أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - منير المجيد - تعقيب وتوضيح لا بد منهما














المزيد.....

تعقيب وتوضيح لا بد منهما


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 8839 - 2026 / 9 / 25 - 21:14
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


صديقي البعيد جغرافياً، وفي مكالماتنا المنتظمة، عاتبني على كتابتي، قبل يومين، عن مسألة حاجة المرأة الجنسية التي أُهملت على مرّ التاريخ، وحثني على التركيز على مواضيع لها علاقة بالسينما والأدب والقفشات المضحكة، ولم ينس كعادته السؤال عن «كيف الطقس عندك هالأيام في هولندا؟».

لا أعرف لماذا ذكرني الحوار معه بصديق آخر.

كنّا في المرحلة الثانوية، في الصف الحادي عشر تحديداً، حين أعلن صديقي وزميلي دعوته لي لحضور زفافه في قريته القريبة من القامشلي.
كانت مناسبة تبدو، في عيوني يومها، عجيبة وساحرة وايروتيكية في نفس الوقت.
استمرت الاحتفالات ثلاثة أيام كاملة. جاء الضيوف من قرى اخرى، يحملون شوالات السكر والأرز كهدايا ومساهمات في الوليمة التي أسفرت عن مجزرة بحق قطيع من الأغنام، وأقاموا في خيام نُصبت خصيصاً لهم.
لم يكن هناك متسع كبير للنوم أو الراحة، فالحماس كان يشتعل فيهم. حلقات الدبكة لا تتوقف، والغبار يرتفع تحت الأقدام ويختلط بتعرّقهم وموسيقى الفرقة الغجرية.

وفي الليلة الأخيرة جاء ما موعد «ليلة الدخلة». والمفارقة أنني لم أكن أعرف يومها، ولا أعرف إلا منذ وقت قريب، أصل هذه التسمية. فكلمة «الدخلة» مشتقة من «الدخول» أو «الإيلاج»، وهو تعبير قديم استُخدم لوصف انتقال الزواج من عقد إلى حياة زوجية فعلية، أو ما كان الفقهاء يسمونه «الدخول بالزوجة». ومع مرور الزمن تحولت العبارة إلى اسم شعبي لتلك الليلة الأولى التي يبدأ فيها الزوجان حياتهما المشتركة.

أخذوا صديقي إلى غرفة كانت عروسه تنتظره فيها، بعد أن نتفت نساء خبيرات كل شعرة في جسدها. كان الجميع في الخارج يترقب أكثر مما يترقب نتيجة مباراة نهائية. لم يستغرق الأمر سوى دقائق معدودة. خرجت علينا امرأة تحمل منديلاً عليه بقع دم، رفعته أمام الحاضرين كما لو أنه وثيقة انتصار، فانفجر الجمع بالهتاف، وعادت حلقات الدبكة بصخب أكبر من ذي قبل.

أتذكر أنني، رغم صغر سني، شعرت بنفور لم أتمكن من تسميته بدقة آنذاك. كان ثمة شيء غير مريح في المشهد كله. لم أفهم لماذا يصبح جسد فتاة شابة موضوعاً عاماً، ولماذا يتحول حدث يفترض أنه يخص شخصين فقط إلى احتفال جماعي يشارك فيه العشرات.
وبعد سنوات طويلة بدأت أجد الكلمات التي عجزت عنها في ذلك العمر. فكرت أن ما جرى لم يكن سوى اغتصاباً، أو على الأقل عن غياب أي اعتبار حقيقي لرغبة العروس ومشاعرها وتجربتها الخاصة.

وفي الحقيقة لم تفارقني المسألة منذ ذلك الحين.

ذلك الصديق لم يتلقَّ أي معرفة عن العلاقة الجنسية سوى أنها واجب يؤديه الرجل في تلك الليلة، وأن نجاحه يقاس بعلامة مادية ينتظرها الواقفون خلف الباب. لم يسأله أحد عمّا تشعر به زوجته، ولا إن كانت خائفة أو متوترة أو راغبة أو حتى مستعدة. ولم يسأل أحد كيف يمكن لعلاقة إنسانية طويلة أن تبدأ تحت ضغط هذا الكم من التوقعات الاجتماعية.

كنت أتساءل دائماً: ما الذي شعرت به تلك الفتاة في تلك الليلة؟ ما هي حقوقها؟ كيف تقبلت هذا كله؟ وكيف يمكن لامرأة أن تبني علاقة صحية مع الجنس إذا كانت تجربتها الأولى محكومة بالخوف والمراقبة والامتحان الاجتماعي؟ وكيف يمكن لرجل أن يتعلم احترام رغبات شريكته إذا كان المجتمع كله يلقنه أن القضية تتعلق بإثبات فحولته هو، لا بإنسانية الطرفين معاً؟

ربما لهذا السبب كتبت مقالتي شبه الأكاديمية عن حاجة المرأة الجنسية وأهميتها. لم أكتبها بدافع الاستفزاز، ولا رغبة في كسر المحرمات لمجرد الكسر. كتبتها لأنني كلما تذكرت ذلك المنديل المرفوع في الهواء، ازددت اقتناعاً بأننا تحدثنا كثيراً عن شرف المرأة، وقليلاً جداً عن مشاعرها، وأننا اهتممنا بإثبات عذريتها أكثر مما اهتممنا بحقها في المتعة والاختيار والرضا.

وربما لهذا السبب أيضاً لم أستطع التعامل مع موضوع حاجة المرأة الجنسية بوصفه ترفاً فكرياً أو قضية جانبية. فبالنسبة لي لا يبدأ الأمر من الكتب والدراسات والإحصاءات، بل من تلك الليلة البعيدة في قرية في الجزيرة السورية، ومن ذلك المنديل الذي رُفع، بينما لم يسأل أحد عمّا جرى للطرف الآخر من الحكاية.
بعد كل هذه السنوات ما زلت أظن أن المشكلة لم تكن في تلك الليلة وحدها، بل في الثقافة التي جعلتها احتفالاً عاماً بحق الرجل، وصمتاً مطبقاً حول المرأة.
لذلك كتبت المقالة. ليس دفاعاً عن فكرة مجردة، بل عن إنسانة حقيقية لطالما أُريد لها أن تكون موضوعاً للرغبة، لا صاحبة رغبة؛ وأن تكون موضوعاً للحكم، لا صاحبة حق. وربما كان صديقي البعيد محقاً حين يقول إن السينما والأدب أكثر متعة من هذه المواضيع، لكن بعض الذكريات القديمة تتحول مع الوقت إلى أسئلة، وبعض الأسئلة لا تجد طريقها إلى الخلاص إلا بالكتابة.

ولصديقي البعيد أجيب: نعم، ما زال الأدب والسينما والقفشات المضحكة تستحق الكتابة عنها، لكن بعض الذكريات ترفض أن تغادر صاحبها. أما الطقس في هولندا فقد بدأ يدخل الخريف فعلاً، وقد شغّلت جهاز التدفئة للمرة الأولى هذا الموسم، لأن الليالي، على وجه الخصوص، صارت تُسرّب برودة رقيقة تبدو لطيفة في البداية، لكنها تعرف طريقها إلى العظام جيداً.



#منير_المجيد (هاشتاغ)       Monir_Almajid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الخطاب الفقهي والمعرفة الطبية والتشكّل الثقافي للمتعة ال ...
- ما هو الجانب الخطير في الإتفاق الأمريكي الدانماركي الغرينلند ...
- لماذا أكتب؟
- الانطفاء
- الإنكماشٌ الوجودي الشامل لمسيحيي سوريا
- مائة عام من العزلة: ماكوندو بين اللغة والصورة
- أولُ خطوةٍ في موسمٍ يولد من الماء
- المُهمّشات المُناهضات للنموذج الياباني للأنوثة
- نوربراندت: شاعرٌ خرج من الشمال ليكتب ضوء المتوسط
- طبقات المنفى في أعمال بهرم حاجو
- قصائد عُضيمة تمشي على أطراف العالم
- الصين التي تعيد رسم العالم بلا ضجيج
- رواية التراث بين فيلم نولان واليمين
- مصانع كوريا الثقافية
- نهاية سلطة العالم القديم وصعود السلطة الخوارزمية
- توسيع إطار السرد في ردٌّ إلى السيد حسين علوان حسين
- سردية الإباحية اليابانية عبر القرون، من الشونغا إلى الدمى ال ...
- من تيزُكا إلى ميازاكي: صارت طفولة اليابان فلسفة وطن
- «جيلٌ يعيش فوق خطّ الصدع»، عن الفيلم الياباني «النهاية السعي ...
- «القلق الياباني الجميل»، من القصيدة إلى السينما


المزيد.....




- -سقوط على المسرح غيّر حياتها-.. ملكة جمال جامايكا تقاضي منظ ...
- أعداد السودانيين اللاجئين في تشاد تتزايد وشهادات عن حالات عن ...
- الداخلية تحسم حقيقة فيديو متداول لتعنيف طفل على يد امرأة
- ليبيا: مقتل فتاة طعنًا على يد شقيقها
- مصر: زوج يقتل زوجته خنقًا بذريعة عبث طفلته بالريموت
- هولندا.. اعتقال 6 مشتبه بهم في قضية اغتصاب جماعي
- أوباما: النساء قائدات أفضل من الرجال
- طالبت بميراثها.. اتهام شقيق هدى العسراوي بقتلها
- لليوم الخامس.. البحث مستمر عن غزل حمامي في الناصرة
- عضو في جسم المرأة محته كتب التشريح يثير ضجة على الشبكات الاج ...


المزيد.....

- بمناسبة 8مارس اليوم العالمى للمرأة ننشر:مقتطف من كتاب (النسا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - منير المجيد - تعقيب وتوضيح لا بد منهما