عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 11:25
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كانت عقارب الساعة تقترب من السادسة صباحًا، عندما ترددت أصداء رنين الهاتف النقال في صِماخ أُذني. رمقت شاشة الهاتف موقنًا أنه لا مَحيد عن الرد، فما القابع على الطرف الآخر إلا الحاجة أم طحيمر- دام عزها-.
سألتني من دون مقدمات، وبلا تحية الصباح: ما الغاية من تأسيس الدولة، وما الأسس التي تقوم عليها؟
أخذتني صفنة، يصعب تجنبها إزاء موقف كهذا؟
الحاجة أم طحيمر دام عزها، الانسان الوحيد على وجه الأرض، الذي أصدع بطلباته من دون نأمة احتجاج أو حتى لفت نظر إلى ضرورة بدء المكالمة بتحية الصباح في وقت مبكر كهذا.
لم تطُل الصفنة، فقلت: الهدف الرئيس لقيام الدولة، تنظيم شؤون الاجتماع الانساني...أوقفتني الحاجة أم طحيمر ولم تدعني أُكمل، قائلة: كلام صحيح، لكنه سئم التكرار وملَّ الاجترار. وهناك ما هو أهم منه، سبق باروخ سبينوزا، أحد أهم فلاسفة القرن السابع عشر في أوروبا، كثيرين إليه. تخيل أن سبينوزا أعلن أفكارًا في القرن السابع عشر، يجبن بعضنا عن ترديدها اليوم في العشرية الثالثة من القرن الحادي والعشرين. أما ذوو الرؤوس المفلطحة والمربعة، فلا يطيقون سماعها. وينفر منها أيضًا الشرهون المتملقون، وبالذات أولئك الذين تنحصر أعظم أمانيهم في اشباع بطونهم وتسمين أرصدتهم البنكية.
يقول سبينوزا: "الغاية القصوى من تأسيس الدولة ليست السيادة، أو ارهاب الناس، أو جعلهم يقعون تحت نير الآخرين، بل هي تحرير الفرد من الخوف، بحيث يعيش كل فرد في أمان بقدر الامكان، أي يحتفظ بالقدر المستطاع بحقه الطبيعي في الحياة وفي العمل دون إلحاق الضرر بالغير". لا يتوقف سبينوزا عند هذا الحد، بل يضيف ما هو أهم: "الغاية من تأسيس الدولة ليست تحويل الموجودات العاقلة إلى حيوانات أو آلات صماء، بل اتاحة الفرصة لأبدانهم وأذهانهم كيما تقوم بوظائفها كاملة في أمان تام، بحيث يتسنى لهم أن يستخدموا عقولهم اسخدامًا حرًّا دون اشهار لأسلحة الحقد أو الغضب أو الخداع، وبحيث يتعاملون معًا دون ظلم أو اجحاف، فالحرية إذن هي الغاية الحقيقية من قيام الدولة".
شدني الحديث وجذبني الموضوع غير آبه باستباحة الحاجة أم طحيمر لحقي المشروع بالتصرف في وقتي، فأخذت الأمور على جري العادة في الاستماع إليها حتى تقرر هي متى تنهي كلامها.
واصلت تقول: توجه محبو سبينوزا والمعجبون بأفكاره إليه بسؤال مُحِق: ألست القائل بأن اختلاف الرؤى والاجتهادات طبائع مُلازمة للبشر، وكل منهم يظن أنه أكثر من غيره في المعرفة، أي لا يمكن أن يفكر الناس ويعبروا عن أفكارهم بطريقة واحدة. فكيف إذن يمكن ضمان الحرية في الدولة بوجود هذه التباينات؟
أجاب سبينوزا: نعم، قلت ذلك وأنا مقتنع بما قلت، بل وتزداد قناعتي به بمرور الأيام. ودعوني أزيدكم من الشعر أبياتًا، وليس بيتين فحسب.
لا يمكن ارغام الناس على الترديد الببغائي لما تقول به السلطة الحاكمة، أقله من منطلق استحالة اتفاق الجميع مع رؤاها. فالإرغام هنا، نتيجته فقدان الثقة بين المحكومين والسلطة الحاكمة، وهي شرط ضروري لقيام الدولة واستمرارها. فمن طبائع البشر، والكلام للفيلسوف سبينوزا على لسان الحاجة أم طحيمر -دام عزها-، أن أحدًا لا يقبل بإرادته أو رغمًا عنه تخويل أي انسان حقه الطبيعي في التفكير والحكم الحر في كل شيء. ولا يمكن منع الانسان من الاعتقاد بأن آراءه أفضل من آراء غيره، وليس من الحكمة اغفال حقيقة أن اختلاف الأذهان لا يقل عن اختلاف الأذواق. كما أن تفشي الفساد واستخدام السلطات الحاكمة أساليب الخداع في التعامل مع الناس، نتيجتها على الأغلب انتشار المخاتلة والغش في العلاقات الاجتماعية. ومن يتوقع أن يردد الناس كلهم ما يصدر عن السلطة واعلامها يكون واهمًا بحق. فكلما حاولت السلطة سلب الناس حريتهم في التعبير، فإنما تستثير مقاومتهم باستثناء المتملقين والمتنفعين والمُعَلَّفين. وأي محاولة لارغام أناس من طبائعهم الاختلاف في الرأي، بل والتعارض بين الآراء، على ألا يقولوا غير ما تقرره السلطة العليا إنما يؤدي إلى أوخم العواقب. ولا يمكن للأذكياء، ناهيك بالعامة، التزام الصمت على هذا التعسف. لا يمكن لأي سلطة أن تحكم بالعنف، دون أن تُغامر بوجودها وربما تعرض وجود الدولة ذاتها للخطر.
إذن، ما الحل يا سبينوزا في ضوء ما تفضلت به؟
يبدأ سبينوزا تمهيده للإجابة، بذكر واحدة من أغبى أوهام الأنظمة الاستبدادية السلطوية. فبالإمكان السيطرة على الألسنة، لأسباب تتعلق بالمصالح والظروف، ولكن يستحيل النفاذ إلى العقول وتغيير ما استقر فيها ووقر.
في المقابل، اذا عاش الناس كُلٌّ على هواه ووفقًا لما يمليه عليه قراره الشخصي، لن يتحقق أمن الدولة وسلامها الداخلي.
من هنا ينتقل سبينوزا إلى الحل، ويبدأه بالقول إن على الناس كيما يعيشوا بحرية وسلام في دولة متماسكة مستقرة، أن يتنازل كل منهم عن حقه بأن يعيش كما يريد لنظام حكم يتفق مع الطبيعة الانسانية باعترافه لكل فردٍ بحريته ويضمن للجميع العيش بسلام في دولة آمنة.
إنه النظام الديمقراطي، حيث يشارك الشعب كله أو معظمه في اختيار سلطة جماعية تمثله.
الدولة الديمقراطية هي الأقرب للطبيعة الانسانية، حيث يتفق الناس على العمل بإرادة مشتركة مع أنهم لا يفكرون بطريقة واحدة. حرية الرأي في النظام الديمقراطي حق مشروع، وكل رأي يحتمل الصواب والخطأ. الحرية شرط أساس لتقدم العلوم والفنون، فهذه لا تحقق تقدمًا يُعتدُّ به إلا بعقول أناس تخلصوا من الخوف.
القرارات في الدولة الديمقراطية لا تصدر بالإجماع، بل بالأغلبية، وأقرب ما تكون إلى التعبير عن المصلحة العامة. الناس هنا على يقين من ألا مقدرة لهم على الإجماع على رأي واحد، بحكم الطبيعة البشرية. لكنهم
متفقون على الالتزام بما تُجمِع عليه الأغلبية، مع الاحتفاظ بحق تغييره أو إلغائه متى وجدوا أفضل منه.
انتهى كلام الحاجة أم طحيمر، المُنْطَلِق من قراءتها لفلسفة سبينوزا.
أما نحن فنرى مفارقة مذهلة بين أنماط تفكيرنا ونظيرتها لدى الآخر المتقدم علينا، وعلى وجه التحديد في موضوعي الديمقراطية والعلاقة بين العقل والدين. ولنا أن نتخيل تأكيد سبينوزا، في القرن السابع عشر، على أن الديمقراطية أفضل ما توصل اليه الانسان لادارة شؤونه وتنظيم حياته في دول قوية مستقرة ومزدهرة، وذلك بعد تضحيات جسيمة في الكفاح ضد الاستبداد بمختلف تنويعاته كالدكتاتورية والسلطوية وأنظمة حكم الفرد المطلق. ولو عدنا مئة عام إلى الوراء، سنجد أن لفظة ديمقراطية بحد ذاتها كانت مقترنة في وعينا الجمعي آنذاك بالكفر والانحلال الأخلاقي. وبالانتقال إلى الحاضر، سنجد أن تربة واقعنا العربي ما تزال تستعصي على إنبات بذور التحول الديمقراطي الحقيقي.
على صعيد العلاقة بين العقل والدين، فما تزال ملتبسة في وعينا الجمعي وغالباً ما توقظ في أفضل أحوالها شعوراً بالشك والخوف.
في المقابل، امتلك الآخر المتقدم قبل قرون ما نفتقر اليه اليوم، أي الجرأة والوضوح في بحث هذه العلاقة بمعايير العقل وشروط تحريره لينطلق في فضاءات الابداع والابتكار.
يرى سبينوزا أن لكل من العقل والدين ميدانه، وذلك انطلاقًا من قناعته بضرورة الفصل بين الدولة والدين، بحيث تتولى الأولى مسؤولية إدارة شؤون الاجتماع الانساني بالكامل.
يقول سبينوزا بهذا الخصوص:"لا أستطيع أن أكتم دهشتي البالغة عندما أجد أحدًأ يريد اخضاع العقل لحرف مائت(الكتاب المقدس/ع) استطاع الانسان تحريفه". برأي سبينوزا، العقل ليس خادمًا لما يسميه اللاهوت، أي الدين. واللاهوت ليس خادمًا للعقل، بل إن لكل منهما ميدانه الخاص به. للعقل مملكة الحقيقة والحِكمة، وللدين مملكة التقوى والخضوع. العقل البشري بمنظور سبينوزا، أساس الوحي ومكانته تعلو على ما سواه.
ختامًا، ما رأيك أيها القاريء، على ضوء ما سلف: لماذا أخفق العرب في بناء دول حديثة؟!
#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟