أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض قاسم حسن العلي - بين حميد قاسم وعبد العظيم فنجان















المزيد.....

بين حميد قاسم وعبد العظيم فنجان


رياض قاسم حسن العلي

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 17:38
المحور: الادب والفن
    


ما كتبه حميد قاسم عن عبد العظيم فنجان أعاد إلى ذهني مسألة قديمة ظلت ترافقني طويلاً في علاقتي بالشعراء والكتّاب: أين ينتهي الشاعر ويبدأ الإنسان؟ وهل نستطيع أن نقرأ القصيدة بعيداً عن صاحبها، أم أن معرفة حياة الشاعر وعيوبه وتناقضاته تجعلنا نعيد قراءة النص بطريقة مختلفة؟
كنت، في بدايات علاقتي بالشعر، أتعامل مع الشاعر بطريقة تكاد تقترب من التقديس.
كنت أظن أن الشاعر إنسان مختلف عن بقية البشر، وأن امتلاكه هذه القدرة الغريبة على تحويل الألم إلى كلمات، والحب إلى استعارة، والحياة إلى موسيقى، لا بد أن تعني أن في داخله شيئاً استثنائياً يتجاوز الإنسان العادي.
ربما لهذا السبب كنت أشعر، وأنا أقرأ المتنبي والبحتري والجواهري وعبد المحسن الكاظمي والسياب وسعدي يوسف، بأن الشاعر كائن يقترب من النبوة.
لم تكن النبوة عندي آنذاك بالمعنى الديني بالطبع، وإنما بالمعنى الذي يجعل الشاعر شخصاً يمتلك حساسية استثنائية تجاه العالم، يرى ما لا نراه، ويقول ما نعجز نحن عن قوله، ويمنح الأشياء أسماءها التي لم نكن نعرفها.
كنت أقرأ القصيدة وأرى خلفها إنساناً كبيراً.
ثم بدأت أقرأ السير.
وهنا بدأت الصورة تتصدع.
اكتشفت أن الشاعر الذي يبدو في القصيدة نبيلاً، رقيقاً، عاشقاً، متسامحاً، متألماً من أجل الآخرين، قد يكون في حياته اليومية شخصاً آخر تماماً؛ فيه الغرور، والأنانية، والضعف، والحسد، والنزق، والخصومة، وربما الخيانة أيضاً.
اكتشفت أن الإنسان الذي يكتب عن الحرية قد لا يكون حراً في علاقاته، وأن الذي يكتب عن العدالة قد يظلم من حوله، وأن الذي يكتب عن الحب العظيم قد يكون عاجزاً عن ممارسة الحب في حياته اليومية.
وبدأت أقرأ النص وفي ذهني سيرة صاحبه.
وهذه كانت لحظة مهمة في علاقتي بالقراءة.
لم تعد القصيدة وحدها أمامي.
صار الشاعر يقف خلفها.
وصارت هناك صورتان متجاورتان: صورة الشاعر الذي صنعته القصيدة، وصورة الإنسان الذي صنعته الحياة.
ومن هنا بدأ السؤال الذي ما زلت لا أملك له جواباً نهائياً: هل يمكن لشاعر أن يقنعني بجمال ما يكتبه، بينما أعرف عنه ما يجعلني عاجزاً عن الإعجاب بالإنسان الذي كتب؟
أحياناً أقول: نعم.
فالقصيدة ليست شهادة حسن سلوك.
والرواية ليست صحيفة سوابق.
والفن لا يشترط أن يكون صاحبه قديساً.
وربما كان من الخطأ أصلاً أن نطلب من الفنان أن يكون مطابقاً لما يكتبه.
فالإنسان كائن متناقض، والفنان ليس استثناءً من هذه القاعدة.
لكن هناك حالات أخرى يصبح فيها الأمر أكثر تعقيداً.
حين يكون الشاعر شديد الشفافية، ويقدم نفسه في قصائده عارياً تقريباً من كل الأقنعة، ويحوّل حياته الخاصة إلى مادة شعرية، فإن الفصل بين الإنسان والنص يصبح أكثر صعوبة.
الشاعر هنا لا يقول لنا فقط: اقرأوا قصيدتي.
إنه يقول بطريقة أو بأخرى: هذا أنا.
وحين يقول لنا هذا أنا، فإننا نبدأ، من حيث لا ندري، في مقارنة ما يقوله في القصيدة بما نعرفه عنه خارجها.
هنا تصبح القصيدة نوعاً من الاعتراف.
وكلما ازدادت شفافية الشاعر، ازدادت مسؤولية القارئ في التعامل مع هذا الاعتراف.
وربما لهذا السبب أعادتني الكتابة عن عبد العظيم فنجان إلى هذه المسألة.
فأنا لا أريد أن أبحث عن قديس خلف الشاعر.
ولا أريد أن أبحث عن شيطان.
أريد فقط أن أعرف: ماذا يحدث للنص حين أعرف الإنسان الذي كتبه؟
هل ينقص النص شيء؟
هل يزداد؟
هل يتغير؟
أم أن النص، بعد أن يغادر صاحبه، يصبح كائناً مستقلاً عنه؟
لا أعرف.

في شبابي كنت أعتقد أن الشاعر ينبغي أن يكون عظيماً مثل شعره.
كنت أتصور أن من يستطيع أن يكتب بيتاً يهزني من الداخل لا بد أن يكون في حياته إنساناً عظيماً بالقدر نفسه.
لكن القراءة الطويلة علمتني شيئاً مختلفاً.
الشعر قد يكون أرقى من صاحبه.
والكتاب قد يكون أجمل من كاتبه.
والقصيدة قد تكون أكثر صدقاً من الشاعر نفسه.
وربما هذه واحدة من غرائب الأدب.
أن يستطيع الإنسان أن يصنع شيئاً أجمل منه.
قد يكتب عن التسامح وهو غير متسامح.
وقد يكتب عن الفقر وهو لم يعرف الفقر.
وقد يكتب عن المظلومين وهو لا يستطيع أن يرى مظلوماً قريباً منه.
وقد يكتب عن الحب بطريقة تجعل ملايين القراء يؤمنون بالحب، بينما هو نفسه عاجز عن الحفاظ على علاقة إنسانية بسيطة.
هل يجعل هذا شعره كاذباً؟
لا أظن.
فالإنسان لا يكتب دائماً ما يعيشه؛ أحياناً يكتب ما يتمنى أن يكونه.
وهنا ربما تكمن قيمة الشعر.
قد لا يكون الشاعر شاهداً على نفسه بقدر ما يكون شاهداً على الإنسان الذي يريد أن يصير إليه.

لكنني لا أستطيع أيضاً أن أذهب إلى الطرف الآخر وأقول إن سيرة الكاتب لا علاقة لها بالنص إطلاقاً.
هذا أيضاً تبسيط.
هناك كتاب تصبح سيرتهم جزءاً من تجربة قراءة أعمالهم.
حين نعرف حياة السياب، مثلاً، لا تعود بعض قصائده كما كانت قبل معرفة مرضه وفقره واغترابه وصراعه مع الحياة.
وحين نقرأ سعدي يوسف، فإن معرفتنا بمواقفه وتحولاته السياسية والشخصية تجعلنا نعيد النظر في بعض نصوصه، حتى لو لم نكن نتفق مع صاحبها.
وحين نقرأ المتنبي، فإن شخصية الرجل وطموحه وغروره وعلاقته بالسلطة وحياته السياسية لا تختفي تماماً عندما نفتح ديوانه.
لكنها لا ينبغي أن تصبح سجناً للنص أيضاً.
فالقصيدة أكبر من صاحبها أحياناً.
وهذه هي المفارقة.
نحن نعرف الشاعر لكي نفهم القصيدة أكثر، ثم نحتاج أحياناً إلى أن ننسى الشاعر لكي نستطيع قراءة القصيدة من جديد.

ربما كان النفري والرومي من الاستثناءات التي تجعلني أتوقف طويلاً.
لا لأنني أريد أن أصنع منهما قديسين، فهذا أمر لا أستطيع إثباته ولا أريده، وإنما لأن العلاقة بين تجربتهما الروحية وما كتباه تبدو مختلفة عن كثير من النماذج الأدبية التي نعرفها.
في بعض النصوص الصوفية أشعر أن الكاتب لا يحاول أن يقدم نفسه باعتباره بطلاً.
بل يكاد يتوارى.
هناك شيء مختلف في العلاقة بين الذات والنص.
الذات لا تقف دائماً في الواجهة لتقول: انظروا إليّ.
لكن يبدو أنها تحاول أن تتجاوز نفسها.
وربما لهذا السبب بقيت نصوص مثل نصوص النفري والرومي قادرة على الوصول إلى قارئ لا يعرف تفاصيل حياتهما كلها.
إنها لا تطلب منه أن يحب صاحبهما أولاً كي يحب النص.
وهذا أمر نادر.

أنا في النهاية قارئ بسيط.
لا أمتلك رغبة في صناعة أصنام أدبية.
ولا أريد أن أعرف الكاتب بوصفه إنساناً كاملاً.
وربما لم يعد يعنيني ذلك أصلاً.
كل ما أريده أن أقرأ نصاً يجعلني أتوقف.
نصاً يجعلني أعود إليه.
نصاً يضيف شيئاً إلى حياتي.
أما الكاتب، فهو إنسان مثلنا، يحمل ضعفه وتناقضاته ورغباته وأخطائه.
وقد يكون أجمل ما في الأدب أن نتخلص أخيراً من الوهم القديم الذي يجعل الشاعر كائناً فوق البشر.
الشاعر ليس نبياً.
وليس قديساً.
وليس بالضرورة إنساناً أفضل منا.
إنه إنسان آخر، لكنه يمتلك قدرة نادرة على تحويل جزء من إنسانيته إلى لغة.
وربما تكون هذه القدرة وحدها كافية.
لذلك، كلما قرأت اليوم شاعراً، أحاول أن أفصل بين سؤالين:
من هو هذا الإنسان.
وماذا فعلت قصيدته بي؟
قد تكون الإجابة عن السؤال الأول مؤلمة، أو مخيبة، أو حتى صادمة.
لكن الإجابة عن السؤال الثاني قد تبقى جميلة.
وهذا هو التناقض الذي لم أجد له حلاً حتى الآن:
قد لا أحب الشاعر الإنسان، لكنني أحب قصيدته.
وقد أختلف مع سيرته، لكنني أعود إلى شعره.
وقد أسقط الصورة التي صنعتها عنه، دون أن أسقط النص.
وربما هذا هو النضج الحقيقي في القراءة: أن نتوقف عن البحث عن القديس خلف القصيدة، وأن نترك القصيدة تدافع عن نفسها.
فالأديب، بمعناه الإنساني الكامل، صفة نادرة.
أما الكاتب، فكثير.
والشاعر كثير.
لكن الإنسان الذي يتطابق فيه ما يكتب مع ما يعيش، والذي لا يحتاج إلى قناع أدبي كي يبدو جميلاً، فهذا هو الذي أصبح نادراً في عالمنا.
وربما لهذا السبب ظل النفري والرومي يبدوان لي، حتى الآن، قريبين من ذلك الاستثناء الغامض الذي لا أستطيع تفسيره تماماً.
لا أعرف.
وربما أجمل ما في القراءة أن تبقى بعض الأسئلة بلا إجابة.



#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في قصيدة “خبز أمّي في الجنّة”
- من وهم الشعر إلى غواية النقد
- فتاة التانكي
- من يحدد نجاح الفنان أو الأديب؟
- رأي في الشعر الشعبي
- ملاحظات نقدية على مجموعة صانع الحلوى لأزهر جرجيس
- قلق المبدع
- الله في يوم العيد
- الأنثى والحرب
- مجرد فضفضة
- الأسبقية العراقية
- هيو إيفريت الثالث: الرجل الذي حوّل الاحتمال إلى عوالم كاملة
- المشكلة العراقية: سماء الآخر ومظلة الوطن
- العقل والعالم
- من مركزية الإنسان إلى تفكيك الذات
- “علي” في تاريخ الحكم في العراق
- إنسان ما بعد الحداثة: قراءة في كتاب الدكتور أحمد جعيب كاظم.
- النقد بين ثقافتين
- في اليوم العالمي للكتاب
- عطسة تشرشل


المزيد.....




- من البرج إلى الجبل.. هل نجا فيلم -سقوط 2- من فخ التكرار؟
- من يصنع الأدب اليوم.. الكاتب أم الذكاء الاصطناعي؟
- -قصر العظم- يتصدر جوائز الإعلام السوري في المهرجان العربي بت ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- قابلوا -الليمور المغنّي-.. كيف يستخدم تقنيات الأوبرا لصنع ال ...
- معاونة وزير الثقافة السورية تكشف عن تعرضها لتهديدات ومضايقات ...
- أمازونيات الطليعة الروسية.. أربع فنانات يستعدن حضورهن على ال ...
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- 186 سلالة و852 شخصية.. أطلس رقمي يعيد رسم التاريخ الإسلامي
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض قاسم حسن العلي - بين حميد قاسم وعبد العظيم فنجان