أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله عطوي الطوالبة - جذور تقييد الفكر في ثقافتنا (1)














المزيد.....

جذور تقييد الفكر في ثقافتنا (1)


عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 12:02
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تُوْلَدُ الفِكرةُ في رأس صاحبها، متأثرًا بظروف واقعه المعيش بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. لكنها تكتسب معناها، بعد التعبير عنها في ساحات معارك الأفكار.
تُحيل لفظة الفكرة إلى الفكر والتفكير؛ وكلها تشكّل الإنتاج المعنوي للحضارة، في مقابل تجلياتها المادية من تكنولوجيا وعلوم طبيعية.
لكل حضارة خاصية تنماز بها، إذ تُعرف اليونانية بحضارة الفلسفة والعقل.
وتُعرف حضارتنا العربية الاسلامية بأنها نَصِّيَّة، أي تدور حول نصٍّ تنطلق منه وتعود إليه، ونعني به النص الديني.
في زمن ظهور الدعوة المحمدية، عُرِف العربُ بالشعر والخطابة وأبدعوا فيهما مدفوعين بعواطفهم ومشاعرهم.
لم يُحرِّم الاسلامُ الشِّعْرَ، لكنه قَلَّصَ دوره بعد التمييز بين مباحه ومذمومه. وعلى العموم، سُخِّر الشِّعرُ لخدمة الرسالة الجديدة، وخبا وهج المقولة التاريخية "الشعر ديوان العرب".
كان نبي الاسلام عليه السلام، مصدر المعرفة الأول للمسلمين في عصر النبوة، يلجأون إليه لالتماس الإجابات بشأن قضاياهم وما يُشغلهم سواء تعلق الأمر بشؤون الدين أو الدنيا.

بعد وفاة النبي، نهض الصحابة بأعباء الرسالة، حيث ترسَّخت في الأذهان قناعات بأن كل ما يحتاج إليه المسلمون من علم ومعرفة موجود في الكتاب والسُّنَّة، تحت عنوان "الوحي المصدر الأسمى والمعيار الأعلى للمعرفة ".
ولم يلبث الحال أن تبدل بعد عصر الصحابة، حيث أخذ يتشكل وعي مُلِحّ بأن الاعتماد على الوحي مصدراً وحيداً للمعرفة والتشريع بات قاصراً عن ملاحقة المستجدات. فالحياة كما هو شأنها دائمًا لا تني تتحرك إلى الأمام، وتفرض التغيُّر والتطور لمسايرة مستجداتها. ولا بد من دور للفكر الانساني، في استنباط الأحكام من النصوص الدينية. وقد استند هذا الاتجاه إلى حقيقة أن النبي لم يفسر آيات القرأن كلها بل بعضها، مقتصرًا على ما تتضمنه من أحكامٍ تتواءم مع معطيات واقع زمن البعثة. وحيث إنّ تطور المجتمعات سُنَّة ثابتة، فإن الأحكام التشريعية حريّةٌ بمواكبة هذا المتغير.
لم يلبث المسلمون أن اختلفوا في منهجية تفسير آيات القرآن وطريقته، فانقسموا إلى فريقين. الأول، دعا إلى الاكتفاء بالمعاني الظاهرة، مستندين إلى وضوح آيات القرآن وجلائها ودقة معانيها، وقد عُرِفوا بالظاهرية. على هذا الأساس، رفضوا أي دور للفكر الإنساني في تفسير نصوص الدين، خشية اخضاع معانيها لرغبات البشر وأهوائهم مما يشكل مصدر تهديد للمقدس. وزادوا على ذلك القول بأن تأويل نصوص الدين من قِبَل البشر يُفقدها هيبتها، وقد يكون سببًا في حدوث فتنة بين المسلمين. وهكذا يمكن القول بأن الظاهرية فرضوا قيدًا على حرية الفكر في تاريخنا، باسم حماية الدين، وما يزال القيد ذاته يكبل العقل العربي حتى اليوم. وفق نمط تفكير من هذا النوع، يتحول العقل عن دوره في توليد الأفكار إلى مجرد ناقل لها.
ولقد غاب عن أذهان الباطنية أن التفسير بحد ذاته، بمعنى البيان والكشف، هو تفكير ولا يمكن أن يكون مسقلًّا عن الذات المُفَسِّرَة. ويلفت النظر تغاضيهم عن أن القرآن نفسه لا يؤيد رؤيتهم، حيث لا يوجد فيه ما يؤكد تفسير آياته بظاهرها فقط، بل العكس هو الصحيح بدليل اختتام آيات كثيرة بفعل (يتفكرون).
لم تلبث الأيام أن كشفت خطل المدرسة الظاهرية، إذ انبرى فريق آخر يدعو إلى منهجية نقيضة، تمثلت في دعاة التفسير الباطني أو التأويل.
يُعرف هؤلاء باسم الباطنية، وقد عزَّزوا حجتهم بالقول إن فهم معاني آيات القرآن يقتضي الغوص في بواطن كلماتها، مؤكدين أن لكل آية معنى باطنيًّا فضلًا عن الظاهري. وقالوا بأن لكل حكم في أبعادًا عميقة، لا بد من معرفتها والعمل بناء عليها. كما حذروا من القراءة الحرفية للنصوص الدينية، قائلين انها قد تضع الدين في مواجهة مع الظروف المتغيرة وتتعارض مع مباديء العدل والمساواة.
أعطى دعاة التفسير الباطني دورًا أكبر للعقل في البحث عن معاني النصوص الدينية وتفسيرها، ومعرفة مقاصد أحكامها. بمنظورهم أغلب النصوص متشابهة، ومعانيها ليست سطحية ولا تُبَيِّنُها الألفاظ، كما يرى الظاهرية، وبالتالي لا بد من تدخل الفكر الانساني في البحث والتحليل.
وليس بعيدًا عن الجدل المحتدم بين الظاهرية والباطنية، نشب خلافٌ آخر حول إشكالية المُحكم والمُتشابه، ومسألة ما إذا كان القرآن مخلوقًا أم غير مخلوق، على الرغم من خلوّ النص القرآني من آيةٍ صريحة تُفصِّل في هذا الشأن.
تمثل القائلون بأن القرآن مخلوق في فرقة المعتزلة، وقد بنوا رأيهم على أن الموجودات كلها بما فيها القرآن مُحدثة وُجدت بعد وجود الزمان والمكان. وعليه، من الطبيعي أن يؤكد أصحاب هذه الرؤية التقدمية بمعايير زمانها وبشروط الحاضر حرية الارادة الانسانية والعلاقة الجدلية بين نصوص الدين وتحولات الواقع الانساني.
أما القائلون بأن القرآن قديم، ويُعرفون بأهل السُّنَّة والجماعة، فيرون أن الكلام من صفات الله وهي ذاته، والله لا يوجد من دون صفاته أو أي منها. وفق تفكير على هذه الشاكلة، النص الديني يتعالى على الزمان والمكان والخبرة الانسانية في الحركة والتطور. ولا ريب أن نمط تفكير كهذا، سوف يفضي عاجلًا أم آجلًا إلى وضع الدين الثابت المطلق، في مواجهة مع المتحرك النسبي، أي الحياة والمجتمعات.
استمر الصراع الأبستمولوجي بين المتشبثين بوحدانية الوحي في المعرفة والتشريع، والداعين إلى دور للعقل ومنتجه الرئيس الفكر، من القرن الثالث عشر الميلادي وحتى القرن التاسع عشر. وحُسم الخلاف أخيرًا لصالح الفريق الأول، فصُدّ باب الاجتهاد وما زال موصودًا، في انتكاسةٍ لسوء طالع أجيالنا.
وها هي النتائجُ ماثلةٌ على أرض الواقع، تنطقُ عن نفسها ولا تدعُ مجالًا لمستزيد. (يتبع).



#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اللغة الفُصحى واللهجات العامية
- هكذا تقدموا (3)
- هكذا تقدموا (2)
- هكذا تقدموا (1)
- الاستبداد والنفاق
- العقل أول ضحايا التقديس
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (12) اتباع صفات الثعلب والأ ...
- اللِّحَى وأصحابها
- الشعوذة وبيع الأوهام !
- فن استخدام الكلمة
- عقدة النقص
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (11) الغاية تبرر الوسيلة
- الخيال
- مدخل التأثير في الانسان
- الإيحاء
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين(10). الصداقة مدفوعة الثمن غ ...
- السماء بين العلم والدين
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (9). مزايا الحرب
- أسرار صمود إيران
- الطغاة يستنجدون بالسماء !


المزيد.....




- الحكومة البريطانية -ستفرض قيوداً جديدة- على التجارة مع المست ...
- الاحتلال يمنع رفع الأذان بالحرم الإبراهيمي منذ 75 يوما
- العثور على جثة جندي من كتيبة -نتساح يهودا- شمال فلسطين المحت ...
- وزير إسرائيلي يتهم النخب الأوروبية بالإفراط في التعاطف مع ال ...
- شهيد في نابلس وتصعيد استيطاني يطال القدس وسلفيت وبيت لحم
- خطيب المسجد الأقصى عكرمة صبري يُنكر التهمة الموجهة إليه بالت ...
- مسيحيو فلسطين.. نزيف ديموغرافي يتطلب خطة إنقاذ
- مطالبات باستقالة قيادة الحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا ب ...
- هجوم إسرائيلي عنيف على الحكومة البريطانية.. ما علاقة -كراهية ...
- اكتشافات أثرية تعيد الجدل حول موقع قبر المسيح


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله عطوي الطوالبة - جذور تقييد الفكر في ثقافتنا (1)