|
|
الإرهاب لا يبدأ من الضغط على الزناد
مدحت قلادة
الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 13:26
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مصر حين تقتل الفكرةُ الإنسانَ قبل أن تقتله الرصاصة
الإرهاب لا يبدأ من الضغط على الزناد.
في مصر، الضغط على الزناد هو اللحظة الأخيرة فقط؛ اللحظة التي يظهر فيها القاتل أمام الكاميرات، بينما تختفي خلفه سنوات طويلة من صناعة العقل الذي أقنعه بأن قتل إنسان يمكن أن يكون فعلًا مشروعًا.
الزناد لا يصنع الإرهابي.
الزناد يكشفه.
أما صناعة الإرهابي فتبدأ قبل ذلك بكثير: في بيت مصري، في مدرسة مصرية، في خطاب ديني، في كتاب، في مجتمع، وفي ثقافة تستطيع أن تجعل الإنسان يرى المختلف أقل قيمة منه.
وهنا تبدأ الكارثة.
مصر: قبل أن تصل اليد إلى الزناد
في مصر، لا يستطيع الإنسان عادةً أن يقتل من يراه إنسانًا كاملًا مثله.
لذلك فإن أول خطوة نحو العنف ليست إعطاء الطفل سلاحًا، بل تعليمه أن البشر درجات.
أن هذا مؤمن وذاك كافر.
أن هذا من أهل الحق وذاك من أهل الضلال.
أن هذا أقرب إلى الله وذاك أبعد.
أن هذا مواطن أصيل وذاك «أقلية».
عندما يحدث ذلك في مصر، يكون الزناد قد بدأ عمله داخل العقل قبل أن تلمسه اليد.
فالقتل الجسدي يحتاج إلى لحظة.
أما قتل إنسانية الآخر فيحتاج إلى سنوات.
مصر والطفل الذي لا يعرف أنه يتعلم الكراهية
في مصر، قد يسمع الطفل جملة عابرة في البيت أو المدرسة أو الشارع.
قد يضحك الجميع.
وقد تمر الجملة بلا اهتمام.
لكن الطفل لا يعرف أن الكلمات التي يسمعها اليوم قد تصبح غدًا جزءًا من نظرته إلى البشر.
حين يتعلم الطفل المصري أن دينه لا يمنحه فقط إيمانًا، بل يمنحه تفوقًا على الآخرين، تبدأ المسافة بينه وبين المختلف في الاتساع.
وحين يتعلم أن المسيحي أقل شأنًا، أو أن المختلف دينيًا لا يستحق الحقوق نفسها، فإننا لا نكون قد صنعنا إرهابيًا بعد.
لكننا صنعنا شيئًا أخطر:
صنعنا قابلية فكرية لقبول العنف.
والزناد هنا ما زال بعيدًا.
لكن الطريق إليه بدأ.
مصر والكنيسة والمسجد والمدرسة
في مصر، لا تكمن المشكلة في أن يكون للإنسان دين.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الدين من علاقة روحية بين الإنسان وربه إلى وسيلة لترتيب البشر.
أن يصبح السؤال:
من الأفضل؟
من الأحق؟
من الأكثر قيمة؟
من له الوطن كاملًا؟
ومن يعيش فيه كأنه ضيف؟
عندما تدخل هذه الأسئلة إلى العقل المصري، يصبح الاختلاف الديني مشكلة سياسية واجتماعية، لا مجرد اختلاف في العقيدة.
وحينها يصبح الزناد احتمالًا مؤجلًا، لأن الإنسان الذي يتعلم أن الآخر أقل منه يحتاج فقط إلى مبرر كي ينتقل من الاحتقار إلى الكراهية، ومن الكراهية إلى العنف.
مصر والأقباط: حين يصبح المواطن «أقلية»
في مصر، تكشف علاقة الدولة والمجتمع بالأقباط جانبًا عميقًا من المشكلة.
حين نتحدث عن «حماية الأقباط»، فنحن نستخدم لغة تبدو رحيمة، لكنها تطرح سؤالًا فلسفيًا خطيرًا:
لماذا يحتاج المواطن إلى حماية لأنه قبطي؟
المواطن المصري لا ينبغي أن تكون كرامته منحة من الدولة.
ولا ينبغي أن يكون حقه في الحياة والأمان والمواطنة نتيجة تسامح من الأكثرية.
في مصر، الفارق كبير بين أن تقول الدولة للمسيحي:
نحن نحميك.
وأن تقول:
هذا حقك.
الأولى تتحدث بلغة القوة والمنّة.
والثانية تتحدث بلغة المواطنة.
وحين يشعر المواطن القبطي أن عليه أن يثبت باستمرار أنه يستحق مكانه في وطنه، فإن المشكلة لا تكون في الرصاصة فقط.
المشكلة تبدأ قبل الرصاصة، عندما يصبح الانتماء الديني معيارًا لقيمة المواطن.
مصر والنرجسية الدينية
في مصر، ليست النرجسية الدينية مجرد اعتزاز بالدين.
أن يحب الإنسان دينه أمر طبيعي.
لكن الخطر يبدأ عندما يصبح احتقار الآخر شرطًا للشعور بعظمة الذات.
عندما يحتاج الإنسان إلى أن يكون المسيحي أقل منه حتى يشعر أنه أفضل.
وأن يكون المختلف ضالًا حتى يشعر أنه على الحق.
وأن تكون جماعته «الأفضل» حتى يستطيع أن يحتمل واقعه.
هنا يتحول الإيمان إلى هوية متضخمة.
وتتحول العقيدة إلى مرآة يرى الإنسان فيها نفسه، لا الله.
وهذه هي النرجسية الدينية:
أن تحتاج إلى انخفاض الآخر كي تشعر بارتفاعك.
وفي مصر، حين تتداخل هذه النرجسية مع السياسة والمجتمع والتعليم، يصبح الخلاف الديني قابلًا للتحول إلى صراع على الحقوق والهوية والوجود.
مصر والدولة: حين يخاف القانون من الدين
في مصر، الدولة الحديثة يفترض أن يكون القانون فيها فوق الانتماءات الدينية.
لكن كلما أصبح الدين معيارًا في المجال العام، ظهرت مشكلة المواطنة.
لأن الدولة التي تترك مساحة للتمييز على أساس العقيدة تخلق، ولو بصورة غير مباشرة، مواطنين بدرجات مختلفة في الوعي الاجتماعي.
وحين يشعر الإنسان أن القانون لا يحميه بوصفه إنسانًا، بل يتعامل معه من خلال هويته الدينية، فإن فكرة المساواة نفسها تبدأ في الانهيار.
وهنا مرة أخرى:
الزناد ليس البداية.
البداية هي اللحظة التي يفقد فيها الإنسان ثقته بأن حياة الآخر تساوي حياته.
مصر والمدرسة: هنا يمكن أن نوقف الزناد
في مصر، المدرسة ليست مكانًا لتعليم القراءة والكتابة فقط.
المدرسة تصنع تصور الطفل عن العالم.
هناك يتعلم: من أنا؟ ومن هو الآخر؟
هل المختلف شريك؟
أم خطر؟
هل الاختلاف طبيعي؟
أم خطيئة؟
هل المواطنة حق؟
أم امتياز تمنحه الأكثرية؟
إذا أخطأنا في الإجابة عن هذه الأسئلة، فلن تنقذنا كل أجهزة الأمن في العالم.
لأن الدولة ستطارد شخصًا يحمل السلاح، بينما قد تترك آلاف العقول تتعلم المنطق الذي صنع السلاح.
وهنا يصبح إصلاح التعليم جزءًا من مكافحة الإرهاب، لا موضوعًا منفصلًا عنها.
مصر والإرهابي: السؤال الذي يأتي متأخرًا
في مصر، عندما يظهر الإرهابي، نسأل:
من أين جاء بالسلاح؟
من أين جاء بالمال؟
من دربه؟
من أعطاه الأوامر؟
كلها أسئلة مهمة.
لكن هناك سؤالًا أعمق:
من علّمه أن الإنسان الذي أمامه لا يستحق الحياة؟
هذا هو السؤال الذي نخاف منه.
لأن الإجابة لن تقودنا إلى شخص واحد.
ستقودنا إلى منظومة كاملة من الأفكار والخطابات والعادات والموروثات.
والاعتراف بذلك أصعب بكثير من اعتقال رجل يحمل بندقية.
مصر: الرصاصة تحتاج إلى فتوى داخل العقل
في مصر، الإرهابي لا يضغط على الزناد لأنه غاضب فقط.
في حالات الإرهاب المؤدلج، يحتاج إلى شيء آخر:
يحتاج إلى أن يقنع نفسه أن ما يفعله ليس جريمة.
أن القتل له معنى.
أن الضحية تستحق.
أن الموت بطولة.
أن الجريمة يمكن أن تصبح عبادة إذا تغير اسمها.
وهنا تكمن أخطر عملية في صناعة الإرهاب:
إعادة تسمية الأشياء.
القتل يصبح جهادًا.
الكراهية تصبح غيرة على الدين.
التمييز يصبح تطبيقًا للعقيدة.
والتعصب يصبح دفاعًا عن الهوية.
عندما يحدث ذلك، لا يعود الزناد مجرد قطعة من المعدن.
يصبح إصبعًا يتحرك داخل منظومة كاملة من التبريرات.
مصر وعبارة: «هذا لا يمثل الإسلام»
في مصر، كثيرًا ما نتوقف أمام الإرهاب عند العبارة:
«هذا لا يمثل الإسلام».
قد تكون العبارة موقفًا دينيًا لدى كثيرين، لكنها وحدها لا تجيب عن السؤال الأعمق.
السؤال ليس فقط:
هل الإرهابي يمثل الإسلام؟
السؤال هو:
كيف استطاع أن يجد في بعض القراءات الدينية مادةً يستخدمها لتبرير ما فعل؟
هذا سؤال فكري، وليس اتهامًا لكل مسلم.
وإذا كانت هناك نصوص أو تفاسير أو فتاوى استُخدمت لتبرير العنف، فإن مواجهتها لا تكون بالصمت ولا بالشعارات.
بل بالسؤال.
وبالنقد.
وبإعادة القراءة.
وبالتمييز بين النص التاريخي والواقع المعاصر.
فالتراث الذي لا يستطيع الإنسان أن يسأله يتحول إلى سلطة فوق الإنسان.
والدين الذي يصبح فوق النقد البشري يتحول بسهولة إلى أداة في يد من يدعي امتلاك الحقيقة.
مصر: لا تقتل الإرهابي فقط
في مصر، قتل الإرهابي أو سجنه قد يوقف شخصًا.
لكنه لا يوقف الفكرة.
الفكرة تحتاج إلى مواجهة مختلفة.
تحتاج إلى مدرسة تعلم الطفل أن كرامة الإنسان لا تتغير بسبب دينه.
وتحتاج إلى قانون يجعل المواطن مواطنًا قبل أن يكون مسلمًا أو مسيحيًا.
وتحتاج إلى خطاب ديني لا يمنح الكراهية لغة مقدسة.
وتحتاج إلى مجتمع يستطيع أن يقول:
لا.
لا للكراهية.
لا للتمييز.
لا لتبرير قتل المختلف.
ولا لقداسة الأفكار التي تسمح بقتل الإنسان.
مصر: الزناد الأخير وليس الأول
في مصر، عندما تضغط يد الإرهابي على الزناد، تكون القصة قد قطعت مسافة طويلة.
هناك طفل كان يتعلم.
ومراهق كان يتشكل وعيه.
وشاب كان يبحث عن معنى.
وخطاب كان يمنحه إجابات جاهزة.
ومجتمع كان يرى بعض هذه الأفكار ولا يعترض.
وربما دولة كانت تتعامل مع المشكلة أمنيًا أكثر مما تتعامل معها فكريًا.
ثم جاءت الرصاصة.
ولهذا فإن محاربة الإرهاب تبدأ قبل الزناد بسنوات.
وأخيرًا: مصر قبل الضغط على الزناد
مصر لا تحتاج إلى تجميل المشكلة.
ولا تحتاج إلى أن تخاف من الأسئلة.
ولا تحتاج إلى أن تبحث دائمًا عن إجابة مريحة.
تحتاج إلى شجاعة أن تسأل:
كيف نصنع عقلًا يرى الإنسان إنسانًا قبل أن يراه مسلمًا أو مسيحيًا؟
لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تمنع رصاصة لم تُطلق بعد.
الإرهاب لا يبدأ من الضغط على الزناد.
يبدأ عندما يُقتل الإنسان في العقل.
يبدأ عندما تصبح كرامة الآخر قابلة للتفاوض.
يبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى عداوة.
ويبدأ عندما يصبح الدين أو الوطن أو الجماعة مبررًا لإلغاء الإنسان.
لذلك لا تنظروا فقط إلى إصبع الإرهابي.
انظروا إلى ما سبق الإصبع.
إلى البيت.
إلى المدرسة.
إلى الخطاب.
إلى الثقافة.
إلى الدولة.
إلى الفكرة.
فـالزناد هو آخر لحظة في الإرهاب، وليس أولها.
والرصاصة هي آخر كلمة.
أما الجملة الأولى، فقد تكون قيلت لطفل مصري منذ سنوات.
#مدحت_قلادة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الفائض الديني بين الإيمان وقيمة الإنسان
-
شعر بعنوان في بلادي
-
حينما يصبح الله ذريعة
-
الطرطرة على الشعب
-
كان الله في عون مصر: حين يصبح الفشل سياسة
-
حين يُدار الوطن بالجهل
-
حين تُهان جومانا… لا يُهان شخص، بل تُختبر إنسانية وطن
-
حين يصبح «انصر أخاك» سلاحًا ضد الآخر
-
مزرعة الحيوان شهادة في الاستبداد، والمنتفعين، وضحايا السلطة
-
شيخ الأزهر.. حين يتحول الحنين إلى زمن الغزو إلى خطاب ديني
-
عائد من الغربة
-
معايير الأخلاق في الشرق التعيس
-
حين يصبح الإيمان معركة والإنسان غنيمة
-
سويسرا… وطن الامتنان والإنسان
-
لذكاء الاجتماعي… عندما تصبح الإنسانية أسلوب حياة
-
العظمة حين تجسدت
-
المسلم الحائر !! بين ذاكرة التاريخ وسجن الأيديولوجيا
-
الإنسان أولًا حين تنتصر الرحمة على العقوبة
-
الإنسان بين الضمير والضجيج
-
إلى اللقاء يا إيزيس
المزيد.....
-
-ها قد بدأنا-.. موعد عرض الموسم الـ2 من مسلسل -هذا البحر سيف
...
-
تقرير: 7000 يورو لكل لاجئ سوري يغادر ألمانيا طوعاً
-
السيول تتصدر المشهد الإنساني في ليبيا
-
الجيش الإسرائيلي يحبط محاولة لتهريب المخدرات في مسيّرة قادمة
...
-
لغز دوران الأرض... دراسة جديدة تحل لغز التغيرات كل بضعة عقود
...
-
زيارة البابا إلى فرنسا: قداس حاشد في جادة الشانزيليزيه
-
فلسطينيون محاصرون في الرأس الأحمر يرفضون النزوح
-
العملات المشفرة.. مال لا تديره البنوك
-
من حاجز للرعب إلى حديقة للفرح.. مبادرة تحول موقعا أمنيا سابق
...
-
تأثيرها يمتد سنوات.. تداعيات بيئية خطيرة لتفجيرات الاحتلال ف
...
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|