|
|
مائة عام من العزلة: ماكوندو بين اللغة والصورة
منير المجيد
(Monir Almajid)
الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 13:59
المحور:
الادب والفن
قضيتُ الأيام الأخيرة في مشاهدة العمل الدرامي «مائة عام من العزلة»، الذي بُني على ملحمة غابرييل غارثيا ماركيز، بعد أن تمّ عرضه بالكامل وعلى عدّة دفعات على منصّة نيتفليكس. وقبل أن أتناول هذا العمل الضخم، استعدتُ تاريخ الاقتباسات السينمائية لأعمال ماركيز، وتأكدّتُ من قناعتي أن العالم الذي بناه في رواياته لم ينتقل إلى الشاشة إلا في محاولات قليلة، بعضها محلي في كولومبيا، وبعضها أوروبي أو أميركي، وكلّها واجهت صعوبة في نقل البيئة الكولومبية التي تُشكّل قلب نصوصه. خاصة تلك التي غلبت عليها الأمركة، حتّى أنّ الإسباني خافيير بارديم نفسه خضع لمتطلبات هوليود الرديئة وتكلم، مع الممثلين الآخرين، بالإنكليزية.
من أبرز هذه الإقتباسات فيلم «لا أحد يكاتب الكولونيل»، وهو إنتاج مكسيكي/إسباني عام ١٩٩٩، أخرجه آرتورو ريبستين. هذا الفيلم هو الأكثر تماسكاً بين الاقتباسات، لأن الرواية نفسها واقعية أكثر من كونها سحرية، ولأن البيئة المكسيكية قريبة من روح النص، فاستطاع أن ينقل عزلة الكولونيل وانتظاره الطويل دون أن يفقد الجوهر. ثم فيلم «الحب في زمن الكوليرا»، إنتاج أميركي/كولومبي عام ٢٠٠٧، أخرجه مايك نيويل. هذا العمل حاول أن يقدّم الملحمة العاطفية بين فلورنتينو وأفيرمينا، لكنه اصطدم بمشكلة البيئة؛ المكان بدا مصمَّماً أكثر منه حيّاً، واللغة البصرية لم تستطع أن تستوعب الزمن والذاكرة التي تشكّل قلب الرواية، فبدا الفيلم أقرب إلى قصة حب كبيرة لا إلى التأمّل الطويل في الزمن الذي أراده ماركيز. ومن الأعمال أيضاً فيلم «قصّة موت معلن»، إنتاج إيطالي/كولومبي عام ١٩٨٧، أخرجه الإيطالي المعروف فرانسيسكو روسي. هنا تُنقل بنية الرواية القائمة على التحقيق في جريمة معروفة مسبقاً إلى لغة سينمائية تعتمد على الاسترجاع والشهادات، لكن القرية في الفيلم تبدو أقرب إلى فضاء متوسطي منها إلى قرية كولومبية، ما يخفّف من ثقل البعد الاجتماعي الذي يشكّل قلب النص، ويحوّل الحكاية إلى لغزٍ جنائي، لا يمتُّ إلى قراءة آليات الشرف والعنف الجماعي.
فيلم «إيرينديرا»، المأخوذ عن القصة الطويلة، بعنوانها العربي الأنيق من ترجمة صالح علماني ««القصة الحزينة التي لا تصدق لإيرينديرا البريئة وجدتها الضارية»، وهو إنتاج مكسيكي/أوروبي عام ١٩٨٣، أخرجه روي غويّرا، وشارك ماركيز نفسه في كتابة السيناريو. هذا العمل يذهب إلى عالمٍ قاسٍ من الاستغلال والجسد والرحيل، ويحتفظ ببعضٍ من روح النص، لكنه يبقى أقرب إلى فيلم مستقل، لا إلى تجربة كاملة في الواقعية السحرية، لأن التركيز ينصبّ على العلاقة بين إيرينديرا وجدّتها أكثر من انغراس الحكاية في بيئة اجتماعية محددة.
أما الفيلم الذي أثار الالتباس، والفضول لدي بسبب معرفتي بالمخرج وظروف إنجاز الفيلم، فهو «ذكريات عاهراتي الحزينات» (وهنا أيضاً أميل إلى العنوان الذي اختاره علماني «ذاكرة غانياتي الحزينات» مُستبدلاً كلمة عاهراتي إلى غانياتي)، وهو إنتاج مكسيكي/دانماركي عام ٢٠١١، أخرجه الدانماركي هيننغ كارلسن (١٩٢٧ - ٢٠١٤). هذا كان آخر أعماله. وقد صُوّر في المكسيك باللغة الإسبانية، ويقدّم معالجة هادئة وحزينة لعلاقة رجلٍ في التسعين بعذراء، لكنه بقي محدود الانتشار، ولم يتحوّل إلى علامة كبرى في تاريخ الاقتباسات. الفيلم، رغم نسيجه الدرامي الجيد، إلا انه عمل باهت مقارنة بتاريخ كارلسن السينمائي العريض، خاصة حينما حقّق فيلمه الأشهر في تاريخ السينما الدانماركية والنرويجية «جوع» عام ١٩٦٦، المقتبس عن رواية النرويجي «كنوت هامسن»، الكاتب الإشكالي الذي أيّد بوضوح هتلر والنازية، حين كانت بلاده تحت الإحتلال.
بهذه القائمة أعلاه، يصبح واضحاً أن عالم ماركيز لم يُقتبس كثيراً، خاصّة أن معظم المحاولات جاءت من خارج كولومبيا، بالإضافة إلى أن المخرجين، ومنهم كارلسن، واجهوا صعوبة في نقل حرارة المكان الكولومبي إلى الشاشة.
دعوني أعود إلى مائة عام من العزلة، الذي دفعني لكتابة هذه السطور. المسلسل صُوِّر بالكامل في كولومبيا، في مناطق تمتد من أقصى الشمال الكاريبي إلى قلب جبال الأنديز. أهم مواقع التصوير كانت لا غواخيرا، ماغدالينا، سيزار، كونديناماركا، وتوليما، وهي مناطق تحمل جغرافيا الرواية نفسها، ومن خلال السهول الحارّة والمستنقعات والغابات الساحلية، والجبال التي تفصل الداخل عن الساحل. الجزء الأكثر حساسية، وبفضل تمويل نيتفليكس، كان بناء ماكوندو نفسها، وقد شُيّدت من الصفر قرب مدينة ألڤارادو في توليما، حيث بُنيت أربع نسخ مختلفة من البلدة لتعكس تغيّر الزمن عبر الأجيال. هذا البناء لم يكن ديكوراً عابراً وكواليس فيلمية على الإطلاق، بل مدينة كاملة فيها أشجار حقيقية تعيش فيها الطيور، وشوارع تمتلئ بالكلاب، وبيوت صُنعت أثاثها من متاجر التحف ومن حرفيين محليين.
الإخراج تولّاه اثنان؛ أليكس غارسيا لوبيز (غير معروف تاريخ مولده) ولورا مورا (م ١٩٨١). غارسيا لوبيز أرجنتيني المولد يقيم في الولايات المتحدة، ويحمل خبرة واسعة في الأعمال الضخمة، ويعرف كيف تُدار الإنتاجات المعقدة ذات الخطوط الزمنية المتداخلة. هذه الخبرة كانت ضرورية لأن الرواية نفسها شبكة من الأزمنة المتداخلة. أمّا مورا، في المقابل، فهي كولومبية، وتتعامل مع البيئة الاجتماعية والسياسية الكولومبية بعمق. هذا المزج بين عين عالمية وخبرة محلية هو ما أعطى المسلسل توازنه، في رؤية واسعة، وجذور بتفاصيل كولومبية.
يُعدّ العمل كأكبر مشروع لاتيني في تاريخ نيتفليكس، مُحافظاً على البيئة الكولومبية التي كان ماركيز يصرّ على عدم فقدانها. يجب الإشارة هنا، قبل الخوض في أية تفاصيل اخرى، إلى أن المسلسل يقدّم ماكوندو كعالمٍ ملموس، وينجح في بناء المكان والحقبة بدقة، علاوة على أنّه يلتزم باللغة الإسبانية وباللكنة الساحلية التي أرادها ماركيز. لكن لا بد أيضاً من الإشارة إلى التحدّي البنيوي الذي يُصاحب نقل أيّ عمل روائي كبير إلى الشاشة، فالصورة لا تستطيع أن تحمل كل ما تحمله الجملة، ومن الطبيعي أن تبقى الرواية أكبر من أي اقتباس مهما كانت ضخامة الإنتاج. المشكلة تكرّرت ومازالت في نقل أمّهات الروايات العالمية إلى الشاشة. هذا التقييم ليس حكماً نهائياً، بطبيعة الحال، لكنه يعكس الانطباع النقدي العام في الإحترام الأخلاقي للنص، ورهافة الإنجاز البصري، مع إدراك، وهذا هام للغاية، أن الرواية لا يمكن أن تُختزل بالكامل في الشاشة.
مشاركة عائلة ماركيز كانت أساسية وعنصراً حيوياً في علاماته الإيجابية. فقد شارك ابنه رودريغو غارسيا (م ١٩٥٩) في الإشراف الإبداعي، وهو نفسه مخرج وسينمائي معروف، وهو الذي قال مراراً إن والده كان يرفض تحويل الرواية إلى فيلم، لكنه كان سيقبل بها إذا صُوّرت في كولومبيا وبالإسبانية وعلى مدى ساعات طويلة، وهذا ما تحقق أخيراً. كذلك شارك غونثالو غارسيا بارشا (م ١٩٦٢)، الابن الآخر، في العملية الإبداعية، إلى جانب فريق كولومبي واسع من الكتّاب والمستشارين التاريخيين. وهنا، لم يكن وجود العائلة رمزياً على الإطلاق، بل كان ضمانة بأن العمل لن ينزلق إلى تحويل ماكوندو إلى ديكور بلا ذاكرة. مسلسل مائة عام من العزلة يدخل إلى عالم ماكوندو من بابٍ يبدو للوهلة الأولى مغرياً. فهو يقوم على تحويل واحدة من أكثر الروايات كثافةً وتخيّلاً في تاريخ الأدب العالمي، إلى عمل سينمائي طويل مُمتدّ، يسمح بتوزيع الأجيال والأحداث على حلقات، ويمنح الشخصيات مساحة زمنية تشبه امتدادها في النص. لكن المشكلة تبدأ من طبيعة الرواية نفسها؛ فهي حكاية يصعبُ نقلها، لأنّها طريقة في رؤية العالم، وفي جعل الزمن يدور حول نفسه، وفي تحويل القرية إلى استعارة كبرى عن التاريخ والذاكرة والعائلة والسلطة. حين تتحوّل هذه الطريقة إلى صورة، يحدث أول شرخ، فالصورة تُغلق ما كانت الجملة تفتحه.
ماكوندو، في الرواية، هي كيان يتكوّن في ذهن القارئ عبر تراكم الجمل والتكرار، والأسماء التي تعود وتتشابه، والإحساس بأن الزمن يلتفّ حول نفسه. القارئ نفسه يشارك في خلق القرية، ويملأ الفراغات، ويختار شكل البيوت، ويقرّر كيف يبدو النهر، والغابة، وكيف يلمع المطر على الأسطح. أمّا في المسلسل فكل هذا يُحسم مسبقاً. هناك قرية جاهزة مبنية، وهناك نهر محدّد، وغابة مصوَّرة، وألوان وملابس ووجوه. دعوني أُؤكدّ أن هذا لا يعني أن العمل ضعيف بصرياً، بل على العكس، الإنتاج ضخم، والبيئة مشغولة بعناية، لكن انتقال ماكوندو من كونها احتمالاً في ذهن القارئ إلى كونها صورة نهائية على الشاشة يغيّر طبيعة التجربة جذرياً. القارئ كان شريكاً في الخلق، أما المشاهد فيتلقّى ما صيغ له.
الفارق الأهم بين الرواية والمسلسل يكمن في طريقة التعامل مع الواقعية السحرية. فالسحر، في النص، ليس حدثاً غريباً يُضاف إلى الواقع، بل هو جزء من نسيج العالم؛ الأشياء العجيبة تحدث كما لو كانت عادية، والناس يتعاملون معها بلا دهشة مفرطة، كأنها جزء من منطق الحياة. ريميديوس الجميلة تصعد إلى السماء وهي تطوي الملاءات، ولا يتوقف السرد ليشرح أو يفسّر، بل يمضي كأن ما حدث طبيعي في عالمٍ له قوانينه الخاصة. في المسلسل، تُحوَّل هذه اللحظات إلى مشاهد ذات ثقل سينمائي واضح، بما في ذلك من مؤثرات وإضاءة وموسيقى (أُقتبست أحياناً حتّى من أغاني غربية معاصرة) وزوايا كاميرا. السحر يصبح «حدثاً» يُنتظر ومشهداً يُبنى ولحظةً تُسوَّق، بينما كان في الرواية جزءاً من تيار السرد نفسه. هنا يفقد السحر طبيعته اليومية، ويتحوّل إلى عرضٍ مرئي، ليبتعد عن جوهر الواقعية السحرية كما صاغها ماركيز، التي تقوم على أن العجيب لا يُعامل كاستثناء بل كجزء من الواقع.
تعمل الرواية، على مستوى الزمن، على تفكيك الإحساس الخطي بالوقت؛ هناك الأجيال التي تتكرر، والأسماء التي تعود، والأحداث التي تتشابه، والماضي الذي يطلّ من خلال الحاضر، والحاضر يبدو أحياناً كإعادة كتابة للماضي. ماركيز يُضيّع القارئ عمداً في هذا الزمن، ليصبح التيه جزءاً من التجربة. يريد أن يقول إن التاريخ في هذه المنطقة من العالم لا يمشي إلى الأمام، لكنه يعيد إنتاج نفسه بأسماء جديدة. وهنا يتخبط المسلسل قليلاً، لأنّه مضطر إلى ترتيب الأحداث ووضعها في تسلسل ليتمكن المشاهد من متابعته. إلى تحديد البداية والنهاية لكل جيل، ثمّ إلى رسم خطّ واضح لمسار العائلة. الترتيب ضروري في لغة الصورة، لكنه يخفّف من أثر التيه، ويحوّل الملحمة إلى سردٍ يمكن تلخيصه، بينما الرواية تقاوم التلخيص، وتقاوم أن تُختزل في «ما حدث» فقط، لأنها معنية بالطريقة التي يُحكى بها ما حدث، لا بالأحداث وحدها.
هنا يمكن فهم لماذا تبدو بعض الشخصيات في المسلسل أقل كثافة مما هي عليه في الرواية. ففي النص، الشخصيات ليست فقط ما تفعله، بل ما يقال عنها، وما يُسكت عنه، وما يُلمَّح إليه، وما يُترك للقارئ ليملأه. هناك هالة من الغموض تحيط بكل شخصية، فتجعلها أكبر من حضورها المباشر في الأحداث. في المسلسل، الشخصيات تُعرَض من خلال أفعالها وحواراتها وصورتها، فتفقد جزءاً من تلك الهالة الغامضة، وتصبح أقرب إلى نماذج يمكن وصفها بصفات محددة. الكولونيل أورليانو بوينديا، مثلاً، في الرواية هو شخصية تتكوّن من أفعالٍ وحروبٍ وصمتٍ طويل، ومن جملة افتتاحية شهيرة تربطه بالذاكرة والطفولة، بينما في المسلسل يتحوّل إلى شخصية تاريخية يمكن تتبّع مسارها، مع حضورٍ قوي، لكنه أقل التباساً مما هو عليه في النص. الأمر، الأكثر إيجابياً، هو الراوي الذي يرافق الحدث الدرامي بين الفينة والاخرى، حيث كان الأقرب إلى ماركيز من تصوير ماركيز.
إذا وسّعنا النظرة إلى التجارب السينمائية السابقة المقتبسة من روايات ماركيز، سنجد أن المشكلة ليست فقط في النص، بل في البيئة. كثير من المحاولات التي اقتبست أعماله جرت في سياقات غير كولومبية، أو في بيئات لا تحمل نفس التاريخ السياسي والاجتماعي الذي يتغذى منه عالم ماركيز. الواقعية السحرية عنده ليست زخرفة، بل هي طريقة في التعبير عن واقعٍ سياسي عنيف، تاريخ من الاستعمار، حروب أهلية، عنف الدولة، حضور الكنيسة، اقتصاد الموز، الشركات الأجنبية، الانقلابات وعن الذاكرة الجماعية. حين تُنقل هذه الأعمال إلى بيئة أخرى، أو تُصوَّر في أماكن لا تحمل هذا التاريخ، يتحوّل السحر إلى «أسلوب» منفصل عن جذره، ويصبح العالم مجرد خلفية غريبة، لا حاضنة لتجربة تاريخية محددة.
في بعض الاقتباسات السابقة، بدا أن المخرجين مفتونون بالغرابة الشكلية. فهناك مطرٌ من زهور، رجلٌ يعيش سنوات طويلة غير واقعية وقريةٌ معزولة، لكنهم لم يلتقطوا فكرة أن هذه الغرابة ليست هدفاً في ذاتها، بل هي طريقة في قول شيءٍ عن الواقع السياسي والاجتماعي. حين تغيب البيئة الكولومبية، أو تُستبدل ببيئة عامة لا ملامح لها، يفقد السحر جذره، ويصبح مجرد فانتازيا يمكن أن تحدث في أي مكان، بينما في نصوص ماركيز، المكان ليس قابلاً للاستبدال؛ لأن مكانه هو خلاصة تاريخٍ مُحدّد بعيداً عن كونه ذاكرةٍ مُحدّدة، وتجربةٍ مُحدّدة في العزلة والاتصال بالعالم.
مسلسل مائة عام من العزلة يحاول أن يتفادى جزئياً فخّ إشكالية نقل البيئة والمناخ السياسي والإجتماعي الكولومبي الذي يتغذّى عليه عالم ماركيز الواقعي السحري، الذي يُشكّل عنده التعبير عن الواقع العنيف والإستعمار والحروب الأهلية وحضور الكنيسة واقتصاد الموز والشركات الأجنبية والإنقلابات. كلّ ذلك عبر بناء ماكوندو في كولومبيا نفسها، واستخدام اللغة الإسبانية، وإشراك عائلة ماركيز في المشروع. لكن، هل يكفي أن تُبنى القرية في المكان الصحيح لكي تُنقل التجربة؟ البيئة، علاوة على جغرافيتها، هي أيضاً طريقة في النظر والإيقاع والعلاقة بين الصورة والواقع. هناك دائماً خطر أن تتحوّل ماكوندو إلى «ديكور» جميل، وقريةٍ مصمَّمة بعناية، دون أن تحمل ثقل التاريخ الذي تحمله في الرواية، لأن الكاميرا، مهما حاولت، تظلّ أسيرة زمن التصوير، بينما الرواية قادرة على أن تحمل قرناً كاملاً في جملة واحدة.
في المُحصّلة، فإن المقارنة بين الرواية والمسلسل، يقودني إلى القول إن العمل التلفزيوني ينجح في تقديم ملحمة عائلية واسعة، وتعريفي، كمُشاهد، بعالمٍ غنيّ بالشخصيات والأحداث، لكنه لا يستطيع أن يقدّم لي التجربة نفسها التي تقدّمها الرواية، لأن هذه التجربة تقوم على مشاركة القارئ في خلق العالم، وترك الفراغات، والسماح للخيال بأن يعمل، وجعل اللغة جزءاً من السحر. المسلسل يقدّم «ما حدث في ماكوندو»، بينما الرواية تقدّم «كيف يصبح العالم حين يُروى بهذه الطريقة». الفارق بين الاثنين هو الفارق بين أن ترى قريةً مصوَّرة، وأن تبني قريةً في رأسك.
أما عن فشل كثير من التجارب السينمائية السابقة المقتبسة من روايات ماركيز، فيمكن تلخيصه في نقطتين أساسيتين: الأولى أنّ هذه الأعمال تعاملت مع الواقعية السحرية كزينة، لا كجوهر، فركّزت على المشاهد الغريبة وأهملت البنية العميقة التي تربط السحر بالواقع السياسي والاجتماعي. والثانية أنّها لم تستطع أن تخلق بيئة تحمل نفس التوتر التاريخي الذي تحمله كولومبيا في نصوص ماركيز، فبدت العوالم المصوَّرة كأنها مسارح جميلة بلا ذاكرة. في غياب هذه الذاكرة، يصبح السحر بلا معنى، لأن العجيب في عالم ماركيز هو الطريقة في قول الحقيقة، لا الهروب منها.
مسلسل «مائة عام من العزلة» كعملٍ مستقلّ، له لغته، وجمهوره، وقيمته الفنية والدرامية، لكن لا ينبغي التعامل معه كبديل عن الرواية، ولا كنسخةٍ مكافئة لها. الرواية تظلّ تجربة قراءة لا يمكن استبدالها بتجربة مشاهدة، لأنها تقوم على علاقة خاصة بين القارئ والنص، وعلى قدرة اللغة على أن تخلق عالماً لا يُختزل في صورة واحدة. لكنني أرى أيضاً، أن المسلسل يفتح باباً جديداً إلى ماكوندو، دون أن يغلق باب القراءة، بل ربما يجعل العودة إلى النص أكثر إلحاحاً، لمن يريد أن يعرف كيف يمكن لقريةٍ صغيرة في كولومبيا أن تصبح واحدة من أكبر استعارات القرن العشرين.
#منير_المجيد (هاشتاغ)
Monir_Almajid#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أولُ خطوةٍ في موسمٍ يولد من الماء
-
المُهمّشات المُناهضات للنموذج الياباني للأنوثة
-
نوربراندت: شاعرٌ خرج من الشمال ليكتب ضوء المتوسط
-
طبقات المنفى في أعمال بهرم حاجو
-
قصائد عُضيمة تمشي على أطراف العالم
-
الصين التي تعيد رسم العالم بلا ضجيج
-
رواية التراث بين فيلم نولان واليمين
-
مصانع كوريا الثقافية
-
نهاية سلطة العالم القديم وصعود السلطة الخوارزمية
-
توسيع إطار السرد في ردٌّ إلى السيد حسين علوان حسين
-
سردية الإباحية اليابانية عبر القرون، من الشونغا إلى الدمى ال
...
-
من تيزُكا إلى ميازاكي: صارت طفولة اليابان فلسفة وطن
-
«جيلٌ يعيش فوق خطّ الصدع»، عن الفيلم الياباني «النهاية السعي
...
-
«القلق الياباني الجميل»، من القصيدة إلى السينما
-
الولايات المتحدة بين التاريخ والتحوّلات المعاصرة.
-
قراءة في الشعبوية الدينية من أمريكا إلى الشام
-
حين غنّت تونس بيرة وشمپانيا
-
المونديال: كرة الفقراء التي صارت بورصة الأغنياء
-
اليابانية يوزوكي تستخدم الطعام كأداة تفكيك لا كزينة سردية
-
قراءة مُتأخرة «للرواية الأخيرة» لماركيز
المزيد.....
-
من الأسد الذهبي إلى مقاعد التحكيم.. صناعة السينما العربية تف
...
-
-جدران من قماش- لنعمة حسن: توثيق العام الأول من حرب الإبادة
...
-
8 جامعات تلتقي على خشبة -القصبة- ومواهب شابة تشق طريقها إلى
...
-
تزايد القلق داخل البنتاغون بشأن تركيز هيغسيث على حروب الثقاف
...
-
خطة ترامب لإنقاذ هوليوود تهدد صناعة السينما الكندية
-
النار.. مفتاح محتمل لنشأة اللغة البشرية!
-
بعد استقالة -رجل المسيّرات-.. مصادر لـCNN: مخاوف في الجيش ال
...
-
رحيل خالد كافو.. الكوميديا الليبية تفقد أحد أبرز وجوهها
-
البحر الأحمر السينمائي: حضور بارزفي مهرجان البندقية السينمائ
...
-
-أنت لا تنتمي إلى هنا-: أسلوب سينمائي مختلف يكشف تغيّراً في
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|