أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبدالله عطوي الطوالبة - تخلفنا ليس مُنْبَتِّ الجذور















المزيد.....

تخلفنا ليس مُنْبَتِّ الجذور


عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 12:01
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لا نهوض ولا تقدم، كما يعلمنا التاريخ، إلا بإطلاق الطاقات الإبداعية لدى الإنسان، من دون قيود أو سقوف. هذا هو ميزان الحكم على المجتمعات، ومعيار التفاوت بينها في شروط التقدم وأسباب التخلف.
فهل تتوفر في واقعنا العربي ممكنات تحرير الانسان بلا قيود، كأساس لاطلاق طاقاته الإبداعية؟
الجواب، في ظل الظروف السائدة في العالم العربي حتى لحظة كتابة هذه السطور، لا النافية.
يفتقر العرب في دولهم الاثنتين والعشرين إلى مشروع نهضوي لإنجاز ثورة صناعية أو علمية أو تكنولوجية، إذ ينصبّ الاهتمام على بناء السلطة والسطوة والتحكم.
في واقع هذا حالُه، يتبخر شرط رئيس لاطلاق طاقات الإنسان الإبداعية، يتمثل في تحرير العقل من قيوده كافةً وإعلاء شأنه فوق كل سلطة، ليكون سيد المعرفة بلا منازع في أجواء حرة وديمقراطية. ظلت أوروبا غارقة في عصور الظلام والتخلف، حتى انتصرت على امتداد جغرافيتها ثورة إحلال العقل محل سلطان الغيبيات اللاهوتي. تحقق ذلك بداية، على أيدي جاليلو وكبلر ونيوتن، بإنجازاتهم التاريخية في وضع قوانين فيزيائية تفسر حركة الكون بناء على مبدأ العِلِّيَّة الآلية ليحل محل الغائية الغيبية.
أما فرانسيس بيكون فقد كرَّس الاستقراء أساسًا المنهج التجريبي، بِعَدِّهِ أهم تجليات الحداثة. وبذلك، قَلَبَ معادلة الاستدلال إلى استقراء يسائل الطبيعة بدل السائد القائم على الذهاب من الكليات إلى الجزئيات، منبهًا من خطورة الأصنام والأوثان المتحكمة بالعقل البشري، التي عن جادة الصواب. وقصد بذلك، أوهام المحيط الثقافي والسَّلَف والسوق، وأوهام القبيلة أو الجنس. ويتجلى ضررها الأخطر على مستوى التفكير، في سرعة التعميمات والمسارعة إلى الأحكام الكلية. ويعود ذلك بمنظور بيكون إلى سيطرة الأفكار المسبقة على الذهن، فيقع الانسان ضحية تحيزاته فلا يرى الواقع الموضوعي كما هو.
واصل جون لوك رسالة بيكون الفكرية، فأكد أن لا معرفة خارج الخبرات الإنسانية، ونادى بفصل الدين عن الدولة وإعلاء سلطة العقل على ما سواها.
ومع كارل بوبر وغاستون باشلار، انعطف الفكر الإنساني في القرن العشرين نحو فلسفة تقوم على القطيعة المعرفية والقابلية للدحض، حيث تحرر العقل العلمي من قيود الحتمية وآلية الاستقراء، ليعلن أوج انطلاقته في التحول والتغيير، مؤكدًا نسبية المعرفة، وتلاشي المطلق واليقينيات في حقل العلوم وكشوفاتها.
ولا ريب أن سلطة العقل ومنتجها الرئيس العِلم، هما الفاعل الرئيس في تحقيق قوة الاقتدار المعرفي المذهل القائدة لعالم اليوم والمسيطرة فيه. ومن الجدير ذكره في السياق، أن نهضة الغرب وتقدمه تأسسا على بناء عقل معرفي كبير مكَّن الانسان من السيطرة على الذات والطبيعة والتعامل مع الكون بفاعلية علمية، وبالتالي صناعة حاضره ومستقبله. وعليه، فالحجر على العقول لا يؤخذ في سياق قمع الحريات فحسب، بل يُدرج أيضًا في إطار مصادرة حق الانسان في السيطرة على ذاته وواقعه وتمكينه من تقرير مصيره وصناعة مستقبله.
أما في مجتمعاتنا، فتتضافر جهود ثالوث الاستبداد والأصوليات الدينية والعصبيات الفئوية (القَبَلِيَّة والعشائرية والطائفية والمذهبية والجهوية) في تلاقٍ مصلحي، لمحاصرة العقل والحَجر عليه. واذا بحثنا عن السبب فإننا واجدوهُ لا ريب في إدراكها بأن مُنْتَجَي العقل الرئيسين، أي الفكر والمعرفة، يفقدان هذا الثالوث وظيفته ومبررات وجوده.
الشرط الثاني لإطلاق طاقات الانسان الإبداعية، نجده في تقدم العِلم، ولكن أي عِلم؟
العلم المقصود، يستحيل معه صب المجتمع في إطار شمولي من أي نوع كان، لمجافاة ذلك لمنطقه وروحه. فلا مجال مع العلم الحقيقي للاستبداد، أو لاحتكار الحقيقة، أو الحَجر على العقول. فلا نظريات مقدسة بمنظور هذا العِلم أو معصومة عن النقد، فكل شيء يجب اخضاعه للاختبار التجريبي والنقد والنقض، وهذا هو الفارق الرئيس بين العِلم الذي نحن بصدده واليقين الايماني الديني. مجتمع العِلم بهذا المعنى ديناميكي متحرك، يتقدم، يبدع ويكتشف ويخترع، ينقد وينقض ويتجاوز. في المقابل، مجتمع الايمان الغيبي راكد، ينيخ عليه الاستبداد بكلكله، ويخيم عليه الجمود ناهيك بتعلقه النرجسي بأوهام الماضي الجميل المتخيَّل.
تعاني مجتمعاتنا من فقر في البحوث العلمية، وفق المعايير الدولية. فالأنظمة غير معنية بالإنفاق على البحث العلمي، ولا تعير هذا الجانب أي اهتمام سواء للإفادة على مستوى اتخاذ القرار أو التنمية. فأكثر ما يهمها الحفاظ على سلطاتها، أما مراكز البحث فمحدودة الامكانات وتمنح تراخيص إما كديكورات أو من أجل الترويج للسلطات.
في واقعنا يتوفر بكثرة كل ما من شأنه جعل بيئتنا عير مناسبة للبحث العلمي، فالتمويل في حدود دنيا، والتشجيع شبه معدوم ومثله الرعاية والاهتمام. وليس لدينا مؤسسات بحثية، تعمل وفق منظومة قانونية وسياسات علمية. ولا مِرية أن الفقر في البحث العلمي، ينتج عنه غياب الفكر العلمي، فكيف يتحقق التقدم إذن؟!
التقدم لا يهبط من السماء قطعًا، بل يصنعه الانسان.
أما أخطر ما يواجه البحث العلمي في واقعنا العربي ويقيده، فالتابوهات السياسية والدينية أو ما يمكن وصفه بالتكفير ببعديه السياسي والديني.
في هذا الجانب بالذات، تتفوق اسرائيل على العرب بمستوى صادم. وهذا هو أحد أهم أسباب قوتها، وانحياز الحكومات الغربية لها. فقد توصل باحثون اسرائيليون في علمي الأرخيولوجيا والآثار، على سبيل المثال لا الحصر، إلى نتائج تمس أساسيات الديانة اليهودية وتكذِّب أهم عناصر الدعاية الصهيونية بخصوص فلسطين والهيكل المزعوم. لكن أحدًا لم يكفرهم باسم السماء، ولم يتعرض لهما أي كان بسوء أو يتوعدهم بالسعير وسوء العاقبة.
الحديث عن البحث العلمي يستدعي التعليم العالي، وهو في بلداننا رديء النوعية على مستوى المعرفة والأهلية لاعداد العقل المعرفي. أساليب التدريس ما يزال يطغى عليها التلقين والاجترار، وتقاس مهارة الطالب بالحفظ واسترجاع المعلومات وقت الامتحان. هنا، يصبح التساؤل عن التفكير التحليلي النقدي ترفًا، والنظريات المحتواة في المناهج مستوردة من مجتمعات متقدمة انتجتها لاحتياجاتها، يلوكها مدرسون بأساليب سطحية تدعو إلى الرثاء، حيث تتقاصر الهمم دون استيعابها ونقدها وتطويرها وتوطينها.
تتغاضى السلطات متعمدة عن تراجع مستويات التعليم في مراحله كافة، وهذا ليس صدفة أو تقصيرًا غير مقصود بله متعمد. ذلك أنه ليس في صالح الأنظمة السلطوية والأصوليات الدينية والعصبيات الفئوية بناء مجتمع المعرفة، رغم تزاحم الشعارات المتعلقة بالاهتمام بالعلم والعلماء. والنتيجة، فقر في التفكير التحليلي النقدي من دونه ليس بمقدور المرء التعامل العلمي مع قضاياه ومشكلات واقعه وتحدياته. ولا عجب في هذا الجانب، أن تطغى ردود الفعل الانفعالية على حساب التفكير العلمي والفعل المبادر المُنْجِزْ.
ختامًا، فإن تجاوز العائقين الرئيسين لاطلاق طاقات الانسان الابداعية موضوع حديثنا، هو الشرط الأساس لتوفير باقي الشروط، وعلى رأسها، الحريات العامة، والأخذ بالتعددية، واحترام الرأي والرأي الآخر، وصون حقوق الانسان والحفاظ على كرامته، في إطار ديمقراطية حقيقية وليس ديكورية مُدَّعاة ومزيفة.



#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محنة الفلسفة في ثقافتنا
- حزب الأمة...أي مؤتمرات لها الأولوية؟!
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (14). الحظ كالمرأة يصادق ال ...
- لماذا أخفق العرب في بناء دول حديثة؟!
- الإمَّعِيَّة
- جذور تقييد الفكر في ثقافتنا (2) العقل والنقل
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (13) اشغال الرعية بصفة دائم ...
- جذور تقييد الفكر في ثقافتنا (1)
- اللغة الفُصحى واللهجات العامية
- هكذا تقدموا (3)
- هكذا تقدموا (2)
- هكذا تقدموا (1)
- الاستبداد والنفاق
- العقل أول ضحايا التقديس
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (12) اتباع صفات الثعلب والأ ...
- اللِّحَى وأصحابها
- الشعوذة وبيع الأوهام !
- فن استخدام الكلمة
- عقدة النقص
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (11) الغاية تبرر الوسيلة


المزيد.....




- بعد أكثر من 200 عام.. كيف عادت جاكيت نابليون العسكرية إلى ال ...
- قاضٍ يلغي حظر دخول CNN وMS NOW وPolitico إلى البيت الأبيض.. ...
- تحليل: بزشكيان يوجه رسائل إلى ترامب من نيويورك.. ماذا تريد إ ...
- 78 عاماً و24 ألف متابع.. كيف حطمت جدة اسكتلندية حاجز السن في ...
- إستونيا تعترف بثغرات في كشف المسيرات وانتهاك مجالها الجوي
- -تايفون- على أبواب روسيا.. ما مدى خطورتها؟
- استقبال استثنائي لشي في الولايات المتحدة.. ما الذي ينتظر الع ...
- ترامب يستقبل شي جينبينغ بسجادة حمراء وتشريفات عسكرية وعرض جو ...
- إعصار -بولو- يجلب أمواجا قوية إلى ساحل المكسيك المطل على الم ...
- 8 محاولات انتحار.. ماذا جرى على متن حاملة الطائرات الأميركية ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبدالله عطوي الطوالبة - تخلفنا ليس مُنْبَتِّ الجذور