أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ماجد محمد مصطفى - الرقم الذي يخافه النظام.. لماذا لم يعد يخاف من التظاهرات؟!














المزيد.....

الرقم الذي يخافه النظام.. لماذا لم يعد يخاف من التظاهرات؟!


ماجد محمد مصطفى
كاتب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8839 - 2026 / 9 / 25 - 18:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تغيّرت أدوات صراع المجتمعات مع سلطاتها عبر التاريخ، في محاولات مستمرة لابتكار آليات قادرة على كبح الشطط السياسي والحد من الانفلات؛ ليس عبر الأدوات التي تستهدف تغيير الأشخاص، والتي كانت سبباً في ولادة أنظمة أكثر قمعاً وفساداً من سابقتها، بل عبر الآليات التي استطاعت في لحظات تاريخية فارقة تغيير قواعد السلطة وإعادة تشكيل بنية سياسية جديدة.
عندما اقتحم الفرنسيون سجن الباستيل عام 1789 رافعين شعارات الحرية والمساواة، لم تكن ثورتهم مجرد انفجار شعبي عفوي، فقد سبقتها أزمات مالية واجتماعية وفكرية عميقة. غير أن تلك الأحداث كشفت لاحقاً أن أداة الهدم قد تكون أكثر فاعلية من أداة البناء؛ فالثورة التي فتحت الطريق أمام تحولات عميقة في مفاهيم المواطنة والسيادة والحقوق، دخلت أيضاً مرحلة أصبحت فيها المقصلة إحدى أدوات حسم الصراع.
وبعد أكثر من قرن، جاءت الثورة البلشفية عام 1917 بأداة مختلفة؛ إذ استند البلاشفة إلى تنظيم حزبي مركزي، وأيديولوجيا واضحة، وتنظيم العمال والجنود، والسيطرة المباشرة على مفاصل الدولة، لينتقلوا إلى تطبيق نموذجهم السياسي والاقتصادي الذي امتد تأثيره إلى دول عدة في أوروبا وآسيا خلال القرن العشرين، ولا زالت دول مهمة تسير في هدي هذا النهج.
وفي المقابل، طوّرت بعض التجارب الدستورية الغربية حلاً مختلفاً؛ فلم يعد المطلوب إسقاط الحاكم، بل توزيع السلطة بحيث لا يستطيع أي طرف احتكارها، تحت مسميات "فصل السلطات وتوازنها"، والرقابة ومحاربة الفساد، بما يضمن ممارسة رقابة متبادلة تمنع تمركز القوة في جهة واحدة.
ومع تحولات القرن الحادي والعشرين، بدأت تظهر حدود واضحة لأدوات التغيير التقليدية. فالاغتيال السياسي لا يعني بالضرورة تفكيك النظام؛ إذ تستطيع المؤسسات القائمة استبدال الفرد والمحافظة على بنيتها وسياساتها.
كما أن التعويل على حراك الشارع، كما شهدت دول "الربيع العربي"ـ، واجه تكيّفاً سريعاً من السلطات الحديثة؛ فبرغم القدرة على الحشد الفوري عبر شبكات التواصل الاجتماعي، طوّرت السلطة أدواتها لاختراق الاحتجاجات، وامتصاص الغضب، وشراء الذمم، بل وتبني نفس شعارات الشارع للالتفاف عليها.
وهنا تظهر العقبة الكبرى في معظم المجتمعات: إن الوسائل التغييرية التقليدية داخل الدولة كالصحافة المحلية، والقضاء، وحتى منظمات المجتمع المدني تُستوعَب تدريجياً وتتحول إلى واجهات تابعة للنظام ومسخرة لخدمة بقائه وتغطية تجاوزاته.
وأمام هذا التدجين المؤسسي الشامل، لم يعد السؤال: كيف نعتمد على مؤسسات الدولة لكبحها؟ بل: كيف نتجاوز هذه الأجهزة المخترَقة والتابعة بالكامل للحاكم؟
لقد تحوّل المسار الملحمي لمواجهة الأنظمة من منطق الثورة الشارعية أو الرهان على مؤسسات محلية مدجنة، إلى البحث عن الأدلة والبيانات والوثائق المفتوحة، وسجلات الصفقات المشبوهة، وغسيل الأموال، وتحركات أموال المسؤولين عبر شبكات رقمية مستقلة وعابرة للحدود. نشأت بذلك آليات رقابية محترفة متفوقة تقنياً، تتولى توثيق كل تجاوز بالزمان والمكان والتكلفة، لتتجاوز التفاوت التقليدي بين إمكانيات السلطة وقدرات المطالبين بالعدالة.
إن أي سلطة تستطيع قمع مظاهرة، أو إغلاق مقر، أو المضي في اعتقال الناشطين، أو اغتيالهم، والسيطرة التامة على قضاتها وإعلامها الرسمي ومؤسساتها المدنية، لكنها لا تستطيع دحض تقارير مالية رقمية مدعومة بالأرقام تخاطب الرأي العام العالمي، والمؤسسات النقدية، والأسواق الماليّة بلغة لا يمكن إنكارها.
ومن خلال تحويل توثيق القرارات الفاسدة إلى ملفات قانونية محفوظة لا تسقط بالتقادم، ينشأ مفهوم "الكبح المزدوج": تقييد يد السلطة السياسية من جهة، وتكبيل الأدوات الرقمية التي تستخدمها للتجسس والتضليل من جهة أخرى.
هذا التكتيك يفرض على السلطة كلفة باهظة لأي قرار استبدادي أو صفقة مشبوهة، حيث يصبح الفساد مكشوفاً فور حدوثه، وغير قابل للتبرير، ومصحوباً بتداعيات سياسية واقتصادية مباشرة لا تحميها منها أدواتها وأجهزتها التابعة.
في ضوء ذلك، يتحول دور "المثقف"ـ إذا أراد ـ من إثارة المشاعر إلى دور "المحقق المعرفي" الذي يتقن قراءة البيانات، وفصل الحقائق عن الشائعات، وترجمة الأرقام للصالح العام لبناء موقف سياسي واعي. فلم يعد الرهان على مؤسسات رسمية أو منظمات مرخصة ومربوطة بذمة السلطة، بل على قوة الحقيقة الرقمية العابرة لرقابة الدولة، والدليل الموثق الذي يجرّد الاستبداد من أدوات تضليله، ويجعل التوثيق اللامركزي المستقل أكثر الطرق حكمة وفاعلية في إرباك السلطة وكبحها.

فالقوة الحقيقية للبيانات لا تكمن في قدرتها على إسقاط النظام بضربة سحرية، بل في خلق "نقطة انكسار داخلي" عندما تدرك النخب الاقتصادية والأمنية المحيطة بالحاكم أن كلفة التغطية على الفساد ومواجهة العزلة الدولية أصبحت أعلى بكثير من منافع بقائه، مما يجبر النظام على التنازل أو الانقسام من الداخل.



#ماجد_محمد_مصطفى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يرتدي البوقُ ثوبَ المثقف
- خانقين... نهر يجري ومدينة متوقفة
- بعد قسد.. هل تبقى أربيل؟
- مظلوم عبدي.. القرار الأصعب ليس دائمًا قرار القتال
- بنادق تركيا... وسيادة العراق
- أين اختفت رواتب الموظفين المتراكمة؟
- فضائيات شفافة.. سؤال عن المال والمساءلة
- خُدّام الشعب
- -شمال العراق-.. عقدة الاستخبارات الاقليمية والدولية
- كأس العالم.. قراءة في الرياضة والاقتصاد والسياسة والتكنولوجي ...
- كأس العالم.. قراءة في الرياضة والاقتصاد والسياسة والتكنولوجي ...
- -حسابي... أم حسابهم؟-
- ناي
- لو كنت رئيسا للوزراء؟ (2)
- لو كنت رئيسا للوزراء؟
- خطوة شجاعة.. هل لها رد مماثل؟!
- ميكي ليفي كورديا وصلاح الدين عربيا!
- راح البابا
- قوباد طالباني وخطوة شجاعة
- كورونا!


المزيد.....




- شريان النفط الليبي تحت الحصار
- بيلاوسوف يتفقد قوات الشمال ويطلع على خصائص عمل المسيرات
- زاخاروفا: كييف حاولت زعزعة الاستقرار خلال انتخابات الدوما بد ...
- من رمادها ولدت باريس!.. اكتشاف أنقاض مدينة أحرقها سكانها لمن ...
- 12 تريليون طن من الجليد تذوب.. غرينلاند وأنتاركتيكا تدفعان ا ...
- كيف أصبحت المسيرات قادرة على استهداف بعضها؟
- تجدد الاشتباكات في إقليم تيغراي، والجيش الإثيوبي يقتل أكثر م ...
- زوجة شي جينبينغ.. .دبلوماسية الصين الناعمة في ظل التوتر مع و ...
- لبنان.. ارتفاع عدد الحالات الحرجة إلى 35 مع تفشي السل بين نز ...
- ليتوانيا تحاكي إجلاء سكانها إلى بولندا في حال الحرب مع روسيا ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ماجد محمد مصطفى - الرقم الذي يخافه النظام.. لماذا لم يعد يخاف من التظاهرات؟!