أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - نزار بنات وعلاء الريماوي… حين يبدأ التحريض قبل الاعتقال















المزيد.....

نزار بنات وعلاء الريماوي… حين يبدأ التحريض قبل الاعتقال


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 19:56
المحور: القضية الفلسطينية
    


أحياناً لا يبدأ قتل الإنسان حين يُطلق عليه الرصاص، ولا حين يُقتاد إلى السجن.

يبدأ قبل ذلك بكثير؛ بالكلمة، بالتشويه، وبحملة تجعل الضحية تبدو وكأنها هي المشكلة، قبل أن يصل إليها السجّان.

أقول هذا لأن اسم علاء الريماوي يعيدني دائماً إلى نزار بنات.

عندما كنت يافعاً في الكتابة، لم يكن لديّ اهتمام كبير بأخبار الضفة الغربية المحتلة.كنتُ أتابع الشأن الفلسطيني من زاويةٍ أخرى، إلى أن تعرّفتُ إلى نزار بنات، وذلك في الفترة التي أعقبت مباشرةً صدور كتابي «ناجي العلي… من أجل هذا قتلوني»، الصادر عن دار بيسان في بيروت عام 2001.

في كل سهرة كانت تجمعنا، كان يتحدث معي عن الوضع في الضفة، وعن القمع والخوف، وعن واقع الناس الذين يعيشون تحت ضغط متواصل.

قال لي ذات مرة، وهو يتحدث عن الجواسيس والعملاء في زمن ثورة عام 1936: «هي هي الجواسيس زمن ثورة 1936، اليوم نحن نعاني من ذريتهم النجسة.»

كانت جملة قالها في سهرة عابرة، لكنها بقيت في ذاكرتي.

لم أكن أعرف يومها أنني سأعود إليها بعد سنوات، وأنا أكتب عن نزار بنات نفسه، بعد أن أصبح شهيداً.

أما علاء الريماوي، فلم أكن أعرفه.

كانت المرة الأولى التي سمعت فيها اسمه يوم وقف في جنازة الشهيد نزار بنات، صلّى عليه، ثم بكى وأبكانا.

حاولت الاتصال به بعد ذلك، لكنني لم أوفّق.

ثم بدأت حملة التشهير والتحريض ضده، إلى أن انتهى الأمر باعتقاله من قبل الاحتلال.

ومنذ ذلك الوقت، بقي سؤال واحد يلاحقني:

هل كانت المشكلة في علاء الريماوي أنه وقف إلى جانب نزار؟

وبعد سنوات، أنجزتُ كتابي عن الشهيد نزار بنات، «الشهيد نزار بنات: حين يُغتال الصوت ولا تموت الحقيقة»، الذي صدر عن دار بيسان في بيروت في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

كان الكتاب بالنسبة إليّ محاولة لجمع ما بقي من صوته، وشهادات من عرفوه، وما عايشته معه، وما أراه مسؤولية السلطة عن مقتله.

وكان ينقص الكتاب شيء واحد فقط: المقدمة.

اقترح عليّ بعض أصدقائي أسماء عدد من الشخصيات الفلسطينية الوازنة، لكنني كنت قد حسمت قراري:

لن يكتب مقدمة الكتاب إلا علاء الريماوي.

كنت أريد الرجل الذي رأيته واقفاً في جنازة الشهيد نزار بنات، والرجل الذي بكى عليه وأبكانا.

انتظرت علاء طويلاً.

كان الكتاب قد اكتمل، وكنت أؤجل تسليمه إلى دار بيسان في بيروت، التي تولت نشره، على أمل أن تصلني مقدمته.

لكن الانتظار طال، حتى انقطع الأمل.

وعندما لم يعد بإمكاني الانتظار أكثر، كتبت المقدمة بنفسي بلسان علاء الريماوي، وهذا ما حدث فعلاً.

لماذا أعود الآن إلى حكاية كتاب نزار بنات؟

لأن الحملة التي سبقت اعتقال علاء تذكّرني، في تفاصيلها، بما سبق اغتيال نزار بنات.

لم تبدأ الحملة على علاء مع مبادرته «تنازل لله»، وإنما بدأت منذ أن صلّى على جنازة الشهيد نزار بنات.

ومنذ ذلك اليوم، أخذت الكلمات طريقها: تشهير، وتحريض، ومحاولات لتقديم الرجل باعتباره مشكلة، بدل النظر إليه باعتباره صحفياً اختار أن يقف في موقف يراه حقاً.

ثم انتقل الأمر من الكلمات إلى الضغوط.

فقد أرسلت خارجية السلطة في رام الله رسالة إلى الخارجية القطرية تطلب فيها طرد الصحفي علاء الريماوي من عمله في قناة الجزيرة مباشر، مهددة بأنه في حال عدم الاستجابة سيتم إغلاق مكاتب قناة الجزيرة في الضفة الغربية.

وكان الصحفي وليد العمري يتابع الأمر يومها، لكن الاحتلال ناب عنهم لاحقاً، فأغلق مكتب قناة الجزيرة في رام الله، في خطوة طالت القناة والعاملين فيها.

وهكذا لم يكن اعتقال علاء بداية الحكاية.

كانت هناك كلمات سبقت الاعتقال، وحملة سبقت القيود، وضغوط سبقت السجن.

وبعد خروجه من سجون الاحتلال، تواصلت مع علاء مرات عديدة.

كنت أجد في صوته شيئاً من ذلك الرجل الذي ظهر يوم جنازة الشهيد نزار بنات.

قد يختلف الناس معه، وهذا حقهم، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى تشهير أو تحريض.

هذه ليست المرة الأولى التي أرى فيها هذا النوع من المشهد.

في عام 2009، كنت في بودابست، عاصمة هنغاريا، عندما اجتمعت الجالية الفلسطينية وانتخبت هيئة تمثلها، ثم انتخبت الهيئة الدكتور تيسير صالح رئيساً لها.

الدكتور تيسير صالح من سيلة الظهر في جنين، وقد وصل إلى بودابست بمنحة لدراسة طب الأسنان عن طريق الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكان صديقاً لماهر اليماني.

بعد الانتخابات، بدأت أصوات محسوبة على سفارة السلطة بالتحريض عليه، واتهامه بأنه قيادي في حركة حماس.

كنت أعرف الدكتور تيسير صالح، ولم أعرفه يوماً بوصفه قيادياً في أي جهة سياسية.

كان همه خدمة أبناء الجالية الفلسطينية في هنغاريا، لكن النتيجة الانتخابية لم ترقَ للبعض، فتحول الخلاف إلى حملة عليه.

لهذا لا أستطيع أن أرى ما يتعرض له علاء الريماوي اليوم بوصفه حادثة منفصلة.

الأسماء تتغير، والأماكن تتغير، والسنوات تمضي، لكن الطريقة نفسها تتكرر:

يبدأ الأمر باختلاف، ثم يتحول الاختلاف إلى اتهام، ثم يأتي التشويه، وبعده قد يأتي الإقصاء أو الاعتقال.

والمؤلم أن الإنسان قد يجد نفسه مطالباً بالدفاع عن نفسه من تهم لم تكن موجودة أصلاً قبل أن تبدأ الحملة عليه.

أنا لا أكتب هذا المقال لأطلب من أحد أن يتفق مع علاء الريماوي، ولا لأقدمه بوصفه فوق النقد.

أكتب لأنني أعرف نقطة محددة في حكايته:

يوم وقف في جنازة الشهيد نزار بنات، صلّى عليه، وبكى عليه وأبكانا.

ومنذ ذلك اليوم، بقي ذلك المشهد في ذاكرتي، رغم أنني لم أكن حاضراً في الجنازة، بل شاهدتها عبر التلفزيون في بثٍّ مباشر.

واليوم حين أرى علاء خلف القضبان، أتذكر الشهيد نزار بنات، وأتذكر الكتاب الذي انتظرت أن يكتب علاء مقدمته، حتى كتبتها أنا بلسانه.

ربما لهذا أعود إلى الحكاية كلها.

لأنني أخشى أن نعتاد على التحريض حتى يصبح شيئاً عادياً، وأن نسمع التشويه طويلاً حتى ننسى كيف بدأت القصة.

نزار بنات رحل، وعلاء الريماوي في السجن، وبين الرحيل والسجن كلمات كثيرة قيلت.

وما أخشاه أكثر من السجن نفسه هو أن تنجح الكلمات في قتل الإنسان في أعين الناس، قبل أن تصل إليه القيود.

فالسجن قد يقيّد الجسد، لكن أخطر السجون هو ذلك الذي يُبنى من الكلمات حول الإنسان، حتى يصبح الدفاع عنه أصعب من اعتقاله.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعد كل هذه الشهادات… ما زلت أسأل: كيف يصبح الإنسان وحشاً؟
- ميلانة بطرس ألها (أم حسين البرجي): «دفنتُ زوجي وابني…»
- محمد سرور (أبو علي): دفنتُ أبي وإخوتي… وبقيتُ شاهداً على صبر ...
- «شاهدتُ بأمِّ عيني»: شهادةُ يوسف عبد نايف مجذوب (أبو جمال) ع ...
- سمر قاسم أبو حرب: نجوتُ من مجزرة صبرا وشاتيلا… لكن أهوالها م ...
- سَنِيّة رمضان «أم جهاد»: دفنتُ زوجي في صبرا وشاتيلا… لكنني ل ...
- عصام أبو دهيس: صهري استشهد بجانبي… ونجوتُ لأروي حكاية صبرا و ...
- بعد كل هذه السنوات... أعود إلى صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم
- زكريا الزُبيدي... حين يصبح التصفيق مخزياً
- كيف يُمثَّل شعبٌ عظيمٌ بهذا الهُزال؟
- حين حمل القميص فلسطين
- طلال سلمان… حين كانت «السفير» تصل إلى فرن المناقيش
- هل ما زالت منظمة التحرير للشعب… أم أصبحت لمن يملك المال والن ...
- الشيخ سمير… حين يُغلق الموت قلباً كان مفتوحاً للجميع
- ناجي العلي وأبو ماهر اليماني... حين يصمت الشهود
- فلسطين... المعركة على السردية والهوية
- حين تصبح طائرة طفلٍ سلاحاً... خيبة الأمل من مجلس السلام
- جمل المحامل... حين كان الفن يحمل فلسطين
- طائرة ورقية من غزة تُربك منظومة الاحتلال
- نورا عوض إبراهيم (أم سعيد)... حين قالت للاحتلال: «زلامنا فوق ...


المزيد.....




- -اشتباه في تعاطي جرعة زائدة-.. الشرطة تحقق في وفاة بريسلي غر ...
- مع تصعيد الحوثيين.. روبيو: أمريكا ستفي بـ-التزاماتها- تجاه ا ...
- حرب ديانا تشتعل ومورغان يتهم سبنسر بـ-التزوير- ويهدّده بالمح ...
- الجامعة العربية تشيد بنجاح سوريا في التعامل مع التحديات وتعل ...
- هل تتدخل تركيا وباكستان لحماية السعودية أمام هجمات الحوثيين؟ ...
- مؤسسات إعلامية أمريكية كبرى تقاطع التغطية المشتركة لترامب
- أقدم معهد بحري عسكري في روسيا
- سوريا.. بروتوكول طوارئ في مطار المزة بعد كشف أدلة على جرائم ...
- -ميتا- تستعد لأكبر حدث لها هذا العام
- زيلينسكي يصل نيويورك بلباس غريب لايتوافق مع المناسبة.. فما ح ...


المزيد.....

- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - نزار بنات وعلاء الريماوي… حين يبدأ التحريض قبل الاعتقال