|
|
مَرْفَأُ الطَّيْف .. مسرحية ساخرة في خمسة فصول
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8837 - 2026 / 9 / 23 - 08:51
المحور:
الادب والفن
على طريقة اللصوص الكبار
تمهيد مسرحية «مَرْفَأُ الطَّيْف»
مدخل: لماذا مسرح؟ ولماذا الآن؟
يُولد المسرح من الحاجة، لا من الترف. وحين تُصادَر الكلمة، ويُغيَّب الحق، وتُكتب الوقائع بمدادٍ لا يُرى، يصير المسرح ضرورةً لا خيارًا. ليس لأنه يقول ما لا يُقال فحسب، بل لأنه يجعل ما لا يُقال مرئيًّا. وفي البلدان التي تُدار فيها الثروات والموانئ والحدود بقراراتٍ تُتَّخذ في فنادق بعيدة، يحتاج الناس إلى فضاءٍ يرون فيه ما يعيشونه كل يوم، ولا يجرؤ أحد على تسميته باسمه الكامل.
«مَرْفَأُ الطَّيْف» مسرحية كُتبت لتكون هذا الفضاء. وهي، قبل أن تكون نصًّا دراميًّا، شهادةٌ على زمنٍ يُدار فيه الاحتلال بلا إعلان، وتُسرق فيه الموارد بأسماءٍ نظيفة، وتُصنع فيه الشرعية في غرفٍ مغلقة، وتُمنح فيه الأوطان بالوكالة. وهي، بعد ذلك كله، دعوةٌ إلى رؤية ما لا يُرى، وسماع ما لا يُسمع، وتسمية ما لا يُسمَّى.
العنوان: الطيف كبنيةٍ دراميةٍ مركزية
اخترنا لكلمة «الطَّيْف» دلالتها المزدوجة: فهي في المعجم العربي مرادفةٌ للظلّ والخيال، لكنها تحمل أيضًا معنى الحضور الغائب — وهو جوهر الاحتلال غير المعلن. الاحتلال موجودٌ في الموانئ والمطارات والمنافذ، يمارس سلطته عبر ضباطٍ أجانب، ويعيد تشكيل الجغرافيا السياسية، لكنه لا يعترف بوجوده أحد. إنه طيف: يُرى ولا يُلمس، يُسمَّى ولا يُثبت، يظهر في التقارير ويختفي من الخرائط الرسمية.
وفي التراث العربي، الطيف هو زائر الليل الذي يأتي في المنام ثم يختفي عند الصباح — تمامًا كالاحتلال الذي يتجسد في النهار كواقعٍ، ويتلاشى في المساء كنفْيٍ. هذا التماهي بين الطيف والاحتلال هو البنية المركزية التي يقوم عليها النص كله. فالمسرحية لا تحكي عن احتلالٍ يُعلن نفسه، بل عن احتلالٍ يسكن الظل، ويكتب مستقبل البلاد من وراء الستار، ويترك وراءه مرفأً لا يعرف مَن يسكنه، وبحرًا لا يعرف مَن يملكه.
اللغة: بين السخرية والرثاء
تُكتب هذه المسرحية بلغةٍ تتحرك على حبلٍ مشدود بين السخرية والرثاء. ليست السخرية هنا ترفًا كوميديًّا، بل هي سلاح دفاعي ضد عبثية الواقع. حين يقول سعيد، مهرّج البلد: «هذا ليس احتلالًا، أرجوكم. هذا وجود ودّي»، فإنه لا يمزح، بل يفضح. إنه يسمّي الأشياء بأسماءٍ مضادة، لأن الأسماء الحقيقية صارت محرّمة. وحين يعلّق: «الاحتلال يأخذ أرضك. الوجود الودّي يأخذها بالفائدة»، فإنه يلخّص في جملةٍ واحدة ما تحتاج الدراسات السياسية إلى مئات الصفحات لشرحه.
هذه اللغة المزدوجة — ساخرة في ظاهرها، راثية في جوهرها — تستدعي تقنيةً مسرحيةً عريقة: المهرّج الذي يقول الحقيقة. في المسرح الإليزابيثي، كان المهرّج هو الوحيد الذي يسمح له الملك بقول ما لا يقوله غيره. وفي مسرحنا هذا، يصبح سعيد لسانَ الناس، الذي يقول ما يعرفه الجميع ولا يجهر به أحد. وهو يستمد قوته من مفارقةٍ عميقة: إنه لا يملك شيئًا، لذلك لا يخاف أن يخسر شيئًا.
البنية: خمسة فصول كخمس مراحل للفقد
تنقسم المسرحية إلى خمسة فصول، كل فصل منها يمثّل مرحلةً من مراحل الوعي بالفقد:
الفصل الأول: «البيان الذي لم يُكتب» — يكشف الفصل الأول آليات الاحتلال غير المعلن. نرى المرفأ وقد فقد اسمه، والوالي الذي لا يستطيع البقاء في بلده ساعتين، والشيخ الذي يفتي بالصبر ويسمّي الكلام فتنة. نرى أيضًا السيدات الثلاث — لندن وواشنطن والرياض — يلعبن دور «الأساتذة الكبار» في لعبة «فرّق تسد»، ويقسّمن الخريطة بالمقصّ. الفصل الأول هو فصل التعرية: نرى فيها ما كان يُخفى.
الفصل الثاني: «مطرٌ من أوراقٍ نقدية» — يتساقط المال من السماء، فيفرح الناس، ثم ينفجر ويتحول إلى رماد. هذا الفصل يرصد اقتصاد الإغاثة الذي يُستخدم لتشريع السلب. المال الذي يأتي بشروطٍ خفية — إسكات الاعتراض، وعدم المطالبة بالسيادة — ليس عطاءً، بل صكّ ملكية. هنا يظهر المُحاسِب، حاملًا الدفتر الذي ينزف، ليكشف أن الحبر لم يجفّ بعد.
الفصل الثالث: «الذي كان ميتًا ولا يعلم» — الفصل الأكثر تجريدًا واستبطانًا. الوالي يكتشف أن يده شفافة، وأنه لم يعد يملك إلا صوته على شاشة. عنتر وأخوه سيف يتواجهان، وكل منهما يموّل من جهةٍ مختلفة، ثم يدركان أنهما «متشابهان، والاسم فقط مختلف». الفصل الثالث هو فصل الوعي بالانقسام: لحظة يُدرك فيها الضحية أنه كان يُقاتل نفسه طوال الوقت.
الفصل الرابع: «الظلّ الذي انفصل» — الكولونيل يفقد ظله، والظل يسير في الاتجاه المعاكس. هذا تجسيدٌ مسرحيّ لبنية الاحتلال غير المعلن: الجسد يزول، والأفعال تبقى. الظل يخبر الكولونيل: «أنت صاحب الأوامر. أنا صاحب الأفعال. والأفعال أطول عمرًا من الأوامر». في هذا الفصل، يتحول المحتلّ نفسه إلى سجينٍ لفعله.
الفصل الخامس: «المرفأ الذي يتكلّم» — الفصل الختامي، حيث تُرفع الستارة ولا تُغلق. نجوم تغني، والبحر يتكلم، والدفتر لا يُغلق لأن حبره لم يجفّ بعد. الجمهور نفسه يظهر على الشاشة، وكأن المسرحية تقول: أنتم لستم متفرجين، أنتم الفصل الأخير.
الشخصيات: أقنعةٌ من لحمٍ ودم
لا تُقدّم المسرحية أبطالًا بالمعنى التقليدي، بل أقنعةً من لحمٍ ودم. سعيد ليس بطلًا، بل ذاكرة. نجوم ليست طفلةً، بل ضمير. الشيخ درهم ليس شريرًا بالمعنى الميلودرامي، بل وظيفة — وظيفة تُنتج الشرعية للسرقة. عنتر ليس قاتلًا، بل منتج لسلسلة: «أنا منتجٌ لسلسلة. الصناعة كلها اسمها: الطرف الآخر. وأنا الطرف الآخر، لكني أقف في الطرف الأول».
الوالي عبد الحق هو الشخصية الأكثر تعقيدًا. يبدأ كشاشة، وينتهي كرجلٍ يخرج من الشاشة ليجلس بين الناس. يقول في ختام رحلته: «لم أرَ اليمن، لأنني كنت في البيان. البيان كان طويلًا. البيان كان جميلًا. البيان كان يُخفي اليمن». هذه لحظة تحوّلٍ مأساوي: لحظة يُدرك فيها الوسيط أنه كان ضحيةً أيضًا، لكن ضحيةً اختارت أن تكون وسيطًا.
أما الجوقة، فهي الشعب نفسه — لا ككتلةٍ متجانسة، بل كأصواتٍ متعددة: أم سالم الثكلى التي ترفض الصبر، والنساء اللواتي يسألن عن أبنائهنّ، والأطفال الذين يحملون عصيًّا كأنها بنادق. الجوقة هي الذاكرة الجماعية التي ترفض النسيان، وهي السلطة الحقيقية التي لا تُمنح من الخارج بل تُنتَج من الداخل.
الرموز: الدفتر، الظل، الرمل، البحر
تقوم المسرحية على أربعة رموزٍ مركزية:
الدفتر الذي ينزف: هو الذاكرة المكتوبة للسرقة. كل صفحة فيه سفينة، وكل بند فيه منجم، وكل توقيع فيه اسمٌ بلا وجه. الدفتر لا يُغلق لأن الحبر لم يجفّ — أي أن الجريمة مستمرة، والتوثيق مستمر.
الظل الذي ينفصل عن صاحبه: هو الفعل الاستعماري الذي يتجاوز فاعله. الكولونيل قد يرحل، لكن ما فعله سيبقى باسمه. الظل أطول عمرًا من الجسد.
الرمل الذي يُكتب عليه ثم يُمحى: هو الشكل الوحيد للكتابة الذي لا يمكن مصادرته. الرمل لا يظهر في التقارير، ولا يُصدَّر، ولا يُمنح. الرمل يكتب ثم ينسى ثم يعيد — وهذه المرة الوحيدة التي فيها النسيان أخفّ من الذاكرة.
البحر الذي يتكلم: هو الملكية الأصلية التي لا تُشترى ولا تُمنح. البحر يقول: «أنا لا أبيع. أنا لا أُشترى. أنا ذاكرتي. لا صكّ يستطيع أن يشتريني، لأنني لا أُمنح. وأنا لا أُمنح، لأنني لست ملكًا. أنا مجاز».
التأثيرات: حوارٌ مع التراث المسرحي العالمي
تستدعي «مَرْفَأُ الطَّيْف» تقنياتٍ من ثلاثة تياراتٍ مسرحية كبرى:
مسرح المضطهدين لأوغستو بوال: حيث يتحول المتفرج إلى «متفرج-فاعل»، وحيث يُستخدم المسرح كسلاحٍ للتغيير الاجتماعي، لا كترفٍ جمالي. في مسرحيتنا، الجوقة ليست خلفية، بل فاعلًا في الحدث، والجمهور نفسه يظهر على الشاشة في الفصل الخامس.
المسرح السريالي السياسي لفرناندو أرابال: حيث يتحول الواقع إلى كابوسٍ، والحقيقة إلى مفارقة، والسخرية إلى صرخة. أرابال، الذي كتب تحت ظل حكم فرانكو، عرف كيف يجعل القمع مرئيًّا بالكشف عن عبثيته. في مسرحيتنا، مطر المال الذي يتحول إلى رماد، والوالي الذي يتحول إلى شاشة، والظل الذي ينفصل عن صاحبه — كلها تقنيات أرابالية بامتياز.
الواقعية السحرية في المسرح اللاتيني الأمريكي: حيث تُقبل الغرائبية كجزءٍ من الواقع اليومي, وحيث يُستخدم الرمز للكشف عن بنية السلطة. في أمريكا اللاتينية، كما قال غابرييل غارثيا ماركيز، «كان من الطبيعي وجود الواقعية السحرية، لأن الواقع هناك كان يتجاوز كل خيال». وفي اليمن، الواقع أيضًا يتجاوز الخيال: دولة تُدار من فنادق، وشرعية تُمنح بالوكالة، وشعب يقتل بعضه بعضًا من أجل «الاسم نفسه».
الأسئلة التي تطرحها المسرحية
لا تكتفي «مَرْفَأُ الطَّيْف» بالكشف، بل تطرح أسئلةً لا تجيب عنها:
ما الفرق بين الاحتلال المعلن والاحتلال غير المعلن؟ تجيب المسرحية عبر بنيتها ذاتها: لا فرق في الآثار القانونية. المادة 42 من لائحة لاهاي لعام 1907 تنص على أن «الإقليم يُعتبر محتلًّا عندما يوضع فعليًّا تحت سلطة جيش معادٍ». لكن المسرحية تذهب أبعد: الاحتلال غير المعلن أخطر، لأنه يحرم الضحية حتى من حق تسمية ما يعانيه.
ما معنى الشرعية؟ الشرعية التي تُمنح من الخارج — من واشنطن أو لندن أو الرياض — ليست شرعية، بل أداة نفوذ. الشرعية الحقيقية تُولد من الشارع، من ملايين اليمنيين الذين قرروا أن يقولوا كلمتهم. لكن المسرحية لا تُقدّس الشرعية الشعبية أيضًا. الشيخ درهم يستخدم الخطاب الديني نفسه لتشريع السلب، والجوقة تحمل الشعارات نفسها التي تحملها السلطة. الشرعية، في النهاية، ليست شعارًا، بل ممارسة.
كيف يُقاوَم الطيف؟ الجواب في المسرحية: بالغناء. حين تسأل نجوم جدّها: «متى تعود؟»، يجيب: «لن أعود. أنا الآن مادة أولية. أنا الآن رقم في نشرة اقتصادية». ثم يقول لها: «لا تشرحي. غَنّي. الغناء لا يحتاج إلى شرح. وهم يكرهون الأغاني لأنها لا تُلخَّص في بيان». الغناء هو الشكل الوحيد للمقاومة الذي لا يمكن أن يُلغيَه اجتماع. الغناء هو الطيف المضاد: حضورٌ لا يُلمس، لكنه لا يُنفى.
خاتمة المقدمة: مسرحٌ لا تُغلق ستائره
«مَرْفَأُ الطَّيْف» ليست مسرحيةً عن اليمن. اليمن أكبر من مسرح. إنها مسرحية عن اللحظة التي يقرّر فيها إنسانٌ أن لا يصدّق. عن قوة هذه اللحظة، وعن خوف الذين يعرفون أن هذه اللحظة قادمة. ولهذا، ستُرفع الستارة، لأنها لم تُغلق يومًا. لأن الطيف — أي احتلال غير معلن — لا يمكن أن يُطرد بالبيانات، ولا بالاجتماعات، ولا بالشاشات. يُطرد فقط حين يقرر الناس أنهم نحن البحر.
السِّتَار لا يُغلق. الحبر لم يجفّ. الغناء لا يتوقف.
………..
تقديم
هذه مسرحية لا تُقام على خشبة، بل على خريطة. الخريطة معلّقة في منتصف المسرح، عليها ثقوب كثيرة، كل ثقب مكانٌ سُرق. وحين يُرفع الستار، يكون المرفأ قد نسي اسمه، ويكون البحر قد نسي ملحه، ويكون الناس قد نسيوا أنهم كانوا يتكلمون.
كل ما في هذه المسرحية حقيقي، إلا الأشخاص. أما الأشخاص فحقيقيون أكثر.
الشَّخْصِيَّات
سَعِيد — مهرّج البلد، يُلقّب «لسانَ الناس». يلبس ثوبًا مرقّعًا من أعلامٍ صغيرة. مَعَالِي الوالي عَبْد الحَقّ — والٍ مؤقّت، مقيم في فندق، لا يظهر إلا على شاشة. الكولونيل هَارِيس — الملقّب «أبو الرِّيال». ضابط أجنبي، له ظِلٌّ لا يتبعه. الشَّيْخ دِرْهَم — مفتي البترول. يحمل كرسيًّا حيثما ذهب. عَنْتَر — مرتزق. يقتل بالقدر الذي يشفيه. أُمّ سَالِم — أمٌّ ثكلى. تقود الجوقة. نُجُوم — فتاة ترى ما لا يُرى. عمرها اثنتا عشرة سنة تقريبًا، ولا تُقنع أحدًا. جَدّ نُجُوم — غوّاص ميت. يظهر مغطّى بالزيت، ويقطر منه النفط حيث وقف. السَّيِّدَة الأولى — لندن. السَّيِّدَة الثَّانِيَة — واشنطن. السَّيِّدَة الثَّالِثَة — الرياض. المُحَاسِب — رجل يحمل دفترًا ينزف. الظِّلّ — ظلّ الكولونيل. الجَوْقَة — أمهات، شباب، عجائز، أطفال، وبحّارة عاطلون. الرَّاوِي
(المسرح مفتوح على ثلاثة أماكن في الوقت نفسه: المرفأ، والفندق، والخريطة المعلّقة. الستائر خفيفة، والانتقال بين الأماكن لا يحتاج إلى ظلام، بل إلى نُعاس. وفي الخلفية دائمًا: صوت البحر، كأنه يتنفّس من فم مكسور.)
الفصل الأول
«البيان الذي لم يُكتب»
المشهد الأول
(المرفأ. صناديق فارغة. حبال مقطوعة. لافتة كبيرة مكتوب عليها بالفرنسية والإنجليزية: PORT — والكلمة العربية تحتها ممسوحة. يجلس سعيد على صندوق، ويقلّد صوت المذياع. الجوقة تدخل ببطء، كأنها تبحث عن شيء ضائع في جيوبها.)
سَعِيد (إلى الجمهور، مبتسمًا ابتسامة من لا شيء عنده ليخسره):
سيدي، سيدتي، لا تحتاجون إلى بيان رسمي. البيان هنا، في الهواء. تنشّقوه. رائحة الكيروسين، ورائحة الفواتير، ورائحة عطرٍ قادمٍ من فندقٍ بعيد. هذا ليس احتلالًا، أرجوكم. هذا وجود ودّي. الفرق بين الاحتلال والوجود الودّي: الاحتلال يأخذ أرضك. الوجود الودّي يأخذها بالفائدة. الاحتلال يسلب ثروتك. الوجود الودّي يستثمرها لك — في حساباتٍ لا تُقرأ. الاحتلال يعلن نفسه. الوجود الودّي يتصل بك عبر وسيط، ويقول: أرجوك، لا تذكر اسمي أمام الناس.
الجَوْقَة (بصوت واحد، كأنهم يستذكرون درسًا):
ولا أحد يعترف.
سَعِيد:
ولا أحد يعترف. حتى البحر، سيدي، لم يعترف. سألته هذا الصباح: مَن يسكن مرفأك؟ قال: لا أعرف. أنا مؤجَّر.
(يضحك وحده. لا يضحك أحد. هذا هو التعريف الدقيق للكوميديا في هذا البلد.)
سَعِيد (يقلّد مذيعًا رسميًّا):
«تواصلت جهودُ التحالف لتعزيز الأمن في المرفأ.» التحالف: كلمة ثلاثية الأبعاد. تسمعها فترى غيمة، ثم تراها سحابة دخان، ثم تراها رجلًا يخرج من سيارته بلا وجه. «دعم الشرعية.» الشرعية: الشرعية ليست امرأة حسناء، يا سادة، لكنها بالتأكيد ليست هنا. «التنسيق.» التنسيق: أن ينسّق لك أحدهم — بالنيابة عنك — كيف تُوزَّع ثروتك. «مكافحة الإرهاب.» الإرهاب: كل من يقول لا. «استعادة الدولة.» استعادة الدولة: أن تُستعاد الدولة إلى جيبٍ ما، ونحن نبحث عن الجيب منذ سنوات.
(يدخل المُحاسِب، حاملًا دفترًا كبيرًا. ينزف الدفتر من جانبه. لا يلاحظه أحد إلا نجوم، الطفلة، التي تقف على الحافة منذ قليل.)
المشهد الثاني
(الفندق. سهرة راقية. ثريات. ورد. كؤوس لا يعرف أحد ما فيها، لأنها مقلوبة. الوالي يظهر على شاشة في منتصف الغرفة، بحجم كبير. صوته مكبّر أكثر من جسده، وجسده غير موجود.)
مَعَالِي الوالي (عبر الشاشة، بصوت عذب):
أيها الشعب العظيم، نحن معكم. نحن دائمًا معكم. ونحن الآن نُجري مشاورات مهمة وبنّاءة ومعمّقة في العاصمة الشقيقة، ولن نعود إلا بعد أن يتحقق النصر، أو يبرد الجو. أيهما أقرب.
سَعِيد (من زاوية المسرح، يهمس إلى الجمهور):
انظر إليه. يبتسم. ابتسامته مضمونة بضمان دولي. كم يساوي هذا الابتسام؟ لا نعرف. لكننا ندفع ثمنه كل يوم. أتعرفون لماذا لا يعود إلى البلد؟ لأنه لا يستطيع البقاء فيها ساعتين. لا لأن البلد غير آمن. بل لأن البلد، منذ أن رآه، لم يعد آمنًا عليه.
(يضحك. لا يضحك أحد. لكن هذه المرة، واحدة من الجوقة تبتسم بزاوية فمها.)
مَعَالِي الوالي:
وقد أبلغتُ الإخوة في التحالف بضرورة رفع المعاناة عن أبناء الشعب، وأن يكون هذا أولوية مطلقة. ونحن نواصل العمل على ذلك. قريبًا. قريبًا جدًّا. وعلى مقربة. على مرأى منكم.
(تطفأ الشاشة. للوهلة الأولى فقط. ثم تضيء على وجهٍ آخر، مبتسم بالطريقة ذاتها — لكنه شخص آخر، بذات الشكل، بذات الاسم. الوالي الثاني. الوالي الثالث. الوالي الرابع. خمسة، ستة، سبعة ولاة. ثم يعود المشهد كما كان، ولا أحد من الجوقة لاحظ.)
نُجُوم (بصوت هامس، لا يسمعه إلا القريب):
أكثر من واحد. له سبعة أجساد. لكنه لا يملك جسدًا واحدًا.
المشهد الثالث
(أمام الخريطة المعلّقة. ثلاث سيدات ينزلن من الخلف، بثياب أنيقة جدًّا. يحملن مسطرة، وقلمًا أحمر، ومقصًّا. يمزحن ويضحكن كما تضحك النساء في صالونات التجميل.)
السَّيِّدَة الأولى (لندن):
عزيزتي، ما أحلى هذه الخريطة. من رسمها؟ أتظنّ أنها مرسومة بالحبر؟
السَّيِّدَة الثَّانِيَة (واشنطن):
لا. مرسومة بالدم، ثم جفّفوه بالنار. والآن، حان وقت القسمة.
السَّيِّدَة الثَّالِثَة (الرياض):
أنا اقترحت هذه الطبعة من التقسيم، وأريد أن أُذكّر بأن لي سهماً في كل قسمة.
السَّيِّدَة الأولى:
سهمك محفوظ. وحسابك في بنكنا محفوظ أكثر.
(يضحكن. يفتحن المقصّ. يقسّمن الخريطة إلى شرائح رقيقة. كل شريحة يكتبن عليها اسمًا.)
السَّيِّدَة الأولى:
هذا الساحل لك. وهذا الميناء لي. وهذا النفط لشركةٍ لا نعرف جنسيتها. وهذه الجزر: حديقة صغيرة، نضع فيها طائرات.
السَّيِّدَة الثَّانِيَة:
وهؤلاء الناس؟
السَّيِّدَة الأولى:
أيُّ ناس؟
السَّيِّدَة الثَّالِثَة:
الذين على الخريطة. ألستِ ترينهم؟
السَّيِّدَة الأولى (بهدوء، وهي تقصّ شريحة):
عزيزتي، هؤلاء لا يُرسمون. هؤلاء يُلَوَّنون بالأسود، ثم يقولون عنهم: «مشهد إنساني مأساوي». ثم نبيع الأخبار عنهم. ثم نبيع السلاح إليهم. ثم نبيعهم الحلَّ نفسه. هذا يسمى: الاقتصاد الدائري.
(يضحكن أكثر. وفي الخلفية، صوت أمّ سالم يعلو من بعيد، غاضبًا كصوت البحر.)
المشهد الرابع
(المرفأ. يدخل الكولونيل هاريس. يرتدي نظارة شمسية، ووجهه لا يُرى كاملًا. يتبعه ظِلُّه. يمشي، فيمشي الظل في الاتجاه المعاكس. الجميع يرون ذلك. لا أحد يعلّق.)
الكُولُونِيل (يلقي كلامه بصوتٍ هادئ، كأنه يقرأ نشرة جوّية):
مساء الخير. نحن لا نحتلّ. نحن نُهيّئ البيئة. البيئة غير المستقرة تحتاج إلى حاضنة. ونحن الحاضنة. ومَن يحترض على الحاضنة، فهو غير جدير بالحاضنة. ولذلك، من الآن، المرفأ يُدار بقرار فنّي. والفنّي يعني ليس لكم.
سَعِيد (يقدّم نفسه، بمسخرة):
سيدي الكولونيل، سعيد. لسان البلد. أريد أن أسأل: ما تعريفك للاحتلال؟
الكُولُونِيل:
الاحتلال، يا سعيد، إجراء متخلّف من القرن التاسع عشر. في القرن الحادي والعشرين، نحن نسميه: عملية دعم استقرار طويلة الأمد. نفس النتيجة. لكن الأوراق أنظف.
سَعِيد:
والأوراق النظيفة... يكتبها مَن؟
الكُولُونِيل (بابتسامة):
مَن يريد أن يقرأها.
(يخرج. يبقى ظِلُّه قليلًا في المسرح، ينظر إلى الجمهور، يهزّ رأسه، ثم يلحق به.)
المشهد الخامس
(يدخل الشيخ درهم، يحمل كرسيًّا، يضعه في منتصف المسرح، ويجلس. خلفه لافتة: «الفتوى للجميع، والصبر للمواطنين فقط».)
الشَّيْخ دِرْهَم:
يا جماعة، ما هذه الضجّة؟ البلد يُحتل، ويُسرق، ويُقسَّم، ثم تسألون: أين الثروة؟ الثروة عند الله. أما أنتم، فعليكم بالصبر. والصبر مفتاح الفرج. والصبر يعني: أن ترى الميناء يُبَاع من تحتك، ولا تتكلم. لأن الكلام فتنة. والفتنة أشد من القتل. فلذلك: مَن يقتل، ليس فتنة. ومَن يتكلم، فتنة. قيسوا على ذلك.
أُمّ سَالِم (من الجوقة، بصوت حادّ):
يا شيخ، وأولادي؟ مَن يعوّض أولادي؟
الشَّيْخ دِرْهَم:
أولادك شهداء. والشهداء عند الله. وهذه مكرمة لا تُشترى بالمال. أما المال، فاتركيه لمَن يعرف كيف يدير المال. والمَالُ لا يُوضع في يدين مبتدئتين. المال أمانة، والأمانة تحتاج إلى خبرة. والخبرة عندنا. وعند الحلفاء. وعند أهل الثقة. أما أنتِ، أم سالم، فعليك أن تُصلّي. وأن تُكثر من الدعاء. وبعد الدعاء، أن تُصمت.
(أم سالم تنظر إليه. طويلًا. ثم تبصق على الأرض. ثم تمشي. الجوقة تتبعها.)
الشَّيْخ دِرْهَم (لنفسه، يمسح كرسيه):
الناس لا يفهمون. كل نبيّ في بدايته، يُقابَل بهذا.
المشهد السادس
(المرفأ ليلًا. نجوم وحدها. تسمع شيئًا. تلتفت. يخرج من الماء جدّها، مغطّى بالزيت، ويقطر منه النفط. جسده كأنه خريطة مصغّرة. يقف، وينظر إليها. لا يمسّها.)
نُجُوم (لا تخاف):
جدّي.
جَدّ نُجُوم:
نُجُوم.
نُجُوم:
متى تعود؟
جَدّ نُجُوم:
لن أعود. أنا الآن مادة أولية. أنا الآن رقم في نشرة اقتصادية. أنا الآن بند في اتفاقية. أنا الآن سبب في مؤتمر صحفي. لكنني، يا نجوم، لستُ بعد إنسانًا. هل فهمتِ؟
نُجُوم:
فهمتُ. لكنني لا أستطيع أن أشرحه لأحد.
جَدّ نُجُوم:
لا تشرحي. غَنّي. الغناء لا يحتاج إلى شرح. وهم يكرهون الأغاني لأنها لا تُلخَّص في بيان. لذلك، يا نجوم، غَنّي بلا توقّف. وحين يعتقلونك، غنّي. وحين يدفنونك، غنّي. وحين ينسونك، غنّي. الغناء هو الطريقة الوحيدة التي لا يمكن أن يُلغيها اجتماع.
(يغوص. يبقى على سطح الماء رقعة زيت سوداء تشبه خريطة.)
نُجُوم *(وحدها، ترفع صوتها):
قال البحر: أنا ذاكرتي. قال الزيت: أنا ذاكرتك الأخرى. قال الميناء: أنا فمي. فمن يأكل، ومن يُؤكل؟
(تسقط الستارة)
---
الفصل الثاني
«مطرٌ من أوراقٍ نقدية»
المشهد الأول
(المسرح كله مظلم. ثم ينزل من السقف مطر. لكنه ليس مطرًا. أوراق نقدية. تتساقط ببطء، وكأنها ندى. الناس يفرحون. الأطفال يقفزون. حتى الجوقة تصرخ من الفرح. سعيد يقف وحدها، ويراقب.)
الجَوْقَة:
مال! مال! انظر، السماء تُنزل رزقها! هذا دعم. هذا منحة. هذا إغاثة. انظروا كم نحن محبوبون!
(تسقط ورقة في يد سعيد. يقرؤها.)
سَعِيد (بهدوء):
على كل ورقة اسم الجهة المانحة. ورقم حسابها. والفائدة. والمدة. وهذا ليس مالًا، يا سادة. هذا تقرير عن مال. الفرق: المال يأتي، التقرير يروح.
(تنزل ورقة أخيرة. تقع في منتصف المسرح. تنفجر، ويتحوّل ما كان في الهواء إلى رماد. تصرخ الجوقة. ينزل الرماد على رؤوسهم.)
نُجُوم (تلتقط قطعة رماد، وتفتحها):
مكتوب: «شروط الحصول على الدفعة الثانية». الشرط الأول: إسكات الاعتراض. الشرط الثاني: التزام الحسن السلوك. الشرط الثالث: عدم المطالبة بالسيادة.
سَعِيد:
لا تقلقي، يا نجوم. لن يقرأ أحد الشروط. الناس تحب الهدية، وتكره الكفالة.
المشهد الثاني
(الفندق. الوالي يجتمع بسبعة ولاة آخرين على شاشات متعدّدة. كل شاشة تحمل صورة الوالي. كل الواليين يتكلمون في الوقت نفسه. لكن صوتًا واحدًا مسموعًا.)
الوالي:
إخواني، يجب أن نُصدر بيانًا. الوضع يتدهور. المرفأ صار مَوضع نقاش.
الوالي الثاني:
ما معنى «موضع نقاش»؟
الوالي:
معناه أن الصفقة تتعطل.
الوالي الثالث:
الصفقة تُعطِّل نفسها إذا تحدث الناس.
الوالي الرابع:
إذًا، لنُصدر بيانًا لا يُقرأ.
الوالي الخامس:
كيف لا يُقرأ؟
الوالي السادس:
يُنشر في صحيفة تُوزّع في بلد آخر.
الوالي السابع (وقد ظهر متأخرًا، يبدو أنه أصغرهم وأكثرهم حياءً):
أو نُعلّقه على موقع إلكتروني، مع صورة زهور. الزهور تُخْفي.
الوالي:
اتفاق. بيان بلا معنى. صورة زهور. موضوع مغلق.
(يضحكون. ثم تُطفأ كل الشاشات إلا واحدة. تبقى الشاشة الأخيرة مضاءة، يظهر فيها وجه رجل يبكي. ثم تُطفأ هي أيضًا.)
المشهد الثالث
(الجوقة. أم سالم في المقدمة. تعقد اجتماعًا للنساء. سعيد يقدم لهنّ ماءً.)
أُمّ سَالِم:
اسمعوني. نحن نأتي إلى هذه الساحة كل جمعة. نرفع الشعارات. ثم نعود إلى بيوتنا. ثم نجد أن شيئًا قد سُرق، ونحن نرفع الشعارات. هذا ترفيه، يا بنات. هذا مهرجان للاحتجاج، مصمَّم ليجعل الاحتجاج آمنًا. الاحتجاج الذي لا يزعج لا يُسمّى احتجاجًا. يُسمّى سياحة.
امرأة من الجوقة:
فماذا نفعل؟
أُمّ سَالِم:
نفعل ما لا يتوقّعونه. نأخذ الدفتر.
سَعِيد (يقفز):
أي دفتر؟
أُمّ سَالِم:
دفتر المُحاسِب. الرجل الذي يمشي في المرفأ، ولا يُلقي السلام على أحد. والدفتر ينزف. كل صفحة فيه = سفينة. كل بند فيه = منجم. كل توقيع فيه = اسم بلا وجه.
نُجُوم:
أنا رأيته. رأيته في المرفأ، يكتب، والدفتر ينزف على الأرض. وسأله الناس: ما هذا؟ قال: هذا تاريخ.
المشهد الرابع
(الخريطة. السيدات الثلاث يعقدن «مؤتمرًا صحفيًّا»، يتركن فيه كأسًا، ويقفن للتصوير. لكن الميكروفون يشتغل قبل الأوان.)
السَّيِّدَة الأولى (والميكروفون مفتوح، وهي لا تدري):
عزيزتي، خطة «فرّق تسد» نجحت بأعجوبة.
السَّيِّدَة الثَّانِيَة:
فعلاً. قسّمناهم إلى ثلاث فرق، وأعطيناهم نفس الاسم، ونفس العلم، ونفس الشعار. وهم الآن يقتلون بعضهم بسبب الاسم نفسه.
السَّيِّدَة الثَّالِثَة:
وأنا قلت للمشايخ عندنا: الفتوى تُوزَّع مثل الخبز. فُتْيَا لمن يقاتل معنا. وفُتْيَا لمن لا يقاتل معهم. والباقي: فتنة.
السَّيِّدَة الأولى:
أحسنتِ. الزيت يُصَفَّى بمُبَارَكَةٍ شرعية. هذا يسمّى: تقسيم العمل.
(يسمع صوت «كليك». الميكروفون كان مفتوحًا. الجميع ينظرون. السيدات ينظرن إلى الجمهور. ابتسامة واحدة. ثم يخرجن بهدوء.)
المشهد الخامس
(الملعب. عنتر، المرتزق، يجلس على الأرض. معه بندقية. أمامه صورة أمه. يحدّث نفسه.)
عَنْتَر:
أمي، أتُراني مجرمًا؟ أنا لم أختر. أنا كنتُ سائقًا. ثم جاءت الحرب، فاختارتني. ثم جاء الراتب، فثبّتني. ثم جاءت الفتوى، فباركتني. أنا منتجٌ لسلسلة. الصناعة كلها اسمها: الطرف الآخر. وأنا الطرف الآخر، لكني أقف في الطرف الأول. هذه مسألة توزيع.
(يدخل سعيد. يقف بعيدًا.)
سَعِيد:
عنتر.
عَنْتَر:
سعيد.
سَعِيد:
ما رأيك أن نُوقف هذا؟
عَنْتَر:
لا أستطيع. لو أوقفت، سيقتلني رفاقي. وإن واصلت، سيقتلني إخواني. أنا مقتول على الطريقتين. الفرق أن رفاقي يدفعون قبل القتل. وإخواني يدفعون بعد.
سَعِيد:
هذه أعظم حكمة سمعتها اليوم.
عَنْتَر:
هذا لأني كنتُ في المدرسة.
المشهد السادس
(الخريطة. الجوقة تدخل حاملة المصابيح. تعتصم حول الخريطة. الشيخ درهم يدخل، وحده، يحمل كرسيه. يجد مكانه مشغولًا. يقف. يتأفّف.)
الشَّيْخ دِرْهَم:
احتكام إلى الفوضى.
أُمّ سَالِم:
لا. احتكام إلى الدفتر.
الشَّيْخ دِرْهَم:
ما هذا الدفتر؟
المُحَاسِب (يظهر، حاملًا الدفتر، للمرة الأولى في المسرح، ويتحدث إلى الجميع لا إلى الشيخ):
هذا الدفتر ليس دفترًا. هذا كتاب. وفيه فصل اسمه: مضيق. وفيه فصل اسمه: جزيرة. وفيه فصل اسمه: جبل. وفيه فصل اسمه: ناس. الفصل الأخير لا يُقرأ. لأن حبره لم يجفّ بعد.
(ينظر الشيخ إلى الدفتر، ثم إلى الجوقة، ثم إلى كرسيه، ثم إلى الجمهور. يتراجع خطوة. ثم يهمس):
الشَّيْخ دِرْهَم:
هذه مؤامرة.
(يخرج. الكرسي يبقى في منتصف المسرح.)
(تسقط الستارة)
---
الفصل الثالث
«الذي كان ميتًا ولا يعلم»
المشهد الأول
(الفندق. الوالي يستيقظ من نومه على كرسي في اللوبي. ينظر إلى يديه. يده شفافة. ينظر إلى المرآة. لا يجد إلا الشاشة. يبدأ بالصراخ. لا صوت.)
الوالي (وقد نسخ صوته على الشاشة، كأنه ملف قديم):
أنا... موجود؟
(تظهر الشاشة. هو نفسه، مبتسمًا، يجيب):
الشاشة:
نعم، أنت موجود.
الوالي:
إذًا، لماذا لا أشعر بيدي؟
الشاشة:
لأن يدك موقَّعة على أوراق كثيرة.
الوالي:
متى ماتتُ؟
الشاشة:
في أول بيان أصدرتَه. لم يلاحظ أحد. كان البيان جميلًا جدًّا. والبيان الجميل يُخفي كل شيء، حتى موت صاحبه.
الوالي:
ومن الآن يحكم؟
الشاشة:
الأرقام. ورقمك، سيدي، رقم قديم. صار في الأرشيف. والأرشيف لا يتكلم، ولا يشتكي، ولا يشرب القهوة في اللوبي.
الوالي (يجلس، بهدوء، ويبدأ بالضحك):
إذًا، أنا حرّ.
الشاشة:
لا. أنت عالق في السجل. والفرق بين الحرّ والعالق في السجل: لا أحد يعرف أنك حرّ.
المشهد الثاني
(الملعب. عنتر وأخوه سيف. لم نرَ سيفًا قبل الآن. يشبهان بعضهما كثيرًا. كل واحد يحمل بندقية. الوجهة: اليمين واليسار.)
سَيْف:
عنتر.
عَنْتَر:
سيف.
سَيْف:
من أي جهة أنت؟
عَنْتَر:
أنا من الجهة التي تعطيني راتبًا. وأنت؟
سَيْف:
أنا من الجهة التي تسمّي الراتب رشوة.
عَنْتَر:
إذًا، نحن مختلفان.
سَيْف:
لا. نحن متشابهان، والاسم فقط مختلف.
(يضحكان معًا. يبكيان معًا. يرفعان البنادق معًا، كل واحد إلى الجهة الأخرى. لا يُطلقان. يبقى المشهد معلّقًا. في الخلفية، نجوم تغني.)
نُجُوم (تغني):
الأخُ أخذ النصفَ الأيمن. الأخُ أخذ النصفَ الأيسر. والأمُّ تُصلّي في الوسط. في الوسط، لا يوجد سوى رصاص.
المشهد الثالث
(الخريطة. السيدات الثلاث يلعبن لعبة ورق. على الطاولة خريطة صغيرة، ومعها زجاجة زيت، ومعها قلم أحمر.)
السَّيِّدَة الأولى:
من الآن، قاعدة مهمة: الشرق إلى الشرق. الغرب إلى الغرب. الجنوب مؤجَّل.
السَّيِّدَة الثَّانِيَة:
ما معنى «مؤجَّل»؟
السَّيِّدَة الأولى:
معناه: «سيبقى كما هو، إلا أن ثرواته ستُدار من عندنا، وهذا كافٍ».
السَّيِّدَة الثَّالِثَة:
والفتاوى؟
السَّيِّدَة الأولى:
الفتاوى تُصنع من ثلاث مواد: إحداها خوف. والثانية جوع. والثالثة شاشة. اخلطيهنّ على نار هادئة. يُخرج لك مجتمعًا كاملًا لا يحتاج إلى سجون.
السَّيِّدَة الثَّانِيَة:
هذا أفضل منتج صنعناه منذ اختراع الخريطة.
(الميكروفون يشتغل مرة أخرى. ليس هناك ميكروفون. بل نجوم تغني من تحت الطاولة. تنظر السيدات. تنظر نجوم. تبتسم.)
نُجُوم (من تحت الطاولة):
أنا لن أتوقف.
السَّيِّدَة الأولى:
من هذه؟
السَّيِّدَة الثَّالِثَة:
مغنّية.
السَّيِّدَة الأولى:
ما العمل مع المغنّين؟
السَّيِّدَة الثَّالِثَة:
لا شيء. لا أحد يسمعهم. إلا إذا موتوا. عندها، تصير الأغنية خريطة.
المشهد الرابع
(المرفأ. عنتر يمشي. يمر بمجموعة من الأطفال يلعبون. أحدهم يحمل عصا كأنها بندقية. يصوّبها إلى عنتر. يقول: «رامي!». عنتر يتوقف.)
طِفْل:
أنت من ناحية مَن؟
عَنْتَر (يركع حتى يصير في مستوى الطفل):
أنا من ناحية من يدفع.
طِفْل:
وأنا من ناحية من يستحق.
عَنْتَر:
من علّمك هذا؟
طِفْل:
الشيخ. قال: من يستحق، يصبر. ومن يصبر، يُؤجّر. ومن يُؤجّر، يُدفع له. ومن يُدفع له، يبقى.
عَنْتَر (يضع يده على كتف الطفل):
اسمع. الذي يدفع لك لن يبقى معك. الذي يبقى معك هو الذي لا يدفع. احفظ هذه الجملة. لا تنسها. وحين تكبر، لا تقلها لأحد، إلا لطفلٍ مثلك.
(يخرج. يقف الطفل. يمسح عينه. ثم يرمي العصا. تبقى العصا في المسرح حتى النهاية.)
المشهد الخامس
(الخريطة. الجوقة تجلس على الأرض. سعيد يقف على كرسي الشيخ. يلبس عمامته. يقلّده.)
سَعِيد (بلسان الشيخ):
أيها الناس. الثروة أمانة. ونحن الأمناء. والمرفأ حق عام. ونحن الجمهور. والنفط ملك الشعب. ونحن الشعب. والسيادة خط أحمر. ونحن الحبر. والاحتلال مرفوض. ونحن نرفضه بالبيانات. أما الفعل، فليس من اختصاصنا. نحن مؤسسة.
(الجوقة تضحك. ثم تبكي. ثم تضحك مرة أخرى. ثم واحدة من الجوقة تنهض، تأخذ العمامة، تضعها على الكرسي، وتخرج. ثم تتبعها الأخريات واحدة واحدة. يبقى سعيد وحده، حاملًا عمامة، على كرسي فارغ.)
سَعِيد (للجمهور):
القاعدة الأولى في المسرح: الكرسيّ لا يمثل السلطة. السلطة تمثل الكرسي. ولذلك، حين ينهض الجميع، لا يبقى في الغرفة إلا خشبة.
(يضع العمامة على الكرسي. يخرج.)
(تسقط الستارة)
---
الفصل الرابع
«الظلّ الذي انفصل»
المشهد الأول
(المرفأ. الكولونيل يمشي. ينظر إلى ظله. الظل يتوقف. الكولونيل يتوقف. الظل يمشي. الكولونيل يتبعه. ينعكس الأمر: الظل هو الذي يقود. الجميع يرون. لا أحد يستطيع أن يفعل شيئًا. حتى الكولونيل نفسه.)
الكُولُونِيل (بهدوء، كمن يتحدث إلى نفسه):
تعال.
الظِّلّ:
لا.
الكُولُونِيل:
أنا آمرك.
الظِّلّ:
مَن قال إنك آمر؟
الكُولُونِيل:
أنا صاحب الجسد.
الظِّلّ:
أنت صاحب الأوامر. أنا صاحب الأفعال. والأفعال، يا سيدي، أطول عمرًا من الأوامر. كل ما فعلتَه باسم أحد، سيبقى باسمك. أنا الذي بقيتُ. أنت الذي زال.
الكُولُونِيل (يجلس على الأرض):
إذًا، أنا عالق.
الظِّلّ:
لا. أنت مسجَّل. والمسجَّل لا يعلق. المسجَّل يُقرأ.
(الظل يمشي. الكولونيل يقف، يتبع. المسرح يتحول.)
المشهد الثاني
(المرفأ. الجوقة. نجوم في الوسط. المحاسب بجانبها. الدفتر في يدها.)
نُجُوم (تفتح الدفتر على المسرح. تقرأ بصوت عالٍ):
«بند أول: الميناء، بتاريخ كذا، باسم كذا، مقابل كذا. بند ثانٍ: الطريق، بتاريخ كذا، باسم كذا، مقابل كذا. بند ثالث: الجبل، بتاريخ كذا، باسم كذا، مقابل كذا. بند رابع: الشعب، بتاريخ لا يُذكر، باسم لا يُكتب، مقابل لا شيء.»
(تصمت. الجوقة تصمت. حتى البحر يصمت.)
أُمّ سَالِم:
الذي دفع، مَن هو؟
المُحَاسِب:
الدفتر لا يذكر الأسماء الحقيقية. الدفتر يذكر الحسابات. الأسماء تُذكر في الخطب، لا في الدفاتر. هذه هي القاعدة الأولى في هذه المهنة.
سَعِيد:
إذًا، لن نعرف.
المُحَاسِب:
تعرفون. لكن لا تُطالبون. والمطالبة، في هذه الحالة، تُسمّى تعطيلًا. والتعطيل يُسمّى إرهابًا. والإرهاب يُسمّى حربًا. والحرب تُسمّى ظرفًا استثنائيًّا. والظرف الاستثنائي يُسمّى فرصة. والفرصة، يا سيدي، نحن نستغلها بالنيابة عنكم.
(يغلق الدفتر. يبقى صوته في الهواء، مفتوحًا، كأن الدفتر لم يُغلق.)
المشهد الثالث
(الفندق. الواليّون السبعة في غرفة واحدة. يتشاجرون. لأول مرة نراهم يتشاجرون، وجسمهم واحد، لكن الأصوات سبعة.)
الوالي الأول:
أنا أعلنتُ البيان.
الوالي الثاني:
أنا وقّعتُ البيان.
الوالي الثالث:
أنا الذي لم أُعلن، وهذا أفضل.
الوالي الرابع:
أنا لم أوقّع، وهذا أفضل وأفضل.
الوالي الخامس:
أيها الإخوة، هذا لا يهمّ. لا أحد يقرأ البيان.
الوالي السادس:
إذًا، لماذا نكتب؟
الوالي السابع:
لتُقرأ.
الوالي الأول:
مَن يقرأها؟
الوالي السابع:
الذي سيحاسبنا.
(صمت.)
الوالي الأول:
متى؟
الوالي السابع:
بعد أن نُسلّم المفتاح. أو بعد أن ننسى أنه كان لنا مفتاح.
(تظهر الشاشة الكبيرة. عليها وجه الطفلة نجوم، تغني. لا صوت. الصورة فقط.)
الوالي الثالث:
من هذه؟
الوالي السادس:
الفتاة.
الوالي الثالث:
أيّ فتاة؟
الوالي السادس:
التي غَنّت.
الوالي الثالث:
ماذا نفعل بها؟
الوالي السادس:
لا شيء. لا أحد يسمعها. إلا نحن. ولهذا نحن خائفون.
المشهد الرابع
(الملعب. عنتر وسيف. للمرة الأخيرة. يرفعان البنادق. ثم يرميانها. يجلسان على الأرض. يضعان رأسيهما على بعضهما. يغنيان أغنية أمهما.)
عَنْتَر وسَيْف (معًا):
يا أمَّنا، من رتّب الأرض؟ من وزّع الأسماء؟ من كتب الخبر؟ من باع الخبر؟ من صوّر الخبر؟ من صدّق الخبر؟
(يتوقفان. ينظر أحدهما إلى الآخر.)
سَيْف:
إذًا، لن نُقاتل.
عَنْتَر:
لا.
سَيْف:
هل تظن أن هذا يكفي؟
عَنْتَر:
لا. لكنه أكثر مما كان.
(يدخل الشيخ درهم، يحمل بنفسجًا في يده. يضع البنفسج بين البندقيتين. يرفع يديه. يبتسم. يخرج. الجوقة تراقب، ولا تفهم. نجوم تغني.)
نُجُوم:
ضعْ زهرةً بين البنادق، فيصير الجدارُ نافذةً، وفي النافذة قمرٌ لا يعرف اسم صاحبه.
المشهد الخامس
(المرفأ. الأمطار تعود. لكنها هذه المرة أمطار من ضوء، لا مال. الماء ينزل نقيًّا. الجوقة تتلقّاه على وجوهها. تدخل السيدات الثلاث، بثياب من ورق، تمطر عليهن فيذوب ثيابهنّ.)
السَّيِّدَة الأولى:
ما هذا؟
السَّيِّدَة الثَّانِيَة:
مطر.
السَّيِّدَة الثَّالِثَة:
لم يكن في التقارير.
السَّيِّدَة الأولى:
لا بدّ أن أحدًا أخطأ.
السَّيِّدَة الثَّانِيَة:
لا. أحدهم غنّى.
السَّيِّدَة الثَّالِثَة:
ومن غنّى؟
(كلهم ينظرون إلى نجوم. نجوم تنظر إليهم. تبتسم. ترفع الدفتر. تفتحه. يظهر الدفتر مكتوبًا بأوراق الشجر لا الحبر. أوراق حقيقية. الجوقة تلتقطها، وتحوّلها إلى تيجان.)
(تسقط الستارة)
---
الفصل الخامس
«المرفأ الذي يتكلّم»
المشهد الأول
(المسرح كله خريطة. لكنها مبتلّة. مطر. حبر. كلمات تمشي على الأرض. الكولونيل عالق في الزاوية، مغطّى بالورق. السيدات في الزاوية الأخرى، يفركن أعينهن. الوالي في الشاشة، صغير جدًّا، يكاد لا يُرى. الشيخ في الوسط، جالس على الأرض، وعمامته على الكرسي.)
الرَّاوِي (يدخل، ويمشي بينهم):
وفي اليوم التالي، لم يحدث شيء. وهذا هو الخبر. لأنه في البلدان التي تُحتَلّ بلا إعلان، لا يحدث شيء أبدًا. تحدث أشياء صغيرة، ولا يسمّيها أحد. تُدعى: انفجارًا عرضيًّا. تُدعى: خطأ فنّيًّا. تُدعى: سوء فهم. تُدعى: تصفية حساب. أما الاحتلال، فاسمه ثقيل، ولا يُنطق في النهار. يُنطق في الليل فقط، بين اثنين، ثم يُنكر أحدهما أنه قاله.
(يخرج. الجوقة تجلس في دائرة.)
المشهد الثاني
(المرفأ. نجوم وحدها. تدخل والدتها، تحمل مصباحًا. كبرت. لكنها ما زالت هناك.)
الأم:
نجوم، تعالي. الحرب انتهت. أو أوشكت. وستعود الحياة. تعالي، نُصلح البيت.
نُجُوم:
ماما، الحرب لا تنتهي. الحرب تنتقل. الحرب تنتقل من الميدان إلى الدفتر. من الدفتر إلى التقرير. من التقرير إلى الخريطة. من الخريطة إلى الطفل الصغير. الحرب لا تنتهي، ماما. الحرب تُؤجَّل.
الأم:
إذًا، ماذا نفعل؟
نُجُوم:
نأخذ الدفتر. ونكتب عليه: «عاد البحر إلى صاحبه».
الأم:
ومن يقرأ؟
نُجُوم:
الذي يسمع الأغنية.
(ترفع نجوم الدفتر. يبدأ البحر يصدر صوتًا. ليس صوت موج، بل صوت كلام. صوت يتكلم. الجوقة تتوقف. تنظر.)
البَحْر (بصوت من الأعماق):
أنا لا أبيع. أنا لا أُشتَرى. أنا ذاكرتي. كل سفينة مرّت، أنا حفظتها. كل غريق غرق، أنا حفظته. كل اسم مُحي، أنا حفظته. لا صكّ يستطيع أن يشتريني، لأنني لا أُمنح. وأنا لا أُمنح، لأنني لست ملكًا. أنا مجاز.
(يصمت.)
سَعِيد (من بين الجوقة):
هل يفهم أحد ما يقول؟
أُمّ سَالِم:
نعم. نحن نفهمه. لأننا نحن البحر.
المشهد الثالث
(الخريطة. الجوقة ترفع أيديهم. تأخذ كلّ واحد منهم ورقة من الدفتر. يقرأ ورقة. ثم يمشي إلى مكانه الأصلي، ويقف على شاطئ. الخريطة تنقسم في أيديهم إلى مشاهد حقيقية، لا شرائح: بيت، سوق، مدرسة، مرفأ.)
المُحَاسِب (يقف في الوسط، دون دفتر. في يديه فراغ):
أنا لم أعد أحتاج الدفتر. سأكتب على الرمل. الرمل لا يَظهر في التقارير. الرمل لا يُصدّر. الرمل لا يُمنح. الرمل لا يُصلَب عليه. الرمل يكتب، ثم ينسى، ثم يُعيد. وهذه هي المرة الوحيدة التي فيها النسيان أخفّ من الذاكرة.
(يمشي. يبقى الرمل في المسرح. يخطّ عليه اسمًا صغيرًا. ثم يمحى.)
المشهد الرابع
(الفندق. الوالي في الشاشة. الشاشة تنطفئ. ثم تشتعل من جديد. لكن فيها الآن صورة الجمهور نفسه. ينظر الوالي إلى نفسه في الجمهور. لا يفهم. يقترب. يمدّ يده. يمسّ الشاشة. تُكسر.)
الوالي (يخرج من الشاشة، لأول مرة في المسرحية، ويدخل المسرح، ويقف أمام الجمهور، على حافة الخشبة):
أنا. عبد الحق. الوالي المؤقت. أنا الذي وُقّعت على يدي. أنا الذي أكلتُ باسم الشعب. أنا الذي صلّى في فندق. أنا الذي رأى النفط في التلفاز. وأنا الذي لم أرَ اليمن. لم أرَ اليمن، لأنني كنتُ في البيان. البيان كان طويلًا. البيان كان جميلًا. البيان كان يُخفي اليمن.
(يتوقف. ينظر إلى يديه. يبكي. ثم يبتسم.)
الوالي:
لكن هناك شيء واحد لم يستطع البيان أن يُخفيه. شيء واحد. أنا لا أعرف ما هو. لكنه هناك. أراكم.
(يشير إلى الجمهور. يقف. يتقدّم خطوة. ثم يجلس على الأرض، بين الناس، مثل واحد منهم. لا أحد يلتفت إليه. لأنه لم يعد مهمًّا. وهذه أول مرة في المسرحية التي فيها الوالي ليس ضروريًّا.)
المشهد الخامس — الختام
(الخريطة تُطوى. يبقى على المسرح: رمل، وكرسي فارغ، وعصا طفل، وبندقية، ودفتر مغلق ينزف قليلًا، وبحر في الخلفية لا صوت له، بل نَفَسٌ. الجوقة تدخل، تحمل شتلات صغيرة، وتغرسها في الرمل.)
الجَوْقَة (بصوت موزّع، لا صوت واحد):
نحن الذين دفعوا. نحن الذين سكتوا. نحن الذين احتجّوا، فلم يُسمعوا. نحن الذين صرخوا، فاعتُذروا عنهم. نحن الذين قُتِلوا، فصدر عنهم بيان. نحن الذين بقوا. ولأننا بقينا، فالدفتر لم يُغلق.
نُجُوم (تتقدّم، بيدها شتلة صغيرة. تغني):
سيأتي يومٌ لا يعرف فيه أحدٌ اسمي، وسيكون ذلك أولَ يومٍ حقيقيّ لي، لأنني لن أكون كلمة في بيان، بل صوتًا في شجرة.
سَعِيد (يقف في مقدمة المسرح، للمرة الأخيرة، وقد نزع ثوب المرقّع، وبقي بثوب أبيض):
سيدي، سيدتي. هذه لم تكن مسرحية عن الاحتلال. لأن الاحتلال غير معلن. وهذه لم تكن مسرحية عن الخيانة. لأن الخيانة معلنة، لكنها تسمّي نفسها غير ذلك. وهذه لم تكن مسرحية عن اليمن. لأن اليمن أكبر من مسرح. هذه كانت مسرحية عن شيء واحد فقط: عن اللحظة التي يقرّر فيها إنسانٌ أن لا يصدّق، وعن قوة هذه اللحظة، وعن خوف الذين يعرفون، أن هذه اللحظة قادمة.
(يصمت قليلًا.)
سَعِيد:
ولذلك، ستُرفع الستارة. لأنها لم تُغلق يومًا.
(يرفع الشتلة. الجوقة ترفع الشتلات. البحر يتنفّس. الرمل يتنفّس. الشاشة تنطفئ مرة أخيرة. الظل يبقى وحده في المسرح. ينظر إلى الجمهور. يبتسم. يخرج.)
السِّتَار
…………..
خاتمة صغيرة للقارئ
لم تُكتب هذه المسرحية ليعرف أحدٌ مَن السارق. السارق معروف، والباقي أسماء مستعارة. كُتبت ليعرف القارئ شيئًا آخر: أن الدفتر الذي ينزف لم يكن يومًا ملكًا لأحد. كلّ من كتب فيه سطرًا أضاف إلى حسابه. وكلّ من قرأه، أعاده إلى صاحبه. والدفتر لا يُغلق. لأن الحبر لم يجفّ بعد. وهذا، بالضبط، هو الرجاء الوحيد.
………….
دراسة نقدية مقارنة : «مَرْفَأُ الطَّيْف» في حوارٍ مع المسرح العالمي
………
موقع المسرحية في الخريطة المسرحية العالمية
لا تُكتب المسرحيات في فراغ. كل نصٍّ درامي هو حوارٌ مع نصوصٍ أخرى، حتى وإن لم يعرف كاتبه ذلك. و«مَرْفَأُ الطَّيْف» ليست استثناءً. إنها تنتمي إلى تقليدٍ مسرحيٍّ عالميٍّ عريق يتناول الاحتلال والاستعمار والمقاومة، لكنها تبتكر موقعًا خاصًّا داخله: موقع الاحتلال غير المعلن، الذي لم يُعالَج مسرحيًّا بهذا الشكل من قبل.
تسعى هذه الدراسة إلى مقارنة «مَرْفَأُ الطَّيْف» بأعمالٍ مسرحيةٍ عالميةٍ تتناول موضوعاتٍ مشابهة، من ثلاثة تياراتٍ كبرى: مسرح ما بعد الاستعمار (Aimé Césaire, Wole Soyinka, Ngũgĩ wa Thiong o)، مسرح المضطهدين (Augusto Boal)، والمسرح السريالي والعبثي السياسي (Fernando Arrabal, Harold Pinter). وسنركز على ثلاث نقاطٍ للمقارنة: بنية الصراع، استراتيجيات المقاومة، وعلاقة النص بالجمهور.
أولًا: مسرح ما بعد الاستعمار — من كاليبان إلى نجوم
لا يمكن الحديث عن مسرح الاستعمار والمقاومة دون المرور على «العاصفة» لشكسبير، التي تُعدّ «أول دراميةٍ للعلاقة بين السيد الاستعماري والخادم المستعمر»، من خلال بناء بروسبيرو وكاليبان كقطبين متضادين: الثقافة مقابل الطبيعة، والمتحضر مقابل المتوحش. وقد استلهم جيلٌ كامل من كتّاب ما بعد الاستعمار هذا النص، وحوّلوه إلى استعارةٍ للإمبراطورية، واستعادوا كاليبان وأرييل كـمقاتلين ضد الاستعمار في مواجهة بروسبيرو المستعمر.
أبرز هذه المحاولات مسرحية «عاصفة» لإيميه سيزير (A Tempest)، التي حوّلت نص شكسبير إلى دراسةٍ للعلاقة بين السيد والعبد في السياق الاستعماري، وفكّكت التصور النمطي الذي يصنّف كاليبان كـ«متوحش». والأهم أن سيزير يُظهر الآثار المأساوية للاستعمار على المستعمر نفسه، عبر انهيار بروسبيرو النفسي في نهاية الاقتباس.
في «مَرْفَأُ الطَّيْف»، يظهر هذا الإرث بوضوح. الكولونيل هاريس هو بروسبيرو معاصر: رجلٌ يظنّ أنه يملك الأرض والبحر والناس، ثم يكتشف أن ظله انفصل عنه. يقول له ظله: «أنت صاحب الأوامر. أنا صاحب الأفعال. والأفعال أطول عمرًا من الأوامر». هذا انهيار بروسبيرو نفسه، لكن بصيغةٍ جديدة: ليس انهيارًا نفسيًّا فحسب، بل انهيار في بنية السلطة ذاتها. الكولونيل يبقى، لكنه يبقى عالقًا في السجل، «والمسجَّل لا يعلق. المسجَّل يُقرأ».
الفرق الأساسي بين «مَرْفَأُ الطَّيْف» واقتباسات «العاصفة» هو أن الأخيرة تتعامل مع احتلالٍ معلن — احتلال له اسم، وله وجه، وله بروسبيرو يعترف بأنه سيد الجزيرة. أما «مَرْفَأُ الطَّيْف» فتعالج احتلالًا غير معلن: لا يوجد بروسبيرو، بل سبعة ولاة على سبع شاشات، لا أحد منهم موجود. لا يوجد سيد واحد، بل شبكةٌ من المصالح التي لا وجه لها. هذا التحول من الاستعمار الكلاسيكي إلى الاحتلال غير المعلن هو ما يميز المسرحية، ويجعلها إضافةً نوعية لهذا التقليد.
ثانيًا: مسرح المضطهدين — من «المتفرج-الفاعل» إلى «الجوقة-الفاعلة»
صاغ أوغستو بوال، المخرج المسرحي البرازيلي، مفهوم «مسرح المضطهدين» في سبعينيات القرن العشرين، كـ«تدريبٍ على الثورة»، يقوم على قدرة المشاركين على اختيار المادة ووضعها وتشكيلها وأداء قصص مشكلاتهم واضطهاداتهم. في هذا المسرح، يتحول المتفرج إلى «متفرج-فاعل» (spect-actor)، يشارك في الأداء بدلًا من أن يتلقاه سلبيًّا. هدف بوال كان إنهاء الفصل بين الممثل والجمهور، وجعل المسرح أداةً للتغيير الاجتماعي، وليس مجرد انعكاسٍ للواقع.
في «مَرْفَأُ الطَّيْف»، تتحقق هذه الرؤية بطرقٍ متعددة:
أولًا، الجوقة ليست مجرد مجموعةٍ من الممثلين الثانويين، بل هي فاعل درامي مركزي. أم سالم ليست شخصيةً هامشية، بل هي التي تكتشف الدفتر، وتقود الاعتصام حول الخريطة، وتواجه الشيخ. الجوقة هي التي تُغيّر مسار الحدث، وليس الأبطال الفرديون.
ثانيًا، النص يخلق مساحاتٍ للمشاركة الجمهورية. في الفصل الخامس، يظهر الجمهور نفسه على الشاشة، ويقول الوالي، وقد خرج من الشاشة لأول مرة: «أراكم». هذه اللحظة هي الذروة البوالية: المتفرج لم يعد متلقيًا، بل جزءًا من النص.
ثالثًا، الرمز المركزي — الدفتر الذي ينزف — هو أداة بوالية بامتياز. الدفتر ليس مجرد رمز، بل هو مادة عمل: الجوقة تأخذه، وتقرأه، وتحوّل صفحاته إلى تيجان. الدفتر هو الوثيقة التي تتحول إلى فعل مسرحي.
لكن الفرق بين بوال و«مَرْفَأُ الطَّيْف» هو أن بوال كان يعمل في سياق ديكتاتوريات عسكرية معلنة (البرازيل، الأرجنتين، تشيلي)، حيث كان العدوّ واضحًا وله وجه. في «مَرْفَأُ الطَّيْف»، العدوّ طيف: لا وجه له، ولا اسم، ولا جسد. ولهذا، تصبح المقاومة أكثر تعقيدًا: لا يمكن مواجهة طيفٍ بالطريقة نفسها التي تواجه بها جيشًا. ولهذا، يلجأ النص إلى الغناء — الشكل الوحيد للمقاومة الذي لا يمكن مصادرته.
ثالثًا: المسرح السريالي والعبثي — من أرابال إلى «مطر المال»
فرناندو أرابال، الكاتب المسرحي الإسباني الذي عاش تحت ظل حكم فرانكو، طوّر ما سمّاه «مسرح الذعر» (théâtre de panique)، حيث يمتزج السريالية بالعبثية بالقسوة. في مسرحيته «ووضعوا الأصفاد على الزهور» (And They Put Handcuffs on the Flowers)، يستخدم أرابال صرخةً ضد فظائع نظام فرانكو، عبر سياسةً صريحة وعنيفة، تصل إلى حدّ «السذاجة المتعمدة». أرابال لا يهتم بالواقعية: يهتم بـالصدمة، بـالرؤية، بـالكشف عن العبثية التي تُخفي وراءها القمع.
في «مَرْفَأُ الطَّيْف»، تظهر التقنيات الأرابالية بوضوح:
مطر المال الذي يتحول إلى رماد هو صورة أرابالية بامتياز: الفرح الجماعي يتحول إلى صدمة، والعطاء يتحول إلى سرقة. هذا القلب السريالي للحظة الأمل هو ما يجعل السخرية مؤلمة.
الوالي الذي يتحول إلى شاشة، ثم يخرج من الشاشة ليجلس بين الناس، هو تحوّل مسرحي يستدعي مسرح العبث: الشخصية تفقد جسدها، ثم تستعيده، لكن في هيئةٍ مختلفة. يقول الوالي: «أنا الذي وُقّعت على يدي. أنا الذي أكلتُ باسم الشعب. أنا الذي صلّى في فندق. أنا الذي رأى النفط في التلفاز. وأنا الذي لم أرَ اليمن». هذا اعتراف العبثي: اعتراف بأنك عشت حياةً ليست حياتك.
الشيخ درهم، بكرسيه الذي يحمله حيثما ذهب، هو شخصية أرابالية-عبثية: رجل الدين الذي يبيع الفتاوى مثل الخبز، ويعتبر «الناس لا يفهمون. كل نبيّ في بدايته، يُقابَل بهذا». كرسيه هو السلطة التي لا تُغادر، حتى حين يغادر صاحبها.
لكن الفرق بين أرابال و«مَرْفَأُ الطَّيْف» هو في نوع السخرية. أرابال يستخدم السخرية كسلاح هجومي: يريد أن يصدم، أن يجرح، أن يُغضب. «مَرْفَأُ الطَّيْف» يستخدم السخرية كسلاح دفاعي: يريد أن يبكي، أن يتذكر، أن يُقاوم. سعيد المهرّج ليس شخصية أرابالية بالمعنى الكامل: إنه أقرب إلى مهرّج شكسبيري — يقول الحقيقة لأن لا أحد يصدّقه، ويضحك لأن البكاء لا يكفي.
رابعًا: الواقعية السحرية في المسرح — من ماكوندو إلى المرفأ
الواقعية السحرية، كما تجلّت في أعمال غابرييل غارثيا ماركيز، إيزابيل الليندي، وميغيل أنخل أستورياس، هي أكثر من مجرد أسلوب أدبي: إنها طريقة لرؤية الواقع، حيث تُقبل الغرائبية كجزءٍ من الحياة اليومية. قال ماركيز في خطاب نوبل: «كان من الطبيعي وجود الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية، لأن الواقع هناك كان يتجاوز كل خيال».
في «مَرْفَأُ الطَّيْف»، تتحقق الواقعية السحرية بأشكالٍ متعددة:
البحر الذي يتكلم هو تجسيدٌ واقعي-سحري للذاكرة الجماعية. البحر ليس مجازًا، بل هو شخصية درامية لها صوت، وتاريخ، وإرادة. يقول: «أنا لا أبيع. أنا لا أُشترى. أنا ذاكرتي. كل سفينة مرّت، أنا حفظتها. كل غريق غرق، أنا حفظته. كل اسم مُحي، أنا حفظته».
جدّ نجوم الذي يعود من الموت مغطّى بالزيت، ويقطر منه النفط، هو صورة واقعية-سحرية لما يحدث للأجساد في زمن النهب: يصبح الإنسان مادة أولية، رقمًا في نشرة اقتصادية، بندًا في اتفاقية. لكنه يعود — ليس للانتقام، بل ليغني مع حفيدته.
الخريطة المبتلّة التي يظهر عليها الحبر مكتوبًا بأوراق الشجر، هي تحوّل واقعي-سحري للوثيقة الرسمية إلى ذاكرةٍ حيّة. الخريطة لم تعد ورقةً رسمية، بل مسرحًا للذاكرة.
الفرق بين «مَرْفَأُ الطَّيْف» والواقعية السحرية اللاتينية هو أن الأخيرة تنبع من ثقافةٍ محددة — الأمم الأصلية في أمريكا اللاتينية، الكاثوليكية الشعبية، التاريخ الاستعماري الإسباني والبرتغالي. أما «مَرْفَأُ الطَّيْف» فتنبع من ثقافةٍ أخرى: الثقافة اليمنية، بتراثها الصوفي، وأساطيرها البحرية، وتاريخها الطويل من الغزو والاحتلال. الطيف، في هذا السياق، ليس مجرد تقنية سردية، بل هو مفهوم ثقافي له جذور في التراث العربي الإسلامي: «الطيف» هو زائر الليل، هو الخيال الذي يأتي في المنام، هو الحضور الغائب الذي لا يمكن إنكاره.
خامسًا: خلاصة المقارنة — ما الذي تضيفه «مَرْفَأُ الطَّيْف»؟
بعد هذه المقارنات، يمكن القول إن «مَرْفَأُ الطَّيْف» تنتمي إلى تقليدٍ مسرحيٍّ عالمي يتناول الاستعمار والمقاومة، لكنها تُضيف إليه عناصر جديدة:
أولًا، إنها تعالج الاحتلال غير المعلن، وهو شكل من أشكال الاستعمار لم يحظَ بمعالجة مسرحية كافية. في «العاصفة» لشكسبير، الاحتلال معلن: بروسبيرو يعترف بأنه سيد الجزيرة. في مسرح ما بعد الاستعمار، الاحتلال معلن أيضًا: المستعمر موجود، وله وجه، وله لغة. أما في «مَرْفَأُ الطَّيْف»، الاحتلال طيف: لا يُعلن نفسه، لكنه يُدير كل شيء.
ثانيًا، إنها تبتكر شكلًا جديدًا للمقاومة المسرحية: الغناء. في مسرح المضطهدين، المقاومة فعلية (المتفرج يصعد إلى الخشبة). في المسرح السريالي، المقاومة رمزية (الصدمة، الجرح). في «مَرْفَأُ الطَّيْف»، المقاومة غنائية: نجوم تغني، والبحر يتكلم، والدفتر لا يُغلق. الغناء هو الشكل الوحيد الذي لا يمكن مصادرته، ولا منعه، ولا إلغائه.
ثالثًا، إنها تُعيد تعريف الشرعية. في المسرح السياسي التقليدي، الشرعية إما شعبية (من الشارع) أو دولية (من الخارج). في «مَرْفَأُ الطَّيْف»، الشرعية ممارسة: لا تُمنح، بل تُنتَج. الشيخ درهم يستخدم خطاب الشرعية الدينية لتشريع السلب، والوالي يستخدم خطاب الشرعية الدولية لتشريع التبعية، والجوقة تستخدم خطاب الشرعية الشعبية لتشريع المقاومة. لكن المسرحية لا تُقدّس أيًّا منها: الشرعية الحقيقية هي التي تخدم الشعب، وليس التي تتحدث باسمه.
رابعًا، إنها تُعيد تعريف علاقة المسرح بالواقع. في المسرح السياسي التقليدي، المسرح يعكس الواقع، أو يفضَح الواقع، أو يُغيّر الواقع. في «مَرْفَأُ الطَّيْف»، المسرح يمنع الواقع من أن يُنسى. الدفتر الذي ينزف، والبحر الذي يتكلم، والرمل الذي يكتب ثم يُمحى — كلها آليات لمنع النسيان. المسرحية لا تدّعي أنها ستُغيّر الواقع، لكنها تدّعي أنها ستُبقي الذاكرة حيّة حتى يأتي يوم التغيير.
خاتمة: مسرحٌ بلا ستار
«مَرْفَأُ الطَّيْف» مسرحية تنتمي إلى المسرح العالمي، لكنها لا تُقلّده. إنها تأخذ من شكسبير بنية الصراع، ومن بوال فكرة المتفرج-الفاعل، ومن أرابال جرأة السخرية، ومن الواقعية السحرية قدرة الرمز على حمل الواقع. لكنها تضع كل ذلك في سياقٍ يمني، وتُنتج شكلًا مسرحيًّا جديدًا: مسرح الاحتلال غير المعلن، حيث لا يوجد بطل، بل ذاكرة؛ لا يوجد منتصر، بل أغنية؛ لا يوجد ستار، بل حبرٌ لم يجفّ بعد.
وهذا هو الرجاء الوحيد: أن يبقى الحبر رطبًا، وأن يبقى الغناء مستمرًّا، وأن يبقى الطيف — أي احتلال غير معلن — طيفًا، حتى يأتي يومٌ لا يعرف فيه أحدٌ اسمه، لأن الاسم الحقيقي يعود إلى صاحبه.
السِّتَار لم يُغلق. الحبر لم يجفّ. الغناء لا يتوقف.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
النظام السعودي رأس الإرهاب:عن تمويل الإرهاب، الإبادة في اليم
...
-
الطبقة الوسطى… القلب المنسي في بلجيكا و سياسات أوروبا الجديد
...
-
صعود اليسار في المدن الكبرى… وأوروبا التي تبحث عن نفسها من ا
...
-
صالح علماني: الفلسطيني ، ساحر الترجمة الذي مشى بين الناس ببس
...
-
بلجيكا وأوروبا وسقوط الإمبراطوريات من الداخل
-
سورية المحتلة في سبتمبر 2026: لحظة ما قبل الهروب الكبير
-
نزيف الكفاءات: كيف تتحوّل -إسرائيل- من وطن إلى محطة عبور
-
الغَرْقَى.. مسرحية ساخرة في ثمانية مشاهد
-
حين ينزف الجسد الإمبراطوري تحت الجلد: قراءة في تشريح الأفول
...
-
حين يُشعَل الجبل: تفجير علي الضاهر ومحاكم الظلّ الطويلة للعد
...
-
مسرحية -الملكُ عارٍ... ولكن بشكلٍ احترافيّ- مسرحيةٌ ساخرةٌ ف
...
-
حين تتصاعد الجعحعة من وارسو و بروكسل في لحظة تراجع القدرات:
...
-
شتاء دمشق: حين تُقدَّم فاتورة -التحرير- أو بتعبير ادق الاحتل
...
-
كِت كلارنبرغ: مبضع الصحافة الاستقصائية في مواجهة صناعة الوعي
...
-
“الذهاب إلى طهران” بعد عقد من الزمن: كيف تحوّلت نبوءة ليفريت
...
-
مهندسو الوهم.. مسرحية ساخرة في ثلاثة فصول وثلاثين مشهدًا
-
باب المندب: حين تُكتب نهاية عصرٍ من رحم الجغرافيا.. تحوّلات
...
-
اليمن عند تسارع التحرير: سقوط المخا وحيس ومعسكر خالد بن الول
...
-
خرائط الممرات: دراسة مقارنة لكتابي في الأدب الجيوسياسي العال
...
-
مسرحية -العالم مسرح... والحمقى ممثلوه- كوميديا تراجيدية في خ
...
المزيد.....
-
فنانون يحتجون على تقليص الإنفاق الثقافي بالموسيقى والرقص وال
...
-
ماكرون: هدنة غزة -مسرحية مخزية- وعار علينا جميعا
-
اتحاد الأدباء يحتفي بالأعمال المسرحية للراحل محمد علي الخفاج
...
-
شبه عارية.. بطلة روسيا كنوروز تنتقد سلوك الممثلة الأمريكية س
...
-
احتجاجات في القامشلي تطالب بالاعتراف باللغة الكردية لغة رسمي
...
-
من دمشق إلى فلسطين.. أمل عرفة تفتح -مساحة تانية- بصوتها
-
لماذا يرى من يتناولون المغنيسيوم كوابيس -كأفلام الرعب-؟
-
وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يتفقد الجامعة
...
-
إسرائيل تشرع في دراسة سحب جنسية مخرجي فيلم نازا
-
إيران تنفي -الرواية الأمريكية- بشأن الملاحة في مضيق هرمز
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|