أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - ميلانة بطرس ألها (أم حسين البرجي): «دفنتُ زوجي وابني…»














المزيد.....

ميلانة بطرس ألها (أم حسين البرجي): «دفنتُ زوجي وابني…»


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 14:03
المحور: القضية الفلسطينية
    


في صبرا وشاتيلا، لم يكن الموت وحده هو الفاجعة، بل كان على الناجين أيضاً أن يحملوا موتاهم، وأن يدفنوا أحباءهم بأيديهم، ثم يعودوا إلى بيوتهم محمّلين بذاكرة لا تجد من يواسيها.

كانت ميلانة بطرس ألها، المعروفة بـ«أم حسين البرجي»، واحدة من أولئك الذين خرجوا من المجزرة وهم يحملون أكثر مما تستطيع الروح احتماله. فقدت زوجها علي البرجي، وابنها قاسم، وابن سلفها علي ملحم البرجي. وحين عادت إلى المخيم، لم تجد عشرات الجثث الملقاة على جانبي الطريق فحسب، بل وجدت بين القتلى ابنها وزوجها.

تروي ميلانة ما رأته وما عاشته بعباراتها البسيطة، كما بقيت في ذاكرتها منذ ذلك اليوم. لا تتحدث من موقع المؤرخة، بل من موقع امرأة فقدت زوجها وابنها وقريبها، ثم دفنتهم على نفقتها الخاصة، ومضت سنوات طويلة وهي تقول: «بعد المجزرة، ما حدا واساني، ولا حدا سأل عني».

ميلانة بطرس ألها (أم حسين البرجي)

لبنانية، مسيحية مارونية، من بلدة مزيارة، قضاء زغرتا، متزوجة من علي إبراهيم البرجي.

في المجزرة فقدت زوجي علي البرجي، مواليد 1937، وابني قاسم، مواليد 1967، وابن سلفي علي ملحم البرجي، مواليد 1968.

أنا من مواليد مزيارة سنة 1939، أي كان عمري يوم المجزرة نحو 43 سنة.

منزلنا تهدّم خلال الاجتياح، ودمّره طيران الاحتلال. وقبل المجزرة بيوم، كان الجيش اللبناني قد بدأ بإزالة الحواجز الموجودة في شوارع المخيمات وعلى مداخلها. أساساً ما كان في حدا، ما في فدائية، كلهم رحلوا إلى تونس والجزائر. وكان أحد عناصر الجيش من أقاربنا، فعملت له إبريق شاي، لكن فجأة انسحب الجيش اللبناني، ولا أعرف إلى أين ذهبوا. ثم جاء جنود الاحتلال.

يوم الخميس، وقبل وقوع المجزرة بوقت قليل، كانت هناك بنت صغيرة، عمرها حوالي 14 سنة، اسمها رجاء رمضان، فلسطينية، كانت تشرب الماء عند تمثال أبو حسن سلامة، عند أول مفرق صبرا. قتلها أحد جنود الاحتلال وهي تشرب الماء، وأطلق الرصاص على رأسها من مسافة قريبة جداً. قُتلت على الفور، ثم حملها عبد الرحمن الخطيب، الذي استشهد في المجزرة لاحقًا.

مساء الخميس 16/9/1982، بدأنا نسمع صوت الرصاص، فهربنا إلى ملجأ أبو ياسر. كان الرصاص غزيراً، حوالي الساعة السادسة إلا خمس دقائق مساءً، في اليوم نفسه.

وقف المسلحون على باب الملجأ وبدأوا يشتموننا، وصاحوا: «يا أبو مرهف».

طبعًا، أبو مرهف لا يعرفهم أبداً، وأبو مرهف هو جارنا، وقد قتلوه لاحقاً.

الذين دخلوا علينا كانوا من القوات اللبنانية، ومن قوات الدامور، ومن قوات سعد حداد، وكان جنود وضباط الاحتلال في كل مكان.

أنا لم أكن أعرف من هم المسلحون. في البداية اعتقدت أنهم من الجيش اللبناني، فقلت لهم: «الله يحميكوا، أنتم جيش لبناني».

بدأوا يشتمونني، ثم أخذونا إلى التلة المقابلة للسفارة التركية، وهي بجانب مقر الأمم المتحدة الآن، وغرب السفارة الكويتية.

كان حبيقة وشارون موجودين هناك، عند مدخل البناية، ومعهما مسلحون كثيرون. كنت أعرف شارون من التلفزيون ومن الأخبار.

قلت للمسلحين: «أنا لبنانية مسيحية مارونية».

فبدأوا يشتمونني وقالوا: «الآن صرتي مسيحية».

ثم أخذونا جميعاً إلى بكفيا، إلى مقر بشير الجميّل.

وهناك نظرت إلينا من شرفة البناية امرأة لا أعرفها، لكن الذين كانوا معي قالوا: «هذه زوجة بشير الجميّل، صولانج».

قالت هذه المرأة من البرندا (الشرفة) للمسلحين: «ردّوا النساء والأولاد وجيبوا لي رجال».

كان معنا ولد اسمه جمال الزيون، وكان عمره 16 سنة. أخذوه في بكفيا، وانقطعت أخباره منذ ذلك الحين. ولا أحد يعرف عنه شيئاً منذ يوم الخميس 16/9/1982، الساعة 11 ليلاً.

ثم جابونا إلى الأوزاعي، ويوم الجمعة تركونا هناك.

في الأوزاعي جابوا لنا عناصر القوات اللبنانية أكل لنا وللأولاد، فراريج وخبز وماء، لكن ما أكلنا.

يوم الجمعة 17/9/1982، حاولنا الدخول إلى المخيم، لكن جنود الاحتلال وعناصر القوات اللبنانية منعونا من الدخول، وكانوا مع بعضهم.

بقينا حتى صباح الأحد، ثم دخلنا المخيم.

عندما دخلت، شاهدت الذي ما شفته بحياتي. شاهدت عشرات الجثث على جانبي الشارع. وشاهدت ابني قاسم مقتولاً.

كانت البلطات والسكاكين على جانبي الشارع، وكلها دماء. فأخذت بلطة، ولا أعرف من أخذها مني بعد ذلك.

بعد المجزرة، ما حدا واساني، ولا حدا سأل عني.

حتى زوجي وابني وابن سلفي، دفنتهم على حسابي في مقبرة روضة الشهيدين. ونقلتهم على حسابي.

بعد محكمة بلجيكا، بدأ الجميع بالبحث عني.

دفنت ميلانة زوجها وابنها وابن سلفها بيديها، ثم عادت تحمل وحدها ما تبقّى من حياتها. رحلوا، وبقيت هي تحمل أسماءهم، ووجعهم، وذاكرة يومٍ لم تستطع السنوات أن تدفنه. انتهت المجزرة، لكن حزن ميلانة لم ينتهِ.

المصدر: مقابلة شخصية أجراها الكاتب والباحث محمود كلّم مع ميلانة بطرس ألها (أم حسين البرجي)، حرش مخيم شاتيلا، جنوب بيروت، 19 آب/أغسطس 2002.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محمد سرور (أبو علي): دفنتُ أبي وإخوتي… وبقيتُ شاهداً على صبر ...
- «شاهدتُ بأمِّ عيني»: شهادةُ يوسف عبد نايف مجذوب (أبو جمال) ع ...
- سمر قاسم أبو حرب: نجوتُ من مجزرة صبرا وشاتيلا… لكن أهوالها م ...
- سَنِيّة رمضان «أم جهاد»: دفنتُ زوجي في صبرا وشاتيلا… لكنني ل ...
- عصام أبو دهيس: صهري استشهد بجانبي… ونجوتُ لأروي حكاية صبرا و ...
- بعد كل هذه السنوات... أعود إلى صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم
- زكريا الزُبيدي... حين يصبح التصفيق مخزياً
- كيف يُمثَّل شعبٌ عظيمٌ بهذا الهُزال؟
- حين حمل القميص فلسطين
- طلال سلمان… حين كانت «السفير» تصل إلى فرن المناقيش
- هل ما زالت منظمة التحرير للشعب… أم أصبحت لمن يملك المال والن ...
- الشيخ سمير… حين يُغلق الموت قلباً كان مفتوحاً للجميع
- ناجي العلي وأبو ماهر اليماني... حين يصمت الشهود
- فلسطين... المعركة على السردية والهوية
- حين تصبح طائرة طفلٍ سلاحاً... خيبة الأمل من مجلس السلام
- جمل المحامل... حين كان الفن يحمل فلسطين
- طائرة ورقية من غزة تُربك منظومة الاحتلال
- نورا عوض إبراهيم (أم سعيد)... حين قالت للاحتلال: «زلامنا فوق ...
- عن أيِّ سلامٍ نتحدّث… حين يصبح قتلُ الغزيّين خطاباً سياسياً؟
- الخيمة التي خرجت من الغبار... حكاية رجل حفظ بداية ناجي العلي ...


المزيد.....




- إد شيران يتحدث عن موقفه من الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.. شاه ...
- السيسي خلال استقباله مدير CIA: نرفض أي اعتداءات على الدول ال ...
- إد شيران يقرّ بارتكاب -أخطاء- في أول حفل له منذ الجدل المرتب ...
- السلطات الروسية تفيد بمقتل شخصين في هجوم أوكراني -ضخم- بالطا ...
- إد شيران يخرج عن صمته في فيلادلفيا: ما يحدث في غزة -كارثي وغ ...
- انطلاق انتخابات برلين وميكلنبورغ-فوربومرن: تصويت على ميرتس؟ ...
- شقيق ديانا يهاجم الصحافة ويقارن معاملة هاري وميغان بما حدث ل ...
- مصر: مهاجمة الرياض تصعيد خطير وندعم دفاع السعودية عن نفسها
- علامة تحذيرية مهمة قد تنذر بالخرف
- -كلاشنيكوف- تسلم دفعة كبيرة من بنادق -دراغونوف- المطورة


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - ميلانة بطرس ألها (أم حسين البرجي): «دفنتُ زوجي وابني…»