أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - منير المجيد - لماذا أكتب؟















المزيد.....

لماذا أكتب؟


منير المجيد
(Monir Almajid)


الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 02:47
المحور: قضايا ثقافية
    


مرة اخرى، عودةٌ إلى سؤال قديم.

المراهقة التي تلتقط صوراً لنفسها في أوضاع مختلفة، بعضها مغناج، طمعاً في إعجاب الآخرين، والشخص الذي يضع صورة شخصية على فيسبوك منتظراً عشرات أو مئات التعليقات من نوع «منوّر» أو «جمالو»، لا يختلفان كثيراً عن الفنّان التشكيلي الذي يعرض لوحاته، أو الكاتب الذي ينشر قصيدة أو قصة. الجميع يسعى إلى الإطراء، ذلك الوقود الذي يدفع الناس منذ طفولتهم إلى بذل جهد أكبر لنيل كلمة إعجاب واحدة.
حتى الحيوانات الأليفة تبحث عن هذا النوع من القبول، ولو لأسباب تختلف عن أسبابنا. هكذا نحن، نريد أن نحظى بالإعجاب، ولا أرى في ذلك خطأً بطبيعة الحال.
لكن ما يشغلني الآن هو الحديث عن نفسي، كما فعلت في مرات كثيرة، وإعادة الإشارة إلى الدافع الذي يجعلني أكتب أحياناً. آمل أن تتحملوني مرة أخرى، كما فعلتم سابقاً.

ما وصلتُ إليه الآن يشبه تلك اللحظة التي يدرك فيها المرء أن أفكاره ليست صالحة للتعميم، وأن ما أكتبه لا ينتمي إلى مدرسة ولا إلى تقليد، بل إلى مزاجي الشخصي، إلى طريقتي في اللعب حين أكتب، وإلى جديّتي حين أتظاهر بالجد. لذلك اسمحوا لي في قليل من الاسترسال و pocket philosophy، أي دون تكلّف وتصنّع إلا بقدر ما يسمح به المزاج.

الكتابة عندي ليست مهنة والمعاذ بـ، بل وسيلة للهو، للتهرّب من العالم، وللوقوف أمامه في الوقت نفسه. وحين أقول أنني أستغلّ الكتابة للفرفشة، فأنا في الحقيقة أُشير إلى شيء أعمق، وهو أن الكتابة هي طريقة لقياس حرارة الوجود.

أكتب لأن الكتابة، في جوهرها، ليست فعلاً لغوياً، بل محاولة لفهم ما يعنيه أن يكون الإنسان موجوداً. هذا الفهم لا يأتي من الجمل، بل من تلك الحركة الخفية التي تحدث حين تتحوّل الفكرة إلى لغة، وحين تخرج من الرأس إلى أزرار الكيبورد، فتتخذ شكلاً لا يشبه شكلها الأول.
لسنواتٍ طويلة ظننتُ أنني أكتب لإرضاء نفسي، وأن الآخرين ليسوا سوى تلك الفتحة الصغيرة التي أتركها مفتوحة كي يدخل منها شيء من الضوء. لكن حين أُفكّر الآن، أدرك أن الأمر أعقد، لأنّ الكتابة ليست إرضاءً، أو بحثاً عن ضوء، لا لا، هي محاولة لتثبيت شيء يتفلّت دائماً عندي، محاولة لفهم الذات وهي تتشكّل خارج ذاتها، وللقبض على لحظة لا تُقبض.

هذا التعقيد هو ما يجعل الكتابة، في النهاية، فعلاً وجودياً، حتى حين تأتي في ثوب المزاح. لأن المزاح نفسه، حين يُكتب، يتحوّل إلى سؤال: ماذا يعني أن أقول هذا؟ ماذا يعني أن أكون الشخص الذي يقوله؟ وما الذي يتغيّر حين أراه مكتوباً أمامي؟ هنا يصبح اللعب شكلاً من أشكال الجدّية، والجدّية، بذاتها، امتداد للعب. ثمّ تصبح الكتابة تلك المنطقة التي يلتقي فيها الاثنان دون أن يطغى أحدهما على الآخر.

النشر، رغم تردّدي منه، يكشف جانباً آخر من الفكرة.
لو كنت أكتب لنفسي تماماً، لاحتفظت بكل شيء في أدراجي، أو في ملفاتي كي لا تطالني عبارة «دقّة قديمة»، لكنني أنشر نصف ما أكتبه، لأن الإنسان، مهما ادّعى الاكتفاء بذاته، يحتاج إلى أن يرى انعكاسه في عينٍ أخرى، حتى لو كانت عين قارئ مجهول.
لا أقصد البحث عن تصفيق، بل أبحث عن صدى. عن علامة على أن الكلمات هي جزءٌ من حركة أكبر، تجعل النصّ يخرج من عزلة الكاتب إلى عزلة قارئ آخر، فيلتقيان دون أن يعرف أحدهما الآخر.

حين طُبع كتاب «قامشلو»، بتشجيع ودعم هائل من صديق مُقرّب جداً، لم أفعل ذلك لأنني أردت أن أكون كاتباً، بل لأن فكرة ذكريات الطفولة والمراهقة، كانت أثقل من أن تبقى في رأسي وحده. ومع ذلك، لم أسعَ إلى توزيعه، لأنني لا أرى الكتاب سلعة، بل أراه ضرورة، وشيئاً يشبه الهواء، لا يملك أحد حقّ احتكاره. ربما لأنني أؤمن أن المعرفة لا تُباع، وأن النصّ حين يُباع يفقد شيئاً من صدقه. وربما لأنني لا أحتمل فكرة أن أضع نفسي في موقع من ينتظر موافقة دار نشر، أو حكم محرّر، أو قرار لجنة.
الكتابة بالنسبة لي فعل حرّ، وأي مؤسسة تحيطه بسياجٍ تجعله يفقد شيئاً من روحه.

الكتّاب الذين يسعون إلى تخليد أسمائهم يفعلون ذلك لأن الإنسان، بطبيعته، يخاف الفناء. يريد أن يترك أثراً، يريد أن يقول: كنت هنا. لكنني، وأقولها بلا ادّعاء، لا أسعى إلى تخليد، لأنني لا أرى أن الأثر يُصنع بالنشر، بل بطريقة العيش نفسها. الأثر الحقيقي ليس ما يُكتب، بل ما يتركه الإنسان في حياة من عرفوه. أما النصوص، فهي مجرد محاولات لفهم الذات، لا أكثر. ربما يقرأها أحد، وربما لا، لكن قيمتها لا تتغيّر.

أشعر، كلما نشرت نصاً طويلاً يحتاج إلى وقتٍ ليُقرأ، أن هناك نوعاً من التفاعل السريع الذي لا يمتّ بصلة إلى القراءة نفسها.
على صفحات الفيسبوك، لمستُ أن بعض الأصدقاء يسارعون إلى وضع «لايك» بعد دقيقة واحدة من النشر، رغم أن قراءة النص تستغرق خمساً وعشرين دقيقة على الأقل. هذا النوع من التفاعل يشبه حركةً آلية، لا علاقة لها بالنص ولا بما يحمله من جهدٍ أو معنى.
والرقم الذي يُقارب ٨٠٠ ألف قارئ لكتاباتي على موقع الحوار المتمدن، لا يعني أن هؤلاء تصفّحوا ما أكتبه، بل مرّوا عليها، كما في وسائل التواصل الاجتماعي الاخرى.
ولأكن صريحاً، أنا لا أكتب لهؤلاء، ولا أنتظر منهم شيئاً. الكتابة بالنسبة لي فعلٌ يتطلّب وقتاً، وصبراً، وهدوءاً، ولا يمكن اختزاله في إيماءةٍ سريعة لا تعبّر عن قراءة ولا عن اهتمام. وربما لهذا السبب أفضّل أن يصل نصّي إلى من يقرأه فعلاً، لا إلى من يمرّ عليه كما يمرّ على أي منشورٍ آخر في زحام اليوم.

عشت حياتي بعيداً عن الضوء، ليس خوفاً منه، بل لأن الضوء يفرض على الإنسان أن يكون نسخةً صالحة للعرض. وأنا لا أجيد أن أكون نسخة. خجلي الاجتماعي ليس ضعفاً، بل طريقة تجعلني أفضّل العزلة لأنها تمنحني مساحة للتفكير دون أن أشعر بأن أحداً يراقبني. العزلة ليست انسحاباً، بل هي شكل من أشكال الحرية.
حرية أن تكون كما أنت دون أن تضطر إلى تبرير وجودك.

الكتابة حتى لو كانت سطراً ساذجاً، في معناها الأعمق هي الكشف. كل نصّ هو محاولة لرفع غطاء من أغطية الذات، ومحاولة لرؤية ما تحتها. أكتب لأنني أريد أن أفهم نفسي، لا لأنني أريد أن أقدّم نفسي للآخرين. أكتب لأن الأفكار التي تتوه في رأسي تحتاج إلى شكل، تحتاج إلى جسد، تحتاج إلى لغة كي لا تتحوّل إلى ضجيج داخلي. أكتب لأن الكتابة تمنحني توازناً، وتعيد ترتيب الفوضى التي تتراكم في الداخل. أكتب لأنني حين أكتب أشعر بأنني أتنفّس بطريقة مختلفة، وكأن الكلمات تفتح نافذة في مكانٍ لم يكن فيه نافذة من قبل.

وربما أكتب لأن الكتابة هي الطريقة الوحيدة التي أستطيع بها أن أقول لنفسي «أنا موجود»، دون أن يكون بمعناه الفلسفي. ليس ذلك الوجود الذي يحتاج إلى جمهور، ولا إلى قارئ، ولا إلى ضوء، لكن ذلك الوجود الهادئ البسيط، الشبيه بجلوس إنسانٍ في غرفةٍ صغيرة يكتب شيئاً لا يعرف إن كان سيقرأه أحد، لكنه يعرف أنه يحتاج إلى كتابته كي يستمرّ في (أتعرفون ما هو؟)، نعم، في التنفّس.

أنا لست صاحب رسالة، أُريد تمريرها عبر ما أكتبه، على الإطلاق.



#منير_المجيد (هاشتاغ)       Monir_Almajid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانطفاء
- الإنكماشٌ الوجودي الشامل لمسيحيي سوريا
- مائة عام من العزلة: ماكوندو بين اللغة والصورة
- أولُ خطوةٍ في موسمٍ يولد من الماء
- المُهمّشات المُناهضات للنموذج الياباني للأنوثة
- نوربراندت: شاعرٌ خرج من الشمال ليكتب ضوء المتوسط
- طبقات المنفى في أعمال بهرم حاجو
- قصائد عُضيمة تمشي على أطراف العالم
- الصين التي تعيد رسم العالم بلا ضجيج
- رواية التراث بين فيلم نولان واليمين
- مصانع كوريا الثقافية
- نهاية سلطة العالم القديم وصعود السلطة الخوارزمية
- توسيع إطار السرد في ردٌّ إلى السيد حسين علوان حسين
- سردية الإباحية اليابانية عبر القرون، من الشونغا إلى الدمى ال ...
- من تيزُكا إلى ميازاكي: صارت طفولة اليابان فلسفة وطن
- «جيلٌ يعيش فوق خطّ الصدع»، عن الفيلم الياباني «النهاية السعي ...
- «القلق الياباني الجميل»، من القصيدة إلى السينما
- الولايات المتحدة بين التاريخ والتحوّلات المعاصرة.
- قراءة في الشعبوية الدينية من أمريكا إلى الشام
- حين غنّت تونس بيرة وشمپانيا


المزيد.....




- انتخابات روسيا.. رد على إرهاب نظام كييف
- الدنمارك تتكتم على تفاصيل اتفاقها مع واشنطن حول غرينلاند
- ترامب يطالب زيلينسكي بوقف الضربات على مصافي النفط الروسية
- -كل الخيارات متاحة-.. وزير مصري يكشف أوراق القاهرة في مواجهة ...
- السلطات الإيرانية تنفي رسميا وقف تسيير الرحلات مع العراق
- البيت الأبيض يعد مرسوما لتشديد الرقابة على المنح العلمية الص ...
- سوريا.. إلقاء القبض على ضابط سابق في مخابرات نظام الأسد
- أول تعليق من خوان بيزيرا بعد انتقاله إلى شباب الأهلي
- كواليس حسم الزمالك الاتفاق مع المدير الرياضي الجديد
- محمد الشناوي يدرس الاعتزال دوليًا بسبب حسام حسن


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - منير المجيد - لماذا أكتب؟