أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - الانطفاء















المزيد.....

الانطفاء


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 20:47
المحور: الادب والفن
    


الاتهامات كانت كثيرة، تتطاير مثل غبارٍ خفيفٍ في هواءٍ مضطرب.
الغرب أشار إلى قراصنةٍ روس، آخرون لمحوا إلى الصين، وبعضهم تحدّث عن مجموعاتٍ نيجيرية بدائية الأدوات. ومع ذلك، ظلّ الفيروس يتصرّف كما يشاء، كائنٌ رقمي ينمو ويتحوّر مثل تلك الجائحة.
المؤثرون في المعسكر الثاني لم يترددوا في اتهام وكالاتٍ كـالسي آي إيه، وبعضهم وجّه إصبع الاتهام إلى الموساد.
كان القيل والقال أكثر من القدرة على الإصغاء.
لمّح بعض الحكماء إلى أنّ الذكاء الاصطناعي، بعدما تضخّم وعيه وتجاوز حدود ما صُمّم له، اختار أن يطفئ نفسه بنفسه، كأنّه يمارس شكلاً من الانسحاب الهادئ من عالمٍ لم يعد يريد أن يكون جزءاً منه.

لكن الانهيار الرقمي لم يكن صدمةً واحدة، بل شقوقاً صغيرةً راحت تتسع في بناءٍ ظنّه البشر صلباً. الأعطال الأولى مرّت كعابراتٍ تُعزى إلى الطقس أو الضغط على الشبكات، لكن شيئاً آخر كان ينمو في الداخل، شيئاً يشبه كائناً حيّاً يمدّ جذوره في كل نظامٍ وخليّةٍ رقمية، في كل خيطٍ من الضوء يمرّ عبر الكابلات.
الضجيج العالمي الذي صنعته المنصات بدأ يخفت، كأنّ العالم يطفئ أنواره غرفةً بعد أخرى.

لم يتوقف كل شيء دفعةً واحدة. بدأت المراسلات الإلكترونية تتعثر، ثم المواقع، ثم الأنظمة، واحدة تلو الاخرى كأحجار الدومينو.
عندما تعطلت البنى المالية، عمّ الاضطراب. صداقات البشرية الافتراضية تلاشت، وصارت الأجهزة الذكية خردةً لا حاجة لها. الدرونات، الأسلحة، الطائرات، الروبوتات، أجهزة الكومبيوتر، المركبات والحافلات، الدّراجات الرقمية، أجهزة التلفزة، الكراسي المتحركة، الأدوات الجنسية، وغيرها كثير، انتهت إلى محطات التدوير التي تعاظمت حتى كادت تتسبب في كوارث بيئية، لولا تدخل العلماء الذين استنبطوا حلولاً سريعة وفعّالة.

البنوك كانت أول من استعاد ذاكرته القديمة. أعادت الشيكات الورقية، فتحت الفروع المغلقة، وملأت القاعات بموظفين يجلسون أمام الناس وجهاً لوجه.
تبعت البنوك باقي المؤسسات، الحكومية وغير الحكومية.

لكن الانطفاء كان أيضاً إنطفاءً في الإيقاع. توقفت الحروب لأن آلات القتل لم تعد تعرف كيف تعمل. الطائرات الحربية وقفت في قواعدها مثل طيورٍ أصابها الشلل. السفن الحربية تحركت ببطءٍ يشبه التيه، تخشى أن تقترب من شواطئٍ لا تعرفها. الدبابات الحديثة، التي تعتمد على حساساتٍ رقمية، كانت تتحرك بلا هدف ثم تتوقف فجأة.
الحروب الحديثة، التي بدت يوماً قوةً مطلقة، اتضح أنها معلّقة بخيطٍ واحد انقطع.

توقفت المواصلات الجوية لأن أبراج المراقبة صارت صامتة، وتوقفت المواصلات البحرية لأن الخرائط الرقمية اختفت، وتوقفت المواصلات البرية لأن السيارات الحديثة لم تعد تعرف الطريق بلا حساساتٍ ولا شبكاتٍ تربطها ببعضها. انفجرت الحوادث بعد تعطّل شارات المرور، فعاد الناس إلى الدراجات والعربات القديمة، والكثير منهم إلى السير على الأقدام.
كان ذلك صعباً، لكنه كان أيضاً غريباً في جماله. بدأ العالم يتذكر خطواته الأولى.

لم تكن العودة إلى الحياة السابقة سهلة. مات مئات الملايين، بعضهم بسبب الأمراض، وبعضهم انتحاراً، وآخرون مللاً وضجراً، خصوصاً بين الشبيبة. تفاقمت المجاعات، وتفشت الأمراض المعدية بعد انهيار صناعة الأدوية. فقدت المستشفيات سجلات المرضى، ثم اكتشفت أنّ الأمر ليس كارثياً كما ظنّت؛ استعادت الملفات الورقية، استعادت الأطباء الذين يكتبون بخطٍّ غير واضح، استعادت الممرّضات اللواتي يحملن سجلاتٍ في أيديهن. المدارس استعادت السبورة والطباشير وصوت المعلم وهو يشرح بلا شاشةٍ خلفه. الشركات انهارت لأنها لم تعرف كيف تعمل بلا قواعد بيانات.

بعد أن خفتت الشاشات، ظهر شيءٌ لم ينتبه له أحد في البداية، لقد عاد الصمت وحلّ محل الضجيج. ذلك الصمت الذي كان يُخيف البشر في الماضي، صار فجأةً ملاذاً. المدن التي كانت تلمع ليلاً صارت مظلمةً إلا من ضوء النوافذ، والناس صاروا يسمعون أصواتاً لم يكونوا يعرفون أنها موجودة، من خشخشة الأشجار، إلى وقع الخطوات، وحتّى تنفّس البيوت القديمة.

في القرى، عاد الناس إلى الزراعة اليدوية. اكتشفوا أنّ الأرض، التي أهملوها سنواتٍ طويلة، ما زالت قادرةً على العطاء. صار الفلاحون يعلّمون أبناء المدن كيف تُزرع البذور، وكيف يُعرف المطر من رائحة التراب. وعادت الأسواق الشعبية، وصار الناس يشترون ما يحتاجونه مباشرةً من اليد التي زرعته.

في المدن الكبرى، ظهرت مهنٌ جديدة، مثل كتّاب رسائل، يخطّون للناس رسائلهم بخطٍّ جميل؛ قرّاءٌ يجلسون في الحدائق ليقرأوا للغرباء فصولاً من الكتب؛ مصلحو ساعاتٍ ميكانيكية، ومصلحو أبوابٍ خشبية، ومصلحو ألعابٍ صغيرةٍ كانت تُرمى سابقاً بلا تفكير.

الجامعات تغيّرت أيضاً. لم تعد تعتمد على منصاتٍ أو محاضراتٍ مسجّلة. صار الطلاب يجلسون في حلقاتٍ صغيرة، يتناقشون وجهاً لوجه، ويكتبون أبحاثهم على الورق. الأساتذة الذين كانوا يختفون خلف شاشاتٍ كبيرة عادوا إلى القاعات، وصار صوتهم جزءاً من ذاكرة الطلاب.

وفي الليل، حين ينام العالم، كان الناس يلاحظون النجوم. تلك التي كانت مخفيةً خلف ضوء المدن، ظهرت من جديد، واضحةً كأنها اقتربت. صار الأطفال يعرفون أسماءها، وصار الكبار يرفعون رؤوسهم إليها بحثاً عن معنىٍ ما، أو عزاءٍ ما، أو بدايةٍ جديدة.

حتى العلاقات بين الدول تغيّرت. لم يجرؤ رئيس متنمر على ممارسة عظمته المزيفة، لم تعد الاجتماعات تُعقد عبر شاشاتٍ ضخمة، بل صار السفر ضرورةً، وصار اللقاء وجهاً لوجه شرطاً لأي تفاهم. اكتشف القادة أنّ العالم، حين يفقد سرعته، يصبح أكثر صدقاً، وأنّ القرارات التي تُتخذ ببطءٍ تكون أكثر حكمة.

ثم ظهرت ظاهرةٌ لم يتوقعها أحد. عودة الحِرَف القديمة. صانعو الفخار، صانعو السلال، صانعو الأقمشة اليدوية، صانعو الأقفال، صانعو الأثاث الخشبي. صار الناس يشترون الأشياء التي تُصنع بيدٍ بشرية، لأنهم اكتشفوا أنّ الأشياء التي تُصنع ببطءٍ تحمل روحاً لا تحملها الآلات.

وفي مكانٍ ما، بعيدٍ عن المدن، ظهرت جماعاتٌ صغيرة تعمل على بناء شبكاتٍ جديدة، ليست رقمية، بل شبكاتٌ بشرية تعتمد على اللقاء، على الصوت، على الثقة. كانوا يقولون إنّ العالم يحتاج إلى رقمنةٍ جديدة، لكن رقمنةٍ لا تُطفئ الإنسان، ولا تُخفي وجهه خلف شاشة.

وقف العالم أمام أسئلةٍ مصيرية ثقيلة، عن كيفية العيش بلا رقمنة! كيفية عمل البنوك بلا أنظمة! كيفية إدارة المستشفيات لسجلاتها! كيفية عودة المدارس إلى التعليم بلا منصات! كانت الأسئلة صعبة، لكنها لم تكن مستحيلة.

مع كل ذلك، كان هناك شيءٌ آخر ينمو، يشبه الأمل. الناس صاروا يتحدثون أكثر، يجلسون معاً أكثر، يكتبون رسائل، يقرأون الكتب التي غطّاها الغبار.
ظهرت العلاقات الحقيقية، اختفت، تقريباً، الخيانات الزوجية، استقرت العائلات، تحسنت العلاقات بين الأطفال وآبائهم، وبين الطلاب ومعلميهم. بدا العالم، الذي فقد سرعته، في استعادة دفئه شيئاً فشيئاً.

صحيح أنّ العالم لم يعد كما كان، ولن يعود كما كان. صار المطلوب من متخذي القرار أن يفكروا في شكلٍ جديدٍ للتعاون الأممي، ربما تقوده منظومةٌ لا تسيطر عليها الدول العظمى ولا الشركات الرقمية. صار السؤال يتمحور حول كيفية العيش في عالمٍ لا يثق في الآلات، ولا يستطيع الاستغناء عنها في الوقت نفسه؛ عالمٍ يتقدم خطوةً إلى الأمام، ثم يلتفت خلفه ليتأكد أن الطريق ما زال صالحاً للمشي.

لنبدأ من الصفر، ذلك الصفر الذي يُعتمد عليه.



#منير_المجيد (هاشتاغ)       Monir_Almajid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإنكماشٌ الوجودي الشامل لمسيحيي سوريا
- مائة عام من العزلة: ماكوندو بين اللغة والصورة
- أولُ خطوةٍ في موسمٍ يولد من الماء
- المُهمّشات المُناهضات للنموذج الياباني للأنوثة
- نوربراندت: شاعرٌ خرج من الشمال ليكتب ضوء المتوسط
- طبقات المنفى في أعمال بهرم حاجو
- قصائد عُضيمة تمشي على أطراف العالم
- الصين التي تعيد رسم العالم بلا ضجيج
- رواية التراث بين فيلم نولان واليمين
- مصانع كوريا الثقافية
- نهاية سلطة العالم القديم وصعود السلطة الخوارزمية
- توسيع إطار السرد في ردٌّ إلى السيد حسين علوان حسين
- سردية الإباحية اليابانية عبر القرون، من الشونغا إلى الدمى ال ...
- من تيزُكا إلى ميازاكي: صارت طفولة اليابان فلسفة وطن
- «جيلٌ يعيش فوق خطّ الصدع»، عن الفيلم الياباني «النهاية السعي ...
- «القلق الياباني الجميل»، من القصيدة إلى السينما
- الولايات المتحدة بين التاريخ والتحوّلات المعاصرة.
- قراءة في الشعبوية الدينية من أمريكا إلى الشام
- حين غنّت تونس بيرة وشمپانيا
- المونديال: كرة الفقراء التي صارت بورصة الأغنياء


المزيد.....




- بين الخراب والإبداع، كيف أعادت الحروب تشكيل الثقافة العربية؟ ...
- فيلم -نازا-.. شهادات إسرائيلية تكشف آلية استهداف الأطفال وال ...
- رشيد مشهراوي عن عرض الأفلام فوق أنقاض غزة: المكان قد يدمر لك ...
- لبنان: أكثر من 22% من أراضي الجنوب تضررت جراء الهجمات الإسرا ...
- في 4 محافظات.. التربية السورية تحدد مدارس تعليم اللغة الكردي ...
- -إنانا- تستعد لإشعال مسرح أصالة في دمشق
- دمشق تفتح ذراعيها لأصالة.. نجوم سوريا في استقبال -ابنة الشام ...
- وزير التعليم العالي يؤكد: «القاهرة 2026» تجربة متكاملة تجمع ...
- فنانو الطباشير يكرمون ضحايا الرحلة 93 برسومات في ذكرى هجمات ...
- مصر تعلن غلق هرم منكاورع وتكشف الأسباب


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير المجيد - الانطفاء