|
|
رسالتي للأستاذة الكاتبة الناقدة جليلة المازني على تحفتها الإبداعية لقراءتها لنصي – الأصدقاء الثلاثة – 22-9-2026 إلى الأستاذة جليلة المازني: يا من تُوقظين في الحرفِ سِرَّه
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 13:24
المحور:
الادب والفن
رسالتي للأستاذة الكاتبة الناقدة جليلة المازني على تحفتها الإبداعية لقراءتها لنصي – الأصدقاء الثلاثة – 22-9-2026 إلى الأستاذة جليلة المازني: يا من تُوقظين في الحرفِ سِرَّه أستاذتنا الجليلة، الأديبة الناقدة جليلة المازني، ما إن تقع العين على قراءتكِ حتى يشعر القارئ أنه لا يقف أمام نقدٍ يشرح النصّ، بل أمام روحٍ ثانيةٍ تسكنه؛ روحٍ تمسح عن حروفه غبار العبور، وتعيد إلى صوره لمعانها الأول، ثم تفتح له من منافذ التأويل ما يجعله أرحب من ذاته، وأبعد من حدوده، وأبقى في وجدان قارئه. لقد لمستِ النصَّ بيد العارفة التي لا تجرح نسيجه، وببصيرة المحبّة التي لا تُطفئ وهجه، فكان نقدكِ حنانًا من الفكر، وفكرًا من الحنان، ورفقةً نبيلةً للحرف وهو يسير من عزلته إلى فضاء التلقي. ما كتبتِه عن «الأصدقاء الثلاثة» ليس قراءةً تُضاف إلى المقال، بل هو ضوءٌ يُلقى عليه، فيكشف ما كان يختبئ في ثناياه من رعشةٍ وإيقاع، ومن قلقٍ وشجن، ومن صحبةٍ تتخفّى في هيئة أشياء. فقد دخلتِ إلى عالم الكاتب طه عبد الرحمن لا كقارئةٍ تلاحق المعنى في خطاه، بل كناقدةٍ تردّ المعنى إلى منابعه، وتستخرج من قهوةٍ سوداء دفءَ الذاكرة، ومن خيط دخانٍ عابرٍ سُلَّمًا إلى التأمل، ومن الكتابة وطنًا لمن ضاقت به المنافي الداخلية. لقد أبدعتِ حين أصغيتِ إلى العنوان قبل أن تدخلي متن النص؛ فالناقد الحقّ يعرف أن العناوين ليست لافتاتٍ معلّقةً على أبواب الكلام، بل مفاتيحُ للدهشة، ومرايا أولى لأفق الانتظار. وها أنتِ تلتقطين ببراعةٍ ذلك الوعد الإنساني الذي يزرعه عنوان «الأصدقاء الثلاثة» في نفس القارئ، ثم ترصدين لحظة انقلاب الوعد إلى مفاجأة، حين لا يجد القارئ وجوهًا وأسماءً ومجالس، بل يجد فنجانًا وسيجارةً وقلمًا. تلك ليست خيبةً لأفق الانتظار، بل ولادةٌ جديدة له؛ إذ يخرج القارئ من مألوف الصحبة البشرية إلى صحبةٍ أخرى، أكثر صمتًا، وأشدّ وفاءً، وأقرب إلى قلب المبدع. وما أبهى تلك اللمحة التي اقترحتِ فيها أن تصير «الأصدقاء» «الصديقات»، لا من باب المطابقة النحوية وحدها، بل لأن القهوة والسيجارة والكتابة في المقال لا يحضرن كأدواتٍ صامتة، وإنما ككائناتٍ حانية، لكلّ واحدةٍ منهنّ يدٌ خفية تربّت على كتف الكاتب في ساعة الوحشة. فالقهوة أمّ اليقظة حين يتثاقل الجفن، والسيجارة رفيقة السكون حين تضيق العبارة عن حمل القلق، والكتابة حبيبة الروح حين يعجز الكلام عن النجاة من الصدر. وبهذا التحويل الرقيق، من صرامة النحو إلى رهافة الرمز، منحتِ النصّ بعدًا آخر، كأنكِ ألبستِ أشياؤه نبضًا، وجعلتِ من جمادها كائناتٍ تؤنس وتسامر وتحتضن. ثم وقوفكِ عند تلك المفارقة المضيئة بين الصحبة والوحدة، كان من أجمل ما في هذه القراءة؛ إذ أبصرتِ أن الكاتب لا يناقض نفسه حين يحبّ الوحدة ويطلب الصحبة، بل يكشف سرّ المبدع الذي لا يجد ذاته إلا حين يخلو إليها، ولا يحتمل خلوته إلا حين تمتلئ بأشيائه الحميمة. فالوحدة هنا ليست فراغًا، بل مجلسٌ مكتظٌّ بالأفكار؛ والصمت ليس انقطاعًا، بل لغةٌ تنتظر أن تتجسّد؛ والعزلة ليست هروبًا من العالم، بل عودةٌ إلى العالم عبر بابٍ أعمق وأصفى. في تلك العزلة الذهبية تتربّى الجملة، وتختمر الفكرة، ويصير فنجان القهوة جرسًا لليقظة، وتصير الكتابة يدًا تمتدّ من القلب إلى الزمن كي لا يضيع ما شعر به الإنسان. وما أرقى قراءتكِ للنفَس المقامي في النص، حين رأيتِ في سجعه وجناسه وطباقه ومقابلاته إيقاعًا يردّ النثر إلى أصوله الموسيقية دون أن يسلبه عفويته. لقد أنصفتِ لغة الكاتب، فلم تعاملي الزخرف البلاغي كزينةٍ مضافةٍ إلى الجسد، بل رأيتِه دمًا يجري في عروق العبارة؛ يرفعها من الإخبار إلى الإنشاد، ومن الوصف إلى الوجد، ومن الجملة العابرة إلى الجملة التي تطول إقامتها في الذاكرة. وهكذا بدا النصّ، في مرآتكِ، مقامةً حديثةً تتكئ على تراث البيان، لكنها تمضي بهموم الإنسان المعاصر وقلقه ووحدته وتوقه إلى أن يخلّد نفسه بالكلمات. ولم تقفي عند جمال الصياغة، بل جعلتِ من النص نافذةً تطلّ على تاريخ المبدعين وطقوسهم؛ فربطتِ بين فنجان الكاتب وبين قهوة الساهرين على أوراقهم، وبين طقوس الانفراد وبين المقاهي التي احتضنت أحلام الأدب والفكر. لقد وسّعتِ مساحة المقال حتى غدا محاورًا لذاكرةٍ كاملة، فيها تتجاور المقاهي والكتب والسهر والأسئلة، ويصبح الفنجان شاهدًا على ولادة فكرة، وتغدو الورقة وطنًا مؤقتًا لمن أرهقه العالم. أما وقفتكِ عند عبارة «وأضاءه دخان»، فهي شاهدٌ آخر على يقظة الناقدة فيكِ؛ إذ لم تمرّي على الصورة وكأنها جملةٌ مشغولةٌ بالموسيقى فقط، بل سألتِها، وفتحتِ داخلها ذلك التوتر البديع بين حقيقة الدخان الذي يحجب الرؤية، ومجاز الدخان الذي قد يضيء ليل الذاكرة. فاللغة لا تعيش بما تقوله الأشياء في وضح النهار، بل بما تجرؤ على قوله حين تتجاوز حقائقها الأولى. وما أجمل أن يلتقي منطق العقل بمنطق الشعر في ساحة النقد؛ فلا يغلب أحدهما الآخر، بل يكشفان معًا أن التناقض قد يكون أحيانًا بابًا إلى أعمق المعاني. أستاذة جليلة، لقد منحتِ النصّ أكثر من قراءة: منحتِه إنصاتًا، ومنحتِه سؤالًا، ومنحتِه عمرًا آخر في ذاكرة القارئ. فالنقد في قلمكِ لا يأتي متأخرًا عن الإبداع ليحاكمه، بل يأتي إليه كرفيقٍ وفيّ، يحمل مصباحًا لا سوطًا، ويفتح بابًا لا يغلق نافذةً، ويقول للنص: لقد رأيتك في مرآتي أجمل، لأنني لم أنظر إلى حروفك وحدها، بل نظرت إلى القلب الذي أودع فيها كلّ هذا الحنين. سلامٌ على قلمكِ الذي جعل من القراءة حديقةً للمعنى، ومن التأويل نهرًا لا ينضب، ومن النصّ فضاءً تتلاقى فيه القهوة والقلق والكتابة؛ وسلامٌ على نقدكِ الذي لم يكن صدى للنص، بل كان صدًى أجمل من صداه، ونورًا يجاور نوره، وصديقةً رابعةً للكاتب، اسمها الفهم، وعطرها الجمال، وموعدها الدائم مع الحرف الذي لا يموت. طه دخل الله عبد الرحمن البعنه == الجليل 22/09/2026 ************* قراءة الأستاذة الناقدة جميلة المازني مع النص الأصلي قراءة نقدية: " الثالوث والتدفق الابداعي" (الصديقات الثلاث كمختبر ذهني للكاتب) الناقدة التونسية جليلة المازني. المقال" الأصدقاء الثلاثة" الكاتب الفلسطيني طه عبد الرحمان. المقدمة: يطالعنا الكاتب الفلسطيني المتعدد الابداعات طه عبد الرحمان في مقاله المعنون ب "الأصدقاء الثلاثة" بجنس أدبي هو أقرب الى أدب المقامات لاستخدامه المحسنات البديعية (من جناس وسجع وطباق ومقابلة..) التي أضفت على مقاله ايقاعا جميلا يستهوي القارئ ويشده الى الاقبال على قراءته مستحضرا مقامة من مقامات بديع الزمان الهمذاني في حسن صنعتها ورقة الفاظها وطرافة مضمونها.. التحليل: " المبدع طه عبد الرحمان يعانق صديقاته الثلاث". منذ قراءة العنوان "الأصدقاء الثلاثة" يضع الكاتب القارئ في تساؤل حول ماهية الأصدقاء الثلاثة فيتصور عديد التصورات وينتظر أفقا معينا يتعلق بهؤلاء الأصدقاء الثلاثة. بيْد أن الكاتب يكسر أفق القارئ وينتهك حرمة تصوّره ليحدثه عن أصدقاء ليسوا من لحم ودم مما يجعل المسافة الجمالية بين أفق انتظار القارئ وأفق النص كبيرة وكلما كانت المسافة كبيرة بين الأفقين ازداد جمال النص حسب نظرية التلقي الحديثة الألمانية لياوس وآيزر. ولعل المسافة الفاصلة بين أفق اننظار القارئ وأفق النص تزداد جمالية لو كان عنوان المقال "الصديقات الثلاث" بدل " الأصدقاء الثلاثة " لان المفردات (القهوة والسيجارة والكتابة) وردت كلها في صيغة المؤنث وبالتالي يصبح العنوان " الصديقات الثلاث". وهنا قد ينتهك الكاتب فعلا حرمة تصور القارئ ويثير فضوله فيلتهم المقال التهاما لمعرفة صديقاته. ان الكاتب قد لخص أصدقاءه الثلاثة في خاتمة المقال قائلا: " فما أجمل الصحبة اذا صفت وما أروع الوحدة اذا صحبتها القهوة والسيجارة والكتابة وما أحلى العمر اذا سقاه فنجان وأضاءه دخان وخطه بنان". ان هذه الخاتمة تفيدنا بأن الكاتب يستمتع بالصحبة (ما أجمل الصحبة) ويستلذ بالوحدة. (ما أروع الوحدة) وهنا مفارقة عجيبة اذ كيف يجمع بين نقيضين؟ ولئن وقفنا على الصحبة في متن المقال وفي خاتمته. هذه الصحبة التي تمثلت في القهوة والسيجارة والكتابة فان الوحدة قد تضمنتها احدى أطراف الصحبة وهي الكتابة التي تقتضي من المبدع عزلة "ذهبية". لعل الكاتب هنا قد يجعل القهوة والسيجارة خادمتين وفيّتيْن للكتابة. وأكثر من ذلك فإنه يرى العمر ينتعش اذا "سقاه فنجان وأضاءه دخان وخطه بنان". والكاتب من شدّة حرصه على السجع والايقاع كما في المقامات جمع بين متناقضين اذ كيف للدخان الذي ينشر الضباب ويحجب الرؤيا ان يضيء؟ (واضاءه دخان). وفي هذا الاطار فان الكاتب طه عبد الرحمان لم يشذّ عن بعض قومه من المبدعين الذين جعلوا هذا "الثالوث" يرتبط بطقوس الابداع الى درجة انه تحول الى ما يشبه "المختبر الذهني" الذي تولد فيه الأفكار الروائية والفلسفية. ان هذا الثالوث لم يكن مجرد عادات عشوائية لدى المبدع بل شكلت أدوات سيكولوجية وطقوسا يومية تهدف الى تحفيز العقل والدخول في حالة "التدفق الإبداعي" وفي هذا الإطار فان الكاتب قد عانق العديد من المبدعين في معاقرة القهوة والسيجارة: 1- القهوة: وقُودُ اليقظة والتحفيز الذهني: لقد مثلت القهوة لدي المبدعين وحسب النقاد الصديقة الوفية لمقاومة النوم وجلب التركيز: أ- أونوريه دي بلزاك: يعدّ أشهر مدمني القهوة في تاريخ الادب اذ يقال انه يصل الى شرب خمسين (50) كوبا من القهوة يوميا ليدعم ساعات كتابته الطويلة التي تصل الى 15 ساعة. ب- محمود درويش: كان يرى في اعداد القهوة طقسا بحد ذاته وكتب عنها في كتابه "ذاكرة للنسيان" واصفا إياها بأنها "مفتاح الصباح وصناعة الذات". ج- فولتير: كان يستهلك كميات هائلة من القهوة يوميا ويردّ على من يحذرونه من سُمّها البطيء قائلا: " أظنه سُمّا بطيئا حقا فقد احتجُْت الى ثمانين ( 80 ) عاما لأموت بسببه". 2- السيجارة: رفيقة القلق وفواصل التفكير: رغم أضرارها الصحية المثبتة كانت السيجارة أو "الغليون" بالنسبة للعديد من المفكرين أداة لتقسيم الوقت من ناحية وضبط ايقاع التفكير من ناحية أخرى: أ- ألبير كامو وجان بول سارتر: لقد ارتبطت الوجودية الفرنسية بصورة المفكر الذي يمسك سيجارته في مقاهي باريس حيث كانت السيجارة تعبر عن حالة "القلق الوجودي" والتركيز وسط النقاشات الفلسفية. ب - نجيب محفوظ: رغم انه قلل من التدخين لأسباب صحية الا أنها ظلت رمزا لجلسات " التجلي الادبي " لديه. وفي هذا الإطار من تفشي" ثالوث الابداع " لدى العديد من المبدعين يتدخل التحليل النفسي لتفسير تواجد هذا الثالوث لديهم: 3 - التفسير النفسي ل "ثالوث الابداع": يفسر علماء النفس ان ارتباط القهوة والسيجارة بالكتابة يعود الى عدة أسباب: * كسر جمود "الصفحة البيضاء": اشعال سيجارة او رشف القهوة يمنح الكاتب ثوان للتفكير قبل ان يكتب ويخط الكلمة. * التحفيز الكيميائي الثنائي: إن الكاتب يدمج بين كافيين القهوة(المنبّه) والنيكوتين بالسيجارة (الذي يمنح شعورا مؤقتا بالاسترخاء والتركيز) مما يخلق توازنا كيميائيا يساعد على التدفق الإبداعي. * الطقوسية: تحول حركة اعداد القهوة او اشعال السيجارة الى إشارة يعطيها الكاتب لعقله بأن وقت العمل والانعزال قد حان. ========= يتبع ========== Jalila Mezni ========= يتبع ========== وفي هذا الاطار لئن كان كاتبنا طه عبد الرحمان يرغب في" الصحبة" و"الوحدة "معا فان هذه الطقوس لم تكن تمارس في العزلة دائما بل تحولت المقاهي الى صالونات ثقافية مفتوحة وحاضنة تجمع هذا الثالوث. ومن ثمّ انتشر" أدب المقاهي". من المقاهي الحاضنة الثقافية: - مقهى الفيشاوي ومقهى ريش (القاهرة) قد شهدا ولادة أهم الروايات ل : نجيب محفوظ ويوسف ادريس وأمل دنقل. - مقهى دو ماجو (باريس): كان المقر غير الرسمي ل: سارتر وسيمون دي بوفوار وارنست همنغواي سلم قلم الناقد طه عبد الرحمان هذا القلم المسكون بالفكر الإبداعي. بتاريخ 21/ 09/ 2026 ======== مقال "الأصدقاء الثلاثة" للكاتب طه عبد الرحمان في مَهْدِ الليلِ وبينَ أنفاسِ السَّحَر وحيثُ يَعتكفُ الفكرُ في محرابِ السكون ويُسبّحُ القلبُ في معبدِ اليقين، جلستُ أُسامرُ ثلاثةً من الأصحاب، لا يُفارقونني في سفرٍ ولا إياب، ولا يَخذلونني في ضيقٍ ولا رحاب. صُحبةٌ لا تَملُّ ولا تَخونُ ولا تَستثقلُ السؤالَ والجواب. رفيقٌ يُشعلُ الروح ورفيقٌ يُسكِنُ الجروح ورفيقٌ يُخلّدُ ما يَفيضُ بهِ القلبُ ويَبوح. فأمّا الأولُ، فهو فنجانُ القهوة نديمُ الصباحِ والمساء وسِرُّ الصفاءِ والوفاء وترجمانُ الحرفِ إذا عَزَّ الإفصاح وديوانُ السِرِّ إذا ضَنَّ البَواح. رائحتُهُ عِطرُ الحكايات ورشفتُهُ مِفتاحُ الخواطرِ والمسرّات. يُدارُ بين الأصابعِ كأنّهُ زهرةُ ياسمين ويُحتسى كأنّهُ فكرةٌ في رحمِ اليقين. فيهِ تُطبَخُ الأفكار وتُصفّى الأخبار وتُنسَجُ الأشعار وتُروى الآثار. صديقٌ لا يَملُّ الانتظار ولا يَخونُ في حرارةٍ ولا قرار. يُدفئُ الكفَّ إذا بَرَدت ويُؤنسُ القلبَ إذا وَحَدت ويُذكّرُ العقلَ إذا غَفَلت ويُوقظُ الهمةَ إذا خَبَت. وأمّا الثاني، فهو السيجارة سميرُ السكونِ والنجوى ورفيقُ الفكرِ إذا اعتلى وارتوى وشريكُ التأملِ إذا صَفَتِ الدنيا أو تنكّرتْ في طَرفِ الثوى. تُشعَلُ فتشتعلُ معها الذكرى ويتراقصُ الدخانُ كأنّهُ سِرٌّ يُروى، أو حلمٌ في ليلٍ يَسطو. في رَمادِها تُدفَنُ الأوجاع وفي لهبِها تَستيقظُ الأضلاع وفي دخانِها تُحلَّقُ الأشواقُ فوقَ البقاع. ليستْ لِنفعٍ يُرجى ولا لِخيرٍ يُبتغى لكنّها صحبةُ الليلِ الطويل ورفقةُ الفكرِ في الدربِ الطويل وسلوى النفسِ إذا عَزَّ الخليلُ والدليل. تُسامرُ الوحدةَ إذا اشتدَّ الأنين وتُصاحبُ الصمتَ إذا عَزَّ المعين وتُطاردُ الهَمَّ إذا حَلَّ بلا مُعين. وأمّا الثالثُ، فهو الكتابة الصديقُ الأصدقُ والملاذُ الأوفى واليدُ الحانيةُ على الجرحِ إذا نزفَ ودمى والبلسمُ الشافي إذا اعتلَّ الجسدُ ووَهَنَ وسَقُم. إذا ضاقتْ بكَ الأرضُ بما رَحُبَت، فتحتْ لكَ أبوابَ السماءِ بما وَسِعَت وأشرقتْ في روحِكَ شمسُ الحكمةِ إذا غَرُبَت. تُحوّلُ الدمعةَ حكمة والتنهيدةَ كلمة والوجعَ ملحمة والفشلَ سلّماً إلى القمة. بها يَخلُدُ الفكر ويُشرِقُ النور ويُهزَمُ الدهر ويَنتصرُ الصبر. صديقٌ لا ينامُ إذا سَهِرت ولا يَخونُ إذا كَتبت ولا يَنسى إذا خَتَمت ولا يُخفي ما كَتَمت. تُخرِجُ من الصدرِ ما اعتصر ومن العقلِ ما استتر ومن الروحِ ما انتظر ومن القلمِ ما انحدر. ثلاثةٌ هم صحبةُ الروح وسلوى الجروح وأنيسُ الليلِ إذا نأى الصديقُ والنصيح وزادُ الطريقِ إذا طالَ المسيرُ وضاعَ الدليل. فنجانُ القهوةِ يُشعلُ البداية والسيجارةُ تُطيلُ الرواية والكتابةُ تُخلّدُ النهاية. فمن وجدَهُم فقد وجدَ الكنزَ الثمين والرفيقَ الأمين والسلطانَ على الأنين والدواءَ من كلِّ حنين. فيا صاحبي، إن ضاقَ صدرُكَ واشتدَّ همُّكَ وعَزَّ صبرُكَ، فاجمعِ الثلاثةَ في جلسة، تُبصِرُ الدنيا في كأسٍ وتَقرأُ العمرَ في سطرٍ وتُسامرُ الذكرى في دخانٍ. فما أجملَ الصحبةَ إذا صَفَت وما أروعَ الوحدةَ إذا صحبتها القهوةُ والسيجارةُ والكتابة! وما أحلى العمرَ إذا سقاهُ فنجانٌ، وأضاءَهُ دخانٌ وخطّهُ بنانٌ! طَه دَخَل اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَن الْبَعنه == الْجَلِيل 21/09/2026
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دراسة نقدية أكاديمية موسعة في المجموعة القصصية «كنتُ هناك...
...
-
شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف
...
-
القراءة النقدية الكاملة لنص – طقوس الشاي المقدسة – للأستاذة
...
-
قراءة لقصيدة - الأربعينية باللون الأسود – الأستاذ الشاعر عون
...
-
الأثر
-
من جامعة الحياة إلى محراب البيان: سيرة قلمٍ لا ينطفئ = خل
...
-
قراءة لقصيدة - حينَ يَرْتَقِي الكَلِمُ – للشاعرة الدكتورة سل
...
-
قراءة لحكاية - من حيث توقفنا – للكاتبة الأستاذة عاتكة الياسر
...
-
قراءة للقصة القصيرة – العدو – للقاصة الأستاذة الهام عيسى 6-9
...
-
قراءة للقصة القصيرة – أخر مرة – للكاتبة الأستاذة فاطمة حرفوش
...
-
قراءة لقصيدة - شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَمَان – للشاعرة الدكتورة س
...
-
دراسة «تحت سقف السماء» للقاصة كوثر حسن جعفر 31-8-2026 بلاغةُ
...
-
طقوسُ الشاي المُقدَّسة
-
قراءة تأويلية في جماليات النص الشعري وبلاغة التردّد الوجودي
...
-
قراءة لقصيدة – خيوط العنكبوت – للأستاذ الدكتور فهد المحمد ال
...
-
وتستمر الحكمة في النقد السامق لأضع بين ايديكم اعزائي ما جادة
...
-
قِرَاءَةُ فِي مُعَلَّقَةٍ الْوَفَاء الْكُبْرَى لِلْأُسْتَاذ
...
-
قراءة للمقطع الشعري – عيون – للأستاذة الناقدة نافلة مرزوق ال
...
-
قراءة لقصيدة – أحبّكِ – للدكتورة آمال بوحرب
-
شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف
...
المزيد.....
-
قابلوا -الليمور المغنّي-.. كيف يستخدم تقنيات الأوبرا لصنع ال
...
-
معاونة وزير الثقافة السورية تكشف عن تعرضها لتهديدات ومضايقات
...
-
أمازونيات الطليعة الروسية.. أربع فنانات يستعدن حضورهن على ال
...
-
-عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
-
186 سلالة و852 شخصية.. أطلس رقمي يعيد رسم التاريخ الإسلامي
-
-عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
-
بوتين عن تصريحات وزير الدفاع الإستوني: السيرك رحل والمهرجون
...
-
فرنسا.. الذكاء الاصطناعي يطيح برواية من جائزة أدبية مرموقة
-
بسبب الذكاء الاصطناعي والسرقة الأدبية.. استبعاد رواية تيليسو
...
-
سوريا ...حفل الأخرس في اللاذقية يثير جدلا بسبب التنظيم والحج
...
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|