|
|
دراسة نقدية أكاديمية موسعة في المجموعة القصصية «كنتُ هناك...» لروعة سنوبر إعداد: الناقد طه دخل الله عبد الرحمن
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8837 - 2026 / 9 / 23 - 22:19
المحور:
الادب والفن
دراسة نقدية أكاديمية موسعة في المجموعة القصصية «كنتُ هناك...» لروعة سنوبر إعداد: الناقد طه دخل الله عبد الرحمن من جغرافيا الجرح إلى بلاغة الشهادة تنبيه منهجي: هذه الدراسة مبنية على النص المتاح من المجموعة وبيانات النشر المثبتة فيه. وهي تتجنب نسبة معلومات سيريّة أو ببليوغرافية إلى الكاتبة خارج ما يتيحه الكتاب نفسه. بطاقة ببليوغرافية العنصر البيان العنوان كنتُ هناك... الجنس الأدبي مجموعة قصصية المؤلفة روعة سنوبر الناشر دار دلمون الجديدة للطباعة والنشر والتوزيع مكان النشر دمشق، سورية الطبعة الأولى سنة النشر 2024م / 1446هـ عدد الصفحات 116 صفحة الرقم المعياري الدولي 978-9933-699-96-3 لوحة الغلاف الفنان التشكيلي إسماعيل نصرة تصميم الغلاف م. مهند المهنا
الملخص تتناول هذه الدراسة مجموعة «كنتُ هناك...» للقاصة روعة سنوبر، بوصفها نصاً قصصياً يشتغل على تمثيل الذات الإنسانية في حالات الهشاشة القصوى: الفقد، والحرب، والفقر، والمرض، والخيانة، والعزلة، والخوف، والذاكرة المعطوبة، واستحالة القبض على الزمن. وتنطلق الدراسة من فرضية أن وحدة المجموعة لا تقوم على وحدة الحكايات أو الشخوص، بل على وحدة الرؤية: الإنسان محاصر بقوى تتجاوز قدرته الفردية، لكنه لا يتوقف عن ابتداع صورٍ جزئية للمقاومة والنجاة. وتعتمد الدراسة منهجاً تكاملياً يجمع الوصف والتحليل السردي والقراءة الأسلوبية والسيميائية والاجتماعية والنفسية، من دون ادعاء فصل النصوص عن سياقاتها الإنسانية. وتفحص العتبات النصية، والعنوان، والإهداء، والمقدمة، والبناء الحكائي، وأنماط الشخصيات، والفضاءين الزماني والمكاني، ووجهة النظر، واللغة والصورة، والرمز، والإيقاع، والنهايات، كما تقدم قراءة متتابعة لقصص المجموعة الرئيسة وفق ترتيبها في المتن. الكلمات المفتاحية: روعة سنوبر؛ كنتُ هناك؛ القصة القصيرة؛ السرد؛ الرمز؛ الفقد؛ الحرب؛ الفقر؛ التحليل السيميائي؛ بلاغة الجرح. مقدمة تأتي القصة القصيرة بوصفها فناً يقوم على الاقتصاد والتكثيف والالتقاط الحاد للحظة إنسانية مأزومة. وهي لا تحتاج إلى الامتداد الزمني والفضاء الروائي الواسع لكي تثير الأسئلة الكبرى؛ إذ تستطيع، عبر مشهد واحد أو علامة صغيرة أو نهاية مفارقة، أن تكشف طبقات كاملة من القهر والتوتر والبحث عن المعنى. ومن هذا الأفق يمكن مقاربة مجموعة «كنتُ هناك...» للقاصة روعة سنوبر، التي تتخذ من الإنسان المجروح مركزاً لكونها السردي، ومن الألم لغة مشتركة بين شخوص تتباين أعمارهم وأمكنتهم ومصائرهم. لا تنشغل المجموعة بتقديم عالم مطمئن أو شخصيات مستقرة، بل تبدأ شخصياتها غالباً من قلب الأزمة: رجل يؤلّه امرأة ثم يغرق في وحل كابوسه؛ راوية تدخل غابة السلطة والجوع؛ فراشة تُقصى باسم الطبقة؛ طفلة تفقد أسرتها؛ طفل يبحث عن عين زجاجية؛ أم تبحث في حاوية عن طعام لابنها؛ ناجٍ صغير من تحت الركام؛ عاشق يرقص مع غياب امرأة؛ وذات تحاول عبثاً أن تتحكم بعقارب الزمن. ومن ثم فإن الحدث في هذه النصوص ليس غايةً مستقلة، بل وسيلة لكشف الأثر النفسي والاجتماعي والأخلاقي للكارثة. وتتأسس قيمة المجموعة على تفاعل مسارين: مسار واقعي اجتماعي يتصل بالفقر والحرب والمرض والإعاقة والطبقية، ومسار رمزي عجائبي نفسي يتصل بالغابة والمرآة والنجوم والساعة والفزاعة والأشباح. ولا يعمل المساران منفصلين؛ فالرمز يضيء الواقع، والواقع يمنح الرمز ثقله الإنساني. هكذا تصبح العين الزجاجية أكثر من عضو صناعي، وتصير حاوية القمامة أكثر من مكان، ويغدو الركام أكثر من أثر مادي للحرب، وتتجاوز الفزاعة كونها شيئاً في الحقل لتغدو صورة لذات منسية مقيدة. أولاً: إشكالية الدراسة وأهدافها 1 إشكالية الدراسة تتمثل إشكالية الدراسة في السؤال الآتي: كيف تبني روعة سنوبر في «كنتُ هناك...» خطاباً قصصياً يجمع بين الواقعي والرمزي والنفسي، من أجل تمثيل الإنسان المحاصر بالألم، وما الآليات الفنية والبلاغية التي تمنح هذا الخطاب وحدته الجمالية والدلالية؟ وينبثق عن هذا السؤال الرئيس عدد من الأسئلة الفرعية: • كيف تؤسس العتبات النصية أفق تلقي المجموعة؟ • ما طبيعة الوحدة التي تربط بين القصص على الرغم من اختلاف حكاياتها؟ • كيف تُبنى الشخصيات: أهي شخصيات فردية مكتملة، أم نماذج رمزية، أم ذوات ممزقة؟ • كيف يتفاعل المكان والزمان مع الأزمة النفسية والاجتماعية؟ • ما وظيفة الأشياء والرموز المتكررة: المرآة، العين، النجمة، الفستان، الساعة، الفزاعة، الغابة؟ • ما أثر اللغة التصويرية والمفارقة والنهاية في إنتاج المعنى؟ • إلى أي حد تنجح المجموعة في الانتقال من البوح العاطفي إلى التشكيل الفني المكثف؟ 2 أهداف الدراسة تهدف الدراسة إلى: 1. تقديم قراءة أكاديمية موسعة للمجموعة في ضوء أدوات نقدية متعددة. 2. تحليل العتبات النصية بوصفها مدخلاً إلى العالم السردي. 3. كشف البنية العميقة الجامعة للقصص. 4. دراسة البنية الحكائية، والشخصية، والزمان، والمكان، ووجهة النظر. 5. تحليل الرمز والصورة والأسلوب والمفارقة والنهاية. 6. تتبع القضايا الاجتماعية والإنسانية والنفسية في النصوص. 7. قراءة القصص تباعاً وفق ترتيبها، من دون عزلها عن وحدة المجموعة. 8. تقديم تقويم نقدي يبرز المنجز الفني واقتراحات التطوير. 3 أهمية الدراسة تنبع أهمية هذه القراءة من أن المجموعة تتيح مادة مناسبة لفحص العلاقة بين القصة القصيرة والقضايا الإنسانية الملحة. فهي لا تتناول الألم بوصفه فكرة عامة، بل تجسده في تفاصيل محسوسة: عين زجاجية في كف طفل، سرير أبيض في مستشفى، ثوب أخت حمراء بين الركام، كيس طعام في حاوية نفايات، فستان فارغ على خشبة، ساق فزاعة مبتورة، باب مغلق أمام ذات خائفة. ومن هنا تنتقل التجربة من التجريد إلى التمثيل الحسي الذي يمنحها تأثيرها. ثانياً: المنهج وحدود الدراسة 1 المنهج تعتمد الدراسة منهجاً وصفياً تحليلياً تكاملياً. وهي تستفيد من: • التحليل السردي: لدراسة الحبكة والحدث ووجهة النظر والزمن والمكان والشخصيات. • القراءة الأسلوبية: لرصد الصورة البلاغية والإيقاع والمعجم والانزياح والتشخيص. • القراءة السيميائية: لتحليل العناوين والأشياء والرموز واللون والفضاء بوصفها علامات. • القراءة الاجتماعية: لتبيّن تمثيلات الفقر والطبقية والحرب والتهميش وثقافة الفرجة. • القراءة النفسية: لتفكيك الخوف والفقد والذنب والصدمة وتشظي الهوية. ولا تتعامل الدراسة مع هذه المقاربات بوصفها قوالب جاهزة تُفرض على النص، بل بوصفها أدوات مرنة تستجيب لما يقترحه المتن نفسه. 2 حدود الدراسة تقتصر الدراسة على مجموعة «كنتُ هناك...» في طبعتها الأولى، ولا تستند إلى معلومات خارجية غير مثبتة داخل الكتاب في الحديث عن سيرة المؤلفة أو منجزها السابق. كما أن القراءة لا تدعي استنفاد كل دلالة ممكنة؛ فالنص الأدبي بطبيعته قابل لتعدد التأويلات. ثالثاً: العتبات النصية وبناء أفق التلقي 1 العنوان الرئيس: «كنتُ هناك...» العنوان ليس تسمية محايدة، بل عتبة تضع القارئ منذ البدء أمام حضور ملتبس. يتكون من فعل ماضٍ واسم إشارة: «كنتُ» و**«هناك»**. يحمل الفعل الماضي معنى وقوع التجربة وانقضائها، لكنه لا يحمل معنى انتهائها نفسياً؛ إذ إن كل القصص تؤكد أن الماضي يعود في هيئة ذاكرة أو كابوس أو ندم أو جرح. أما «هناك» فتفتح المكان من دون تحديده: هناك قد تكون الغابة، أو المستشفى، أو الركام، أو حاوية القمامة، أو خشبة المسرح، أو داخل المرآة، أو تحت ساعة الزمن. وتؤدي النقاط الثلاث وظيفة بلاغية محورية؛ فهي علامة على انقطاع الكلام واستمراره معاً. فالجملة لا تُغلق، لأن التجربة لا تنغلق. ويمكن النظر إلى العنوان بوصفه جملة شهادة؛ إذ تبدو الشخصيات كأنها تقول للقارئ: «كنت هناك، فلا تنظر إلى ألمي من الخارج فقط». بهذا المعنى، ينتقل العنوان من دلالة مكانية إلى دلالة أخلاقية: دعوة إلى الاعتراف بحضور من يتعرضون عادة للتهميش أو التشييء أو النسيان. 2 الإهداء: تأسيس الوجدان الجمعي يتجه الإهداء إلى العائلة والأصدقاء، وإلى الأم الراحلة، وإلى أبطال القصص الذين منحتهم الكاتبة «الحياة والموت والأمل والخيبة». ويكشف هذا الترتيب عن تداخل الشخصي والتخييلي؛ فالأم الراحلة تفتح باب الذاكرة والفقد، والأبطال يخرجون من كونهم شخوصاً ورقية ليصبحوا ذوات تستحق الاعتراف. كما أن اجتماع الحياة والموت والأمل والخيبة يلخص الجدلية التي ستتحرك فيها المجموعة. 3 المقدمة: ميثاق رمزي تقيم المقدمة عالماً من الرماد والنجوم والمرايا والرياح والروح الشاردة. وهي لا تقدم خلاصة لمضامين القصص، بل تمنح القارئ «ميثاقاً» دالاً: ما سيأتي ليس واقعاً تقريرياً فقط، بل واقع مرئي عبر عدسة الحلم والهلوسة والذاكرة. ويصرح النص بأن العوالم تتحرك بين الحقيقة والوهم والوجود والفناء والحب والكراهية والموت والحياة؛ وهذه الثنائيات ستكون بؤرة القراءة اللاحقة. 4 الغلاف والبيانات المصاحبة تسهم الإشارة إلى لوحة الغلاف وتصميمه في تثبيت أهمية العتبة البصرية. فالكتاب يقدم نفسه بوصفه عملاً جماعياً يلتقي فيه السرد والتشكيل والتصميم. لذلك يستحق الناشر، دار دلمون الجديدة للطباعة والنشر والتوزيع، شكرًا وتقديراً لما قام به من إصدار العمل وإتاحته للقارئ، وكذلك الفنان إسماعيل نصرة ومصمم الغلاف م. مهند المهنا. غير أن القيمة النقدية للغلاف ينبغي أن تُقرأ دائماً في ضوء المتن، لا بوصفها بديلاً منه. رابعاً: وحدة المجموعة أو «بلاغة الجرح» على الرغم من اختلاف القصص في شخصياتها وأماكنها ودرجات واقعيتها، فإنها تنتظم ضمن وحدة عميقة يمكن تسميتها بلاغة الجرح. فالجرح في هذه المجموعة ليس جسدياً فقط؛ قد يكون جرحاً في الهوية، أو في الكرامة، أو في الذاكرة، أو في الحب، أو في القدرة على الفهم، أو في الإحساس بالزمن. يمكن تمثيل هذه الوحدة وفق الجدول التالي: القصة الجرح الظاهر الجرح العميق آلهة انهيار علاقة فقدان الذات أمام التعلق المرضي الغابة الجوع والصراع فساد السلطة وتحوّل الضحية إلى جلاد نقار الخشب فشل الحب الطبقية ووهم التفوق الشبح الرعب والهلوسة تشظي الهوية وصدمة الفقد الكرة الزجاجية فقد عين صناعية هشاشة الكرامة والوصمة الاجتماعية الأسرّة البيضاء موت الوالدين اليتم وانكسار الأمان انتظار فقد الأسرة في الركام الحرب بوصفها اغتيالاً للطفولة المشهد الأخير البحث عن طعام الفقر وإذلال الكرامة وثقافة الفرجة عناق غياب الحبيبة الذنب والخيانة واستحالة الترميم آلة الزمن السقوط في محاولة التحكم بالساعة العجز أمام الزمن والمصير جاك الفزّاعة الطعن وبتر الساق العزلة والتهميش والرغبة في الانتماء الهزيم تهديد مجهول في البيت الخوف الوجودي وفقدان اليقين هذه الوحدة لا تعني تماثل النصوص؛ بل تعني أن كل نص يجسد شكلاً من أشكال الانكسار. والأهم أن الشخصيات لا تستسلم دائماً؛ فالمقاومة موجودة، لكنها محدودة ومتعثرة: طفل يواصل البحث، أم تخاطر بكرامتها لتطعم ابنها، فزاعة تحلم بالحركة، امرأة تقاوم الشبح، ذات تعيد محاولة صعود الساعة. وهكذا لا تتحول المجموعة إلى خطاب يأس خالص، بل إلى كتابة عن العناد الإنساني تحت الضغط. خامساً: البنية السردية 1 الحدث بين التكثيف والامتداد تتراوح القصص بين شكلين: • القصة الومضة أو القصيرة جداً، كما في «آلهة»، حيث يتركز الحدث في جملة مفارقة شديدة الكثافة. • القصة الممتدة ذات التصعيد الدرامي، كما في «الكرة الزجاجية»، و«انتظار»، و«المشهد الأخير»، و«آلة الزمن»، حيث تتتابع المحطات السردية لزيادة التوتر. ويقوم بناء الحدث غالباً على آلية ثلاثية: وضع أولي مأزوم، تصعيد يضاعف العائق، ثم خاتمة كاشفة أو مفارقة. ففي «الكرة الزجاجية»، يبدأ الطفل باحثاً عن الطبيب، ثم يتعرض للرفض، ثم ينقلب موقف الطبيب. وفي «المشهد الأخير»، تبدأ الأم بمأزق الدواء والإيجار، ثم تضيق البدائل، ثم تصل إلى الحاوية، قبل أن يتحول فعل النجاة إلى مشهد اجتماعي متداول. 2 منطق التصعيد التصعيد في المجموعة ليس تقنياً فقط؛ إنه أخلاقي ونفسي. فكل خطوة تدفع الشخصية إلى كشف جديد عن هشاشتها أو عن قسوة العالم. وهذا واضح في «انتظار»، حيث يتحول بحث الطفل عن أفراد أسرته تدريجياً إلى اكتشاف موتهم، ثم إلى مواجهة خطر الغرباء والرصاص، ثم إلى فقد الكلب نفسه. كما يظهر في «آلة الزمن» حين تتحول رغبة الفضول إلى إرادة سيطرة، ثم إلى سقوط متكرر وعقوبة وجودية. 3 النهايات: الصدمة والفتح تستخدم الكاتبة النهايات بوصفها بؤراً دلالية. لكنها ليست من نوع واحد: • نهاية دائرية: في «الغابة»، حين تصعد الراوية مكان البومة، فتعود دورة السلطة في شكل جديد. • نهاية مأساوية: في «نقار الخشب»، و«انتظار»، و«عناق». • نهاية كاشفة اجتماعية: في «المشهد الأخير». • نهاية عزائية جزئية: في «جاك الفزاعة». • نهاية مفتوحة قلقاً: في «الهزيم». وتنجح النهايات حين تكشف معنى جديداً لما سبقها، لا حين تكتفي بإغلاق الحدث. ففي «عناق»، يغير الفستان الفارغ دلالة الرقص كله؛ وفي «الكرة الزجاجية» تنتقل الفجوة من عين الطفل إلى ضمير الطبيب؛ وفي «انتظار» تتحول النجوم إلى لغة بديلة للفقد. سادساً: الشخصيات وآليات بنائها 1 الشخصية الفردية المأزومة شخصيات المجموعة ليست شخصيات ذات تاريخ اجتماعي مفصل دائماً، بل هي غالباً ذوات تدخل النص في لحظة أزمة. وهذا يتوافق مع طبيعة القصة القصيرة التي تختار مقطعاً حاسماً من الحياة بدلاً من تتبع السيرة كاملة. الطفل في «الكرة الزجاجية» لا نعرف كل تفاصيل حياته، لكننا نعرف ما يكفي لتكوين أثر أخلاقي: الفقر، العمل، الإصابة، الخوف من الأب، نظرات الناس، الحاجة إلى طبيب. 2 الشخصية بوصفها علامة يتحول بعض الشخوص إلى علامات رمزية: الفراشة رمز للهشاشة والحب المقصى؛ البومة رمز للسلطة الواعظة؛ الغراب رمز للتبعية؛ الفزاعة رمز للعزلة؛ الطفل تحت الركام رمز للطفولة المغدورة. لكن الرمزية لا تلغي إنسانية الشخصية، بل تمنحها بعداً أوسع من حدود الحكاية الفردية. 3 الشخصيات المساعدة تؤدي الشخصيات الثانوية في عدد من القصص وظيفة اختبار أخلاقي: • الطبيب في «الكرة الزجاجية» يختبر إمكان التعاطف والتحول. • الكلب في «انتظار» يجسد الوفاء والحماية حين يخون العالم الطفل. • الطفلة في «الشبح» تمنح البطلة لحظة دفء. • مالك الحقل في «جاك الفزّاعة» يمارس رعاية متأخرة لكنها ذات أثر. هذه الشخصيات لا تغيّر العالم كله، لكنها تمنع النص من الانزلاق إلى العدمية الكاملة. سابعاً: الزمان والمكان والتبئير 1 الزمن يتخذ الزمن في المجموعة صوراً متعددة: 1. زمن خطي ضاغط: في قصص الفقر والمرض، حيث كل يوم يزيد المأزق. 2. زمن صادم: في «انتظار»، إذ تقسم الكارثة حياة الطفل إلى ما قبل وما بعد. 3. زمن استرجاعي: في «عناق»، حيث يعود الماضي بوصفه محكمة للضمير. 4. زمن متشظٍ: في «الأسرّة البيضاء»، بفعل الانتقال بين المقاطع والمشاهد. 5. زمن دائري/فلسفي: في «آلة الزمن»، حيث يصبح الزمن نفسه موضوع الصراع. 6. زمن نفسي: في «الشبح» و«الهزيم»، إذ تتباطأ اللحظة أو تتسع بفعل الخوف. وهذه الأشكال تجعل الزمن عنصراً فاعلاً لا خلفية محايدة. فالزمن في «آلة الزمن» خصم، وفي «المشهد الأخير» ضغط اقتصادي، وفي «عناق» استدعاء مؤلم، وفي «انتظار» ذاكرة انشطرت بفعل العنف. 2 المكان المكان في المجموعة ليس وعاءً صامتاً. إنه غالباً مكان ضاغط أو معادٍ: المكان وظيفته الدلالية الغابة مجتمع رمزي تحكمه القوة والافتراس المرآة / البيت فضاء تشظي الذات والخوف العيادة اختبار الأخلاق والرحمة والطبقية المستشفى هشاشة الحياة والولادة والموت الركام انهيار البيت والأسرة والوطن الحاوية والشارع الفقر والإذلال وغياب العدالة المسرح الندم والتمثيل واستعادة الجرح الساعة صراع الإنسان مع الزمن الحقل العزلة والهامش والرغبة في الحركة البيت المغلق فقدان الأمان والتهديد المجهول إن تحول الأمكنة الحميمة إلى أمكنة قلق من خصائص المجموعة. فالبيت قد يصبح مسرحاً للخوف، والمستشفى قد يصير فضاءً للفقد، والشارع فضاءً للوصم، والحقل قفصاً للفزاعة. 3 التبئير ووجهة النظر يكثر حضور ضمير المتكلم في النصوص النفسية والرمزية، وهذا الاختيار يقرب القارئ من التجربة ويجعله يعيش الارتباك من الداخل. ففي «الغابة» و«آلة الزمن» و«جاك الفزّاعة» و«الهزيم»، لا ينقل السارد ما يحدث فقط، بل ينقل التردد والانفعال والخوف والرغبة. أما القصص التي تعتمد منظور الطفل، مثل «انتظار» و«الكرة الزجاجية»، فتستفيد من محدودية المعرفة؛ إذ إن الطفل لا يفسر العالم تفسير الكبار، ولذلك تصبح براءته أداة لكشف بشاعة الواقع. فموت الأم في «انتظار» يُستقبل أولاً بوصفه نوماً، وهذا التأويل الطفولي أشد وجعاً من أي وصف مباشر للموت. ثامناً: اللغة والأسلوب والبلاغة 1 المعجم يتشكل المعجم من حقول متجاورة: • حقل الألم: الخوف، الدمع، الجرح، الصراخ، الوحشة، الفقد، الموت. • حقل الجسد: العين، اليد، القلب، الوجه، الساق، الصدر، الأصابع. • حقل الطبيعة: الغابة، المطر، الريح، النجوم، السماء، التراب، الغيوم. • حقل المكان المغلق: الغرفة، المرآة، السرير، الباب، الحاوية، العيادة. • حقل العرض والتمثيل: المسرح، الموسيقى، الرقص، الستار، الجمهور. ويؤدي هذا التفاعل إلى تحويل المشاعر إلى أشياء محسوسة؛ فالألم لا يبقى فكرة، بل يُرى ويُسمع ويُلمس. 2 التشخيص والاستعارة التشخيص من أبرز الوسائل الأسلوبية. فالزمن يمتلك جسداً وعقارب تقاوم، والمرآة تصير كائناً مهدداً، والمطر يقرع، والرعد يصرخ، والنجوم تؤوي الأرواح، والفزاعة تحلم، والوحل يبتلع الذات. وهذه الصور لا تعمل للزخرفة، بل تترجم العجز الإنساني عن القول المباشر؛ عندما يعجز الألم عن أن يُقال واقعياً، يتجسد في صورة. 3 اللون يحمل اللون دلالات واضحة: • الأبيض: قد يدل على البراءة، لكنه في «الأسرّة البيضاء» يرتبط بالفراغ الطبي والفقد. • الأسود: يدل على الحداد، والاغواء، والاختناق، والظل. • الأحمر: يحضر في ثوب الأخت في «انتظار»، فيتجاور فيه لون الطفولة ولون الدم. • الأزرق: يظهر في ستائر «الأسرّة البيضاء» بوصفه لوناً للحزن والمسافة. • الرماد: يرافق الفقد والاحتراق وتلاشي الأمل. 4 التكرار التكرار في المجموعة ذو بعدين. فهو أحياناً تقنية تؤكد الإلحاح النفسي، كما في نداءات الطفل أو الأم أو الذات الخائفة. لكنه، في بعض المواضع، يقترب من التفسير الانفعالي المباشر. وهنا يمكن اقتراح تنويع الإيقاع المعجمي وإتاحة مساحة أكبر للصمت والفعل والصورة لكي تحمل العبء العاطفي. 5 الحوار والمونولوج الحوار غالباً مقتصد، لكنه شديد الدلالة. وتتقدم المناجاة الداخلية في نصوص الفقر والخوف، فتتحول الشخصية إلى مخاطبة الله أو الذات أو الغائب. وهذه المناجاة لا تؤدي وظيفة نفسية فقط، بل تكشف هشاشة البنية الاجتماعية التي تترك الفرد وحيداً في مواجهة مصيره. تاسعاً: الرمز والسيمياء 1 المرآة المرآة في «الشبح» ليست أداة انعكاس، بل آلية لانقسام الهوية. فالذات تنظر لتجد الخوف، والموتى، والشيطان، والذئب. إنها علامة على ذات فقدت يقينها بنفسها. 2 العين الزجاجية العين في «الكرة الزجاجية» لا تؤدي وظيفة البصر، بل وظيفة الاعتراف الاجتماعي. وهي تفضح مجتمعاً يجعل المظهر شرطاً للقبول. لذلك يكون سقوطها سقوطاً لصورة الذات لا لعضو صناعي فحسب. 3 النجمة النجمة في «انتظار» رمز مزدوج: عزاء للطفل، ودليل على غياب لا رجعة فيه. إنها تمنح الموتى حضوراً في السماء، لكنها تثبت في الوقت نفسه أن مكانهم لم يعد على الأرض. 4 حاوية القمامة الحاوية في «المشهد الأخير» رمز بالغ القسوة: مكان تطرح فيه الأشياء التي فقدت قيمتها، لكنها تصبح للأم مصدراً محتملاً للحياة. ومن ثم يكشف الرمز انقلاباً أخلاقياً في المجتمع: ما يُرمى قد ينقذ، وما يُحتفى به إعلامياً قد يكون عاراً إنسانياً. 5 الفستان الفارغ في «عناق»، الفستان الفارغ حضور الغياب. إنه جسد بلا جسد، وذكرى بلا إمكانية للعودة. ولذلك يكون العناق مع الفستان فعلاً من أفعال الإنكار والذنب. 6 الساعة الساعة في «آلة الزمن» رمز لقانون لا يمكن اختراقه. تحاول الذات التعامل معها بوصفها شيئاً قابلاً للسيطرة، لكنها تكتشف أن الزمن هو الذي يسيطر عليها. وهذا الرمز يفتح القصة على بعد وجودي يتجاوز الحدث الشخصي. 7الفزاعة جاك الفزاعة رمز لذات محكوم عليها بالثبات والعزلة. وهو يصنع مفارقة شديدة: ما وُجد لتخويف الكائنات الأخرى هو أكثرها خوفاً وحاجة إلى الرعاية. عاشراً: قراءة القصص تباعاً 1 «آلهة»: التعلق بوصفه عبودية تفتتح القاصة المجموعة بنص شديد الإيجاز: رجل يجعل من امرأة «آلهة من طين»، يقدم لها القرابين، ثم تتحول إلى كابوس يحطمه ويجعله يرى نفسه غارقاً في الوحل. قوة النص نابعة من اقتصاده؛ فهو لا يشرح تاريخ العلاقة، بل يضغطها في صورة واحدة: التأليه الذي ينتهي إلى الطين. دلالياً، يكشف النص عن اختلال العلاقة العاطفية حين تتحول المحبة إلى إلغاء للذات. فالرجل لا يحب امرأة بقدر ما يصنع لها مقاماً مطلقاً، وحين يسقط هذا المقام يسقط هو معه. أما الوحل فصورة للامتهان الداخلي، ولنتيجة التنازل عن التوازن والكرامة. 2 «الغابة»: دورة السلطة وإعادة إنتاج العنف تقدم القصة غابة تتكلم فيها الحيوانات وتتوزع فيها أدوار القوة والهيمنة. البومة واعظة ومركزية، والغراب يردد بلا وعي، والراوية جائعة في الهامش. ومع تصاعد الجوع، تفترس الراوية البومة وتلبس ريشها، ثم تصعد إلى المنبر. تستثمر الكاتبة الرمز الحيواني لتعرية بنية اجتماعية: خطاب الحكمة والوعظ قد يخفي امتيازاً مادياً، والتبعية قد تتكلم بصوت لا تفهمه، والجوع قد يتحول إلى عنف. لكن الأهم أن القصة لا تمنح الضحية براءة مطلقة؛ إذ تتحول الراوية إلى نسخة جديدة من السلطة. لذلك فإن النهاية دائرية: لا يُهزم النظام، بل يتبدل وجهه. 3 «نقّار الخشب»: نقد وهم التفوق الطبقي في هذه القصة، يصبح الحب ساحة لصراع طبقي. يحب نقار الخشب فراشة، لكنه يرفض الزواج منها لأنها لا تناسب طبقته ونسبه. والمفارقة أن البطل، الذي يُفترض أن يملك حرية الطائر، يظل مقيداً بعرف اجتماعي متخيل. إن احتراق الفراشة وتحولها إلى رماد يجعل القصة مأساة أخلاقية. فالرماد ليس نهاية حب فحسب، بل أثر لنظام اجتماعي يقتل الإمكان الإنساني باسم الامتياز. ثم إن رفض الفراشة الثانية للبطل يحقق عدالة سردية: من رفض الآخر بوصفه أدنى، يواجه لاحقاً رفضاً يفضح عجزه عن بناء علاقة سوية. 4 «الشبح»: الخوف مرآة للذات المتصدعة تتخذ القصة من الرعب النفسي مادة لها. البطلة تعيش مشاهد اختفاء وموت، ثم تواجه مرآتها فتجد فيها وجوهاً متداخلة: الجدة، والأم، والشيطان، والذئب. بذلك تصبح المرآة فضاءً لانهيار الحدود بين الذات والآخر، والواقع والهلوسة. يمكن تأويل الشبح بوصفه تجسيداً للصدمة النفسية؛ فالخوف ليس خارجياً محضاً، بل يسكن الحواس والجسد والذاكرة. وتكسير المرآة محاولة عنيفة لتحطيم مصدر الرعب، لكنها لا تنهيه. أما الطفلة التي تعانق البطلة فتمنح القصة لحظة تضامن، غير أن الخوف ينتقل إليها، وهو ما يؤكد عدوى الجرح النفسي. 5 «الكرة الزجاجية»: كرامة الطفل بين الجسد والوصمة طفل في الثانية عشرة فقد عينه بسبب عمله في معمل للنسيج، ثم فقد عينه الزجاجية التي كان يحتفظ بها بوصفها جزءاً من صورته أمام الناس. القصة لا تتحدث عن إعاقة حسية فحسب، بل عن مجتمع يدفع الطفل إلى العمل، ثم يعامله كمتسول، ويقيس قيمته من مظهره. تتجلى قوة القصة في أن العين الزجاجية لا تبصر، لكن فقدها يؤلم الطفل لأنها تحميه من نظرة الآخرين. وهنا تتكشف الوظيفة الرمزية للعين: إنها قناع كرامة هش. ويتحول الطبيب من شخص منزعج إلى ذات متعاطفة، ما يتيح للنص أن يضع القارئ أمام اختبار أخلاقي: هل نرى المحتاج في إنسانيته أم في صورته السطحية؟ 6 «الأسرّة البيضاء»: مونتاج الفقد واليتم تقوم القصة على مقاطع متجاورة تجمع بين طفلة تبحث عن أهلها، وغرفة طوارئ، وصالة سينما، ومشاهد سيارة ومطر، إلى أن تتضح مأساة موت الوالدين ونجاة الطفلة. إن تقنية التقطيع هنا ملائمة للتجربة؛ فالوعي الصادم لا يستقبل الكارثة في خط متماسك، بل في شظايا. العنوان شديد الدلالة: السرير الأبيض يحتمل وعد العلاج، لكنه يحمل أيضاً برودة الفقد. كما أن البياض نفسه يتحول إلى فراغ، بينما تستحضر الستائر الزرقاء حزن المكان. وتنجح القصة في تحويل صوت الطفلة «بابا، ماما» إلى لازمة مأساوية لا تحتاج إلى تفسير زائد. 7 «انتظار»: الطفولة في مواجهة الحرب تبدأ القصة بخروج طفل من تحت الركام، ثم تتبع بحثه، برفقة كلبه، عن أفراد عائلته. ويكتشف تباعاً جثث أمه وأخته وأبيه، لكنه يظل، بحكم براءته، يتعامل مع الموت بوصفه نوماً أو لعبة غميضة. تكمن قوة النص في تبئيره الطفولي؛ إذ لا نحتاج إلى خطابات سياسية عن الحرب، لأن عجز الطفل عن فهمها يكشف بشاعتها أكثر من أي تصريح. كما يمثل الكلب نموذجاً للوفاء والحماية في مقابل عالم بشري عنيف. وتأتي النجوم في النهاية بوصفها لغة تعزية، لكنها تعزية مكسورة؛ فهي لا تعيد المفقودين، وإنما تمنح الطفل طريقة ليتخيل استمرارهم في مكان آخر. 8 «المشهد الأخير»: الفقر بين فعل النجاة وعين المتفرج تصور القصة أمّاً مريضة فقيرة، مسؤولة عن ابن عاجز، محاصرة بين الدواء والإيجار والجوع. ويتصاعد ضغط الضرورة حتى تجد نفسها أمام حاوية القمامة، تنافس القطط على كيس قد يحمل بقايا طعام. القصة تتجاوز استدرار الشفقة لأن مركزها ليس الفقر وحده، بل الإذلال الناتج عن تحويل الفقر إلى صورة متداولة. العنوان الصحافي في النهاية يختزل المأساة في مشهد: «امرأة تبحث عن بقايا الطعام داخل حاوية القمامة». وتكشف هذه النهاية أن المجتمع قد يمتلك كاميرا لكنه يفتقد الفعل الأخلاقي. لذلك يصبح النص نقداً لثقافة الفرجة وللإعلام الذي يوثق الجرح من دون أن يسأل عن سببه. 9«عناق»: رقص الندم وغياب الجسد يبدو النص في بدايته قصة حب تستعاد على إيقاع الموسيقى والرقص، لكن الذاكرة تكشف الخيانة. الرجل الذي يرقص مع المرأة هو في الحقيقة أسير ذنب قتل العلاقة، والمرأة تتحول في النهاية إلى غياب وفستان فارغ. تشتغل القصة على مفارقة العناق: أقصى صور القرب يتحول إلى إعلان عن استحالة القرب. كما أن المسرح والستار والتصفيق تجعل من البطل ممثلاً ومحكوماً عليه بإعادة العرض الداخلي نفسه. إن سقوطه في النهاية ليس سقوط جسد فحسب، بل انهيار صورة الذات التي تأخرت في فهم فداحة ما فعلت. 10 «آلة الزمن»: وهم السيادة على المصير تضع القصة بطلتها في مواجهة ساعة عملاقة. تريد الرجوع إلى الماضي لتصحيح الأخطاء، أو تثبيت الحاضر لتمنع الشيخوخة والموت، أو الوصول إلى المستقبل. لكن العقارب تقاوم، والطبيعة تثور، والذات تسقط في محاولاتها المتكررة. تجسيد الزمن هنا يمنح النص قوة رمزية. فالزمن لا يظهر في شكل مفهوم تجريدي، بل يصبح كائناً له حركة وإرادة. وتكشف القصة أن الرغبة في امتلاك الزمن هي، في جوهرها، رفض لحدود الإنسان. ومن ثم تنتهي البطلة إلى التيه، لأن محاولة إيقاف الدورة تخرجها من الحياة لا تحفظها فيها. 11 «جاك الفزّاعة»: تراجيديا الكائن المهمش تتكلم الفزاعة بضمير «أنا»، فتتحول من شيء جامد إلى ذات واعية بالجوع والبرد والوحدة والحرمان. تتمنى أن تمشي، وأن تلعب مع الأطفال، وأن تذهب إلى المدرسة، وأن تطير بطائرة ورقية. إنها صورة لكل من يُحرم من الحركة والمشاركة والاعتراف. يأتي المجرم الهارب ليطعنها ويبتر ساقها، وهو حدث يزيد المفارقة حدة: الكائن الذي لا يستطيع الهرب يتعرض للعنف لأنه شاهد محتمل. غير أن عودة مالك الحقل لتضميدها تعيد إلى النص قدراً من الأمل. هذه النهاية ليست مثالية، بل تؤكد أن أبسط فعل رعاية قادر على مقاومة الإهمال. 12 «الهزيم»: السمع حين يتحول إلى فضاء رعب تعتمد القصة على تجربة ذات لا تستطيع الرؤية بوضوح، فتعيش العالم عبر المطر والرعد والخطوات والمفاتيح واليد الغريبة. لهذا يصبح البيت، المفترض أنه مصدر أمان، فضاءً غامضاً ومهدداً. يعمل النص على تحويل القارئ إلى شريك حسي في الخوف؛ فالمتلقي لا يرى الخطر بوضوح، كما لا تراه البطلة. ويكشف هذا عن بعد وجودي في القصة: فقدان اليقين ليس فقداناً للبصر فقط، بل فقدان لقدرة الذات على الاطمئنان إلى المكان والجسد والآخر. حادي عشر: القضايا الاجتماعية والإنسانية 1 الطفولة المنتهكة تحتل الطفولة موقعاً مركزياً. فالطفل هنا ليس رمز البراءة المجردة، بل كائن يُحمّل ما لا يحتمل: يعمل في مصنع، أو يفقد أسرته، أو يبحث عن والديه، أو يعيش في عالم لا يفسر له شيئاً. وتكشف هذه النصوص أن المجتمع يُقاس أخلاقياً بما يفعله بأطفاله. 2 الفقر بوصفه عنفاً بنيوياً الفقر في «المشهد الأخير» و«الكرة الزجاجية» ليس خلفية، بل قوة تقرر المصير. إنه يدفع الطفل إلى العمل، والأم إلى الحاوية، ويحوّل العلاج إلى امتياز، ويجعل الكرامة عرضة للتآكل. لذلك يمكن القول إن المجموعة تقدم الفقر بوصفه عنفاً بنيوياً لا خطأ فردياً. 3 الحرب وتدمير البيت الحرب في «انتظار» تحطم البيت والأسرة واللغة الطفولية. لا تقدم القصة صورة للمعركة، بل تقدم أثرها الأكثر قسوة: طفل لا يعرف كيف يودع أمه ولا كيف يتعامل مع جسد أبيه الميت. وهنا تتجلى قوة الأدب في كشف ما تخفيه الإحصاءات والتقارير. 4 الطبقية تفضح «نقّار الخشب» منظومة التصنيف الاجتماعي التي تجعل الحب تابعاً للأصل والنسب. وتبدو الطبقية هنا موقفاً أخلاقياً قبل أن تكون تفاوتاً اقتصادياً؛ إنها إنكار لإنسانية الآخر بحجة الانتماء. 5 المرأة والأمومة تحضر المرأة في صور متباينة: امرأة مؤلّهة، وفراشة محروقة، وذات خائفة، وأم فقيرة، وزوجة مجروحة. وتبرز الأمومة خصوصاً في «المشهد الأخير» بوصفها طاقة مقاومة لا مثالية؛ فالأم لا تُرسم قديسة مفارقة للواقع، بل إنسانة تنهكها الحاجة لكنها تستبقي حياة ابنها. 6 ثقافة الفرجة تظهر بوضوح في «المشهد الأخير»، حيث يتحول الألم إلى خبر أو صورة. وهذه القضية تمتد ضمناً إلى المجموعة كلها: هل نقرأ الألم لنستهلكه عاطفياً، أم لنفهم شروطه ونراجع موقعنا منه؟ ثاني عشر: تقويم نقدي 1 مكامن القوة 1. الحساسية الإنسانية: تمتلك النصوص انحيازاً واضحاً إلى المهمشين والضعفاء والضحايا. 2. تنوع الأشكال: تتجاور القصة الومضة، والحكاية الرمزية، والقصة النفسية، والواقعية الاجتماعية، والبناء المشهدي. 3. فاعلية الرمز: العين والمرآة والساعة والنجوم والفستان والفزاعة ليست إضافات خارجية، بل محاور دلالية. 4. القدرة على بناء الأثر: تنجح نصوص مثل «الكرة الزجاجية» و«انتظار» و«المشهد الأخير» في بناء تأثير عاطفي وفكري واضح. 5. المنظور الطفولي: استخدام الطفل يتيح نقداً غير مباشر للعنف والفقر والحرب. 6. المفارقة والنهايات: في أفضل لحظاتها، تعيد النهايات تأويل القصة كلها. 7. البعد البصري: حضور الضوء واللون والموسيقى والسينما والمسرح يمنح بعض القصص طبيعة مشهدية خصبة. 2 جوانب قابلة للتطوير 1. الاقتصاد السردي: تحتاج بعض المقاطع إلى ضغط أكبر؛ إذ إن زيادة الوصف أو التفسير قد تخفف من قوة القصة القصيرة. 2. الإيحاء بدل التقرير: يزداد الأثر حين تثق القصة بالصورة والفعل والفراغ الدلالي، ولا تفسر مشاعرها كلها مباشرة. 3. تنويع المعجم الانفعالي: كثرة مفردات البكاء والخوف والقهر والظلام قد تجعل الإيقاع متشابهاً بين بعض النصوص، ويمكن للتنويع أن يوسع الفضاء التعبيري. 4. ضبط المسافة بين الرمز والواقع: الرمز يكون أقدر على الإيحاء حين يظل مندمجاً في الفعل القصصي، لا حين يتحول إلى رسالة مباشرة. 5. التحرير اللغوي والطباعي: تستفيد النصوص، في بعض المواضع، من مراجعة تحريرية دقيقة تعزز سلامة الصياغة وتماسك الإيقاع. هذه الملاحظات لا تنفي منجز المجموعة، بل تضعه في أفق تطور ممكن. فوجود مخيلة رمزية، وحس إنساني، وجرأة على مساءلة القضايا المؤلمة، يمثل أساساً واعداً لتجربة قصصية تتجه إلى مزيد من النضج الفني. خاتمة تقدم «كنتُ هناك...» كتابة قصصية تقوم على استدعاء الإنسان من هامش التجربة إلى مركزها. فلا أحد في هذه النصوص مجرد رقم أو خبر أو حالة شفقة؛ الطفل ذو العين الزجاجية يحمل كرامة كاملة، والأم عند الحاوية تمتلك بطولة موجعة، والطفل تحت الركام يملك لغة خاصة لفهم الموت، والفزاعة المهملة تمتلك حلماً بالمدرسة واللعب، والذات المذعورة أمام المرآة تقاوم فقدانها لنفسها. وتكمن القيمة الأبرز للمجموعة في أنها تحول الجرح إلى لغة، واللغة إلى شهادة. فهي لا تقدم حلولاً جاهزة، ولا تدعي أن العالم قابل للإصلاح السريع، لكنها تؤكد أن رؤية الألم والاعتراف به هما الخطوة الأولى في مقاومته. لذلك فإن عنوان المجموعة لا يظل عنواناً لذكرى مضت، بل يصبح نداءً أخلاقياً: «كنتُ هناك»، أي إنني كنت في الموضع الذي قد يختار الآخرون تجاهله؛ فانظر إليّ، واستمع إلى حكايتي، ولا تحوّل وجعي إلى مشهد عابر. شكر وتقدير تتوجه هذه الدراسة بالشكر إلى دار دلمون الجديدة للطباعة والنشر والتوزيع لإصدارها مجموعة «كنتُ هناك...» وإتاحتها للقارئ، وإلى القائمين على إخراجها الفني، ولا سيما الفنان التشكيلي إسماعيل نصرة صاحب لوحة الغلاف، وم. مهند المهنا مصمم الغلاف. إن نشر العمل الأدبي وإخراجه بصورة تليق به جزء أصيل من الفعل الثقافي، لأنه ينقل التجربة من دائرة الكتابة الفردية إلى مجال التداول والحوار والنقد. قائمة المصادر والمراجع المصدر الأساسي • سنوبر، روعة. كنتُ هناك...: مجموعة قصصية. الطبعة الأولى. دمشق: دار دلمون الجديدة للطباعة والنشر والتوزيع، 2024م / 1446هـ. 116 صفحة. الرقم المعياري الدولي: 978-9933-699-96-3. مراجع نظرية مقترحة لدعم النسخة البحثية المحكمة تدرج هذه المراجع بوصفها إطاراً نظرياً مقترحاً عند تحويل الدراسة إلى بحث جامعي محكّم، ولا يعني ذلك أنها مصادر مباشرة لوقائع المجموعة. • بارت، رولان. مدخل إلى التحليل البنيوي للقصص. • تودوروف، تزفيتان. الشعرية. • جنيت، جيرار. خطاب الحكاية: بحث في المنهج. • يقطين، سعيد. تحليل الخطاب الروائي: الزمن، السرد، التبئير. • القاضي، محمد وآخرون. معجم السرديات. • فضل، صلاح. بلاغة الخطاب وعلم النص. • حمداوي، جميل. السيميوطيقا والعنونة. • مرتاض، عبد الملك. في نظرية الرواية: بحث في تقنيات السرد. الناقد: طه دخل الله عبد الرحمن البعنه == الجليل 21/09/2026
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف
...
-
القراءة النقدية الكاملة لنص – طقوس الشاي المقدسة – للأستاذة
...
-
قراءة لقصيدة - الأربعينية باللون الأسود – الأستاذ الشاعر عون
...
-
الأثر
-
من جامعة الحياة إلى محراب البيان: سيرة قلمٍ لا ينطفئ = خل
...
-
قراءة لقصيدة - حينَ يَرْتَقِي الكَلِمُ – للشاعرة الدكتورة سل
...
-
قراءة لحكاية - من حيث توقفنا – للكاتبة الأستاذة عاتكة الياسر
...
-
قراءة للقصة القصيرة – العدو – للقاصة الأستاذة الهام عيسى 6-9
...
-
قراءة للقصة القصيرة – أخر مرة – للكاتبة الأستاذة فاطمة حرفوش
...
-
قراءة لقصيدة - شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَمَان – للشاعرة الدكتورة س
...
-
دراسة «تحت سقف السماء» للقاصة كوثر حسن جعفر 31-8-2026 بلاغةُ
...
-
طقوسُ الشاي المُقدَّسة
-
قراءة تأويلية في جماليات النص الشعري وبلاغة التردّد الوجودي
...
-
قراءة لقصيدة – خيوط العنكبوت – للأستاذ الدكتور فهد المحمد ال
...
-
وتستمر الحكمة في النقد السامق لأضع بين ايديكم اعزائي ما جادة
...
-
قِرَاءَةُ فِي مُعَلَّقَةٍ الْوَفَاء الْكُبْرَى لِلْأُسْتَاذ
...
-
قراءة للمقطع الشعري – عيون – للأستاذة الناقدة نافلة مرزوق ال
...
-
قراءة لقصيدة – أحبّكِ – للدكتورة آمال بوحرب
-
شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف
...
-
الحوار الثقافي الذي دار بين الدكتور عبد الكريم الحلو صاحب ال
...
المزيد.....
-
زهرة المنصوري: -ليته كان هراء!- تُسائل الذاكرة وزمن السيبة ف
...
-
لافروف وبدر عبد العاطي يزيحان الستار عن لوحة تذكارية تخليدا
...
-
-مع تميم-.. التراث والثقافة سبيل لخلاص الأمم من الأزمات الوج
...
-
الحرب بعيون نساء يمنيات.. -المحطة- يفتتح مهرجان الدوحة السين
...
-
ملحن مصري شهير في قبضة الأمن ويعترف ببيع مخدرات خام لأصحابه
...
-
جامعة أبين ومؤسسة استدامة تستعرضان تجربة عبدالحكيم باقيس في
...
-
حين يصبح الحكواتي هو القصة.. الفنان أبو عيشة جار للأقصى ويُم
...
-
جسدها تحوّل إلى -أرجواني داكن- وخليط قاتل من 5 مواد: تفاصيل
...
-
الأهوار العراقية على شاشة -تورنتو- بثلاثة أفلام وثائقية
-
كيف يمكن إيصال القصص والموسيقى العربية إلى الجمهور العالمي؟
...
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|