الصادرة عن منشورات المتوسط عام 2019، على الرغم من تميزها وفرادة أسلوبها. وربما كانت الرواية، في بعض جوانبها، تذكّرني بطريقة محمد خضير في "بصرياثا"، حيث يتحول المكان من مجرد خلفية للأحداث إلى كائن حيّ، له ذاكرته وأشباحه وأصواته الخاصة. ومع ذلك، فإن ما أعاد الرواية إلى ذاكرتي ليس الرواية نفسها بقدر ما حدث لاحقًا في شارع التانكي.
كان شارع التانكي، في منطقة الداوودي بالمنصور، منطقة سكنية هادئة، وقد أخذ اسمه من ذلك الخزان الإسمنتي الكبير الذي كان يُستخدم قديمًا لإيصال المياه إلى المناطق السكنية، قبل أن تصل المضخات إلى البيوت، وقبل أن تتحول المياه في أرض الرافدين إلى أزمة دائمة. ومثل هذا التانكي كان موجودًا، بأشكال مختلفة، في معظم المدن والمحافظات العراقية.
لكن الشارع، شأنه شأن كثير من شوارع بغداد بعد 2003، غيّر جلده تمامًا. تحولت البيوت والمساحات السكنية إلى مطاعم ومقاهٍ ومحال فاخرة، وبدأ يرتادها نوع جديد من الأثرياء؛ أثرياء العراق الجديد، الذين وجدوا في هذه الأمكنة مسارح مناسبة لعرض ثرواتهم وحياتهم الجديدة. أما أثرياء ما قبل 2003، فكانت لهم أمكنتهم الليلية الخاصة، وعالمهم المغلق الذي لم يكن يحتاج إلى كثير من الإعلان.

في شارع التانكي، وفي الأربعة شوارع يبدو المشهد أحيانًا كأنه سباق محموم بين الجميع: سباق في السيارات، والملابس، والهواتف، والمال، وحتى في القدرة على جذب الآخر. الشباب والنساء معًا يدخلون في لعبة اجتماعية معقدة، يحاول فيها كل طرف أن يكتشف ما الذي يملكه الآخر وما الذي يمكن أن يحصل عليه منه. كأن الشارع تحول إلى سوق مفتوحة للرغبات، لا تُعرض فيه البضائع على الأرصفة فحسب، وإنما تُعرض فيه أيضًا صورة الإنسان عن نفسه.
ولعل هذه المقاهي الليلية تشبه، من زاوية ما، الملاهي التي أُغلقت تباعًا بفعل الظروف الأمنية والاجتماعية الجديدة؛ تلك الملاهي التي كانت تنتشر خصوصًا في جانب الرصافة، بينما بقي بعضها في جانب الكرخ. وهي مفارقة عراقية بامتياز: أن تختفي أماكن الليل رسميًا، ثم يعود الليل نفسه متخفيًا في هيئة كوفي شوب أنيق، وإضاءة خافتة، وسيارات فارهة مصطفة أمام الباب.
والمسألة، في جوهرها، ليست عراقية تمامًا كما قد نتوهم. إنها أقدم من بغداد، وأقدم من الدولة، وربما أقدم من اللغة نفسها. الإنسان، منذ أن عرف الرغبة، لم يتوقف عن البحث عن الآخر عبر مجموعة من العلامات: المال، والقوة، والشجاعة، والجمال، والجاذبية الجنسية، والمكانة الاجتماعية. تختلف المجتمعات في طريقة التعبير عن هذه الرغبات، لكنها لا تختلف كثيرًا في جوهر اللعبة.
المال، خصوصًا، يستطيع أن يختصر الطريق إلى كثير من الأشياء. فمن يمتلكه يستطيع أن يشتري السيارة التي تلفت الأنظار، والملابس التي تصنع حضورًا، والمكان الذي يمنحه هيئة مختلفة، وربما يستطيع، في بعض البيئات، أن يجعل من نفسه أكثر جاذبية مما هو عليه في الواقع. وليس غريبًا أن تنقلب نظرة الآخر إلى الإنسان بمجرد أن تتغير العلامات المحيطة به؛ فالسيارة الفاخرة، والساعة الغالية، والمطعم الباذخ، قد تقول أحيانًا ما تعجز الملامح عن قوله.
أما الرجل، فيدخل هذه اللعبة محاولًا إظهار ما يعتقد أنه مصدر قوته: المال أولًا، ثم الشجاعة والمكانة والحضور الجسدي. وكلما زاد المال، اتسعت أمامه الخيارات، وتحولت العلاقات، في بعض الحالات، إلى ما يشبه سوقًا للمنافع المتبادلة، حيث لا يعود واضحًا أين تنتهي الرغبة وأين تبدأ الصفقة.

ولا ينبغي أن نتعامل مع هذا بوصفه ظاهرة شرقية خالصة؛ فهذه اللعبة البشرية موجودة في المجتمعات كلها، وإن اختلفت الأقنعة واللغة والحدود الأخلاقية التي تحيط بها. الإنسان هو الإنسان، سواء كان في شارع التانكي أو في شارع من شوارع باريس أو لندن أو نيويورك. وما يتغير هو الديكور فقط.
ومن هنا، أتذكر فتاة التانكي، صاحبة الثوب الأحمر الجميل.
بدت لي، وهي تخرج من أحد المقاهي الليلية التي يمتد سهرها حتى ساعات الفجر، كأنها خرجت للتو من مسرح صغير انتهى عرضه، لكن الجمهور لم يغادر بعد. كانت السيارات مصطفة، والوجوه تتبادل النظرات، وكل واحد يحاول أن يعرف موقعه في هذه اللعبة الليلية.
في تلك اللحظة، بدا شارع التانكي كله أشبه بكائن واحد ضخم تحركه غريزة قديمة، غريزة بدأت منذ اكتشف آدم وحواء معنى الجسد، ومنذ صار الإنسان يرى في الآخر موضوعًا للرغبة، ومجالًا للاختيار، وأحيانًا غنيمة.
كان يمكن للشارع كله أن يتحول، في مخيلتي، إلى معمل هائل للرغبة: ملايين الحيوانات المنوية تتحرك حول بويضة واحدة، وكل حيوان يبحث عن احتماله الآخر.
فتاة واحدة، بثوب أحمر، وسط عشرات الرجال.
رجال كثيرون، وامرأة واحدة تبدو كأنها البويضة الوحيدة في هذا الشارع الطويل.
وفي النهاية، كما يحدث دائمًا في الطبيعة، يفوز واحد.
أما الباقون، فلا يحصلون إلا على تلك الحركة الإصبعية التي تقول لهم، من دون حاجة إلى كلام: ليس أنتم.
وهكذا يعود شارع التانكي إلى مكانه القديم؛ مجرد شارع.
لكن بعد أن يكون الليل قد ترك عليه، مرة أخرى، آثار اللعبة البشرية القديمة.



#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من يحدد نجاح الفنان أو الأديب؟
- رأي في الشعر الشعبي
- ملاحظات نقدية على مجموعة صانع الحلوى لأزهر جرجيس
- قلق المبدع
- الله في يوم العيد
- الأنثى والحرب
- مجرد فضفضة
- الأسبقية العراقية
- هيو إيفريت الثالث: الرجل الذي حوّل الاحتمال إلى عوالم كاملة
- المشكلة العراقية: سماء الآخر ومظلة الوطن
- العقل والعالم
- من مركزية الإنسان إلى تفكيك الذات
- “علي” في تاريخ الحكم في العراق
- إنسان ما بعد الحداثة: قراءة في كتاب الدكتور أحمد جعيب كاظم.
- النقد بين ثقافتين
- في اليوم العالمي للكتاب
- عطسة تشرشل
- المخابرات العراقية / شهادة منقوصة
- أنا والبحرين
- ريلكه / شاعر العدم وإشراقات الوجود الخاطفة


المزيد.....




- ترامب: المفاوضات مع إيران جارية مثل لعبة الشطرنج
- سوريا.. ازدحام لدى إغلاق معبر إعزاز وسط مخاوف المواطنين على ...
- اليمن: هل يعود شبح الحرب من جديد مع تجدد المواجهات العسكرية؟ ...
- التصعيد الحوثي في اليمن ـ جبهة حرب جديدة للضغط لصالح إيران؟ ...
- مقترح تركي لحماية الملاحة بالبحر الأسود
- رئيس صربيا يتهم الاتحاد الأوروبي بشن -حرب هجينة- على روسيا
- حزب الله يتهم إسرائيل بتنفيذ عملية إبادة من نوع مختلف في جنو ...
- القبض على مصري خلال هروبه من الكويت بعد ارتكابه جرائم مروعة ...
- زاخاروفا: اليابان تهين نفسها بتجاهل من ألقى القنابل الذرية ع ...
- إيران تمضي بمشروع لحظر عبور سفن أمريكية وإسرائيلية مضيق هرمز ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رياض قاسم حسن العلي - فتاة التانكي