أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - الشيخ سمير… حين يُغلق الموت قلباً كان مفتوحاً للجميع















المزيد.....

الشيخ سمير… حين يُغلق الموت قلباً كان مفتوحاً للجميع


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 00:14
المحور: القضية الفلسطينية
    


رُوِيَ عن الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله: «عندما تُهيل التراب فوق من تحب بعد أن يغادر الحياة، ستدرك حينها أن الدنيا تافهة جداً، وأن البقاء فيها لن يستمر طويلاً».

ولعلّ الإنسان لا يفهم المعنى الحقيقي لهذه الكلمات إلا عندما يقف فجأة أمام رحيل شخص عزيز، شخص كان بالأمس بيننا، يتحدث ويضحك ويشاركنا تفاصيل الحياة، ثم يصبح اليوم ذكرى، وصورة، وصوتاً نبحث عنه في الذاكرة فلا نجده إلا في لحظات الصمت.

رحل فضيلة الشيخ سمير شحادة أبو النعاج عن عالمنا، وغاب وجهٌ ألفناه، وصوتٌ اعتدناه، وإنسانٌ لم يكن عابراً في حياة من عرفوه.

هناك أحزان لا تحتاج إلى كثير من الكلام؛ يكفي أن تجلس وحيداً، وتستعيد شريط الذكريات، فتأتي الدموع صامتة، ثقيلة، عاجزة عن التعبير عن كل ما في القلب.

رحل الشيخ سمير، وكأن الموت اختار أن يقطع حديثاً لم يكتمل، وحواراً بدأناه قبل أيام معدودات، وكانت في النفس أسئلة كثيرة، وفي الكلام بقية، وفي اللقاءات القادمة أملٌ صغير… فإذا بكل ذلك ينتهي فجأة في عتمة الليل.

رحل وما زال للكلام بقية.

أغمض الشيخ سمير عينيه ونام نومته الأخيرة، واستراح من تعب هذه الحياة، وكأنّه كان يعرف أن للحياة نهاية، وأن الموت ليس إلا جسر العبور إلى فضاء آخر، أرحب وأبقى.

لكن الذين تركهم خلفه لا يعرفون كيف يعتادون غيابه.

فالذين يحبون لا يتقبلون الرحيل بسهولة، حتى وإن كانوا يؤمنون بأن الموت حق، وأن كل نفس ذائقة الموت.

بكته حارات الفقراء، وزواريب المخيمات، ووجوه الناس الذين عرفوا فيه إنساناً قريباً منهم، لا يضع بينه وبينهم حواجز ولا مسافات.

وكان بيته ملاذاً لكل لاجئ انقطعت به السبل، وباباً مفتوحاً لكل محتاج، لا يسأل القادم عن اسمه ولا عن ظروفه قبل أن يمدّ له يد العون. كان يرى في حاجة الناس مسؤوليةً لا يجوز التنصل منها، ولذلك لم يكن يتخلى عن محتاج، ولم يكن يردّ صاحب حاجة خائباً. كان بيته يعرف خطى المتعبين، وعتبة داره تحفظ حكايات من ضاقت بهم الدنيا، فوجدوا عنده صدراً رحباً، وكلمةً طيبة، ويداً تمتدّ بالعون.

ولذلك لم يكن غريباً أن تبكيه حارات الفقراء؛ فقد عرفوه قريباً منهم، واحداً منهم، وأنّ بيته لم يكن مجرد جدران، بل كان مأوى للقلوب المنهكة، وملجأً لمن أغلقت في وجهه الأبواب. كان يعطي دون ضجيج، ويساعد دون منّة، ويترك في نفس من يقصده شعوراً بأن في الدنيا، رغم قسوتها، ما زال فيها رجالٌ لا يتخلون عن الناس.

كان الشيخ سمير حالةً متفردة، ونسيجاً خاصاً لا يشبه إلا نفسه.

لم يكن منغلقًا داخل أفكاره، ولم يكن أسير زاوية واحدة ينظر منها إلى الحياة؛ كان مساحةً يلتقي فيها المختلفون، ونقطةَ تقاطعٍ يحترم عندها الجميع، مهما اختلفت الآراء والمواقف.

كان صوته يحمل شيئاً من الأرض، ورائحة فلسطين، وعبق التاريخ والجغرافيا. وكان في حديثه شيءٌ من الناس الذين أحبهم، ومن الأماكن التي حملها في قلبه، ومن وطنٍ لم يكن بالنسبة إليه مجرد كلمة تُقال، بل ذاكرة وانتماء ووجع وأمل.

رحل الشيخ سمير صاحب المواقف، والمشاعر الإنسانية، والأخلاق الحميدة.

رحل تاركاً وراءه ضحكته البهيّة، وروحه المرحة، وطيب سيرته، وسمعته الوطنية، وذكرياتٍ كثيرة لا يمكن للموت أن يأخذها.

فبعض الناس حين يرحلون لا يتركون فراغاً فحسب، بل يتركون مكاناً لا يستطيع أحد أن يملأه.

كان وجوده جزءاً من تفاصيل حياة من عرفوه، ولذلك فإن غيابه لن يكون مجرد غياب شخص، بل غياب صوت، وابتسامة، ولقاء، وحكاية، ووجهٍ كان للحياة معه معنى مختلف.

زاره الموت في مدينة مالمو جنوب السويد، عصر يوم السبت 29-8-2026، ورحل بهدوء، غارقاً في النوم، من دون وداع.

وهذه أقسى أنواع الرحيل…

أن يغادر الإنسان دون أن يمنح من يحبون فرصة أن يقولوا له: وداعاً.

دون مصافحة أخيرة، دون نظرة أخيرة، دون أن يقول لهم: انتبهوا لأنفسكم من بعدي.

رحل فجأة، وأخذ معه شيئاً من الذاكرة، لكنه ترك في قلوبنا ما هو أكبر من الغياب: ترك أثراً لا يموت.

أيها الراحل العزيز الشيخ سمير…

نعلم أن الموت حق، وأننا جميعاً عابرون، وأن ما بين الميلاد والرحيل ليس إلا مسافة قصيرة مهما طالت.



لكننا ونحن نقف أمام غيابك، نشعر أن الدنيا بالفعل صغيرة، وأن كل ما نتخاصم من أجله، ونتعب في سبيله، ونظنه مهماً، قد يصبح في لحظة واحدة بلا قيمة.

يكفي أن يغيب إنسان نحبه حتى نكتشف كم كانت الحياة تحتاج فقط إلى أن نجلس معه قليلاً، أن نصغي إليه أكثر، أن نضحك معه أكثر، وأن نقول له ما كان ينبغي أن نقوله قبل فوات الأوان.

يا شيخ سمير… لم يكن وقت رحيلك.

ما زالت هناك حاجة إلى صوتك، إلى حضورك، إلى مواقفك، إلى حديثك، وإلى تلك الروح التي كانت تعرف كيف تقترب من الناس دون تكلف.

لكنها مشيئة الله، ولا اعتراض على حكمه.

نسأل الله أن يكون نومك الأخير راحةً لا تعب بعدها، وأن يجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وأن يغفر لك ويرحمك، ويكرم نزلك، ويوسّع مدخلك، وأن يجمعك بمن تحب في دارٍ لا فراق فيها.

وسنبقى نحن هنا…

نحمل ذكراك في قلوبنا، ونستعيد أحاديثك، ونضحك حين نتذكر ضحكتك، ونحزن حين ندرك أنك لن تعود.

لن ننسى يوماً ابن صفورية البار، فضيلة الشيخ سمير شحادة أبو النعاج.

ستبقى ذكراك حاضرةً في نفوس من عرفوك، وستظل صورتك معلقةً في جدار الذاكرة، وسيبقى اسمك يمرّ في الأحاديث كلما جاءت سيرة الرجال الذين تركوا أثراً طيباً في حياة الناس.

رحلت دون وداع…

لكننا سنظل نودعك كل يوم، في دعائنا، وفي ذكرياتنا، وفي لحظات الصمت التي سنفتقدك فيها أكثر.

وداعاً شيخ سمير…

وداعاً يا من رحلت قبل أن يكتمل الكلام.

فالكل سيأتون بعدك، وما هي إلا فترة انتظار قصيرة، ثم نلتقي جميعاً في المكان الذي لا موت فيه ولا فراق.

رحمك الله رحمةً واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وجبر قلوب أهلك ومحبيك، وألهمهم الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ناجي العلي وأبو ماهر اليماني... حين يصمت الشهود
- فلسطين... المعركة على السردية والهوية
- حين تصبح طائرة طفلٍ سلاحاً... خيبة الأمل من مجلس السلام
- جمل المحامل... حين كان الفن يحمل فلسطين
- طائرة ورقية من غزة تُربك منظومة الاحتلال
- نورا عوض إبراهيم (أم سعيد)... حين قالت للاحتلال: «زلامنا فوق ...
- عن أيِّ سلامٍ نتحدّث… حين يصبح قتلُ الغزيّين خطاباً سياسياً؟
- الخيمة التي خرجت من الغبار... حكاية رجل حفظ بداية ناجي العلي ...
- رسمة الخيمة... حين وصلتُ إلى طريق مسدود في البحث عن ناجي الع ...
- ناجي العلي... يوم كان الموت يحيط بنا
- حين تنادي الجبال أبناءها… ولا يعودون
- ناجي العلي… الرصاصة التي قتلت الرسام ولم تقتل الحكاية
- إِلى أين؟... من دُرُوبِ النّكبة إِلى حُلمِ العودة
- غزة... حين سقطت الأقنعة
- غزة… حين صمد أبناء النكبة وخذلتهم الأمة
- محمود الباشا... شاعرُ المخيّم الذي حمل فلسطين في صوته
- أحمد الياباني... حين يموت الحلم قبل أن يموت أصحابه
- في وداع رحمة يوسف كايد (أم عادل)
- التغريبة الفلسطينية... حين يتحول الفن إلى ذاكرة وطن
- حتّى الأوكسجين... هل سيُصبح بحاجةٍ إلى ترخيص؟


المزيد.....




- لماذا يغيب أكبر موسم لتزاوج الحبار في العالم عن سواحل أسترال ...
- استطلاع إسرائيلي يقلب المشهد.. حزبان يمينيان يتجاوزان العتبة ...
- من أفغانستان إلى إيران.. لماذا تعجز أمريكا عن إنهاء حروبها؟ ...
- حركة الملاحة في مضيق هرمز تتراجع إلى 5 سفن يوميا
- الخارجية الروسية: نظام كييف يرفض استلام أعداد هائلة من جثث ق ...
- عملية غير مسبوقة تمتد إلى 12 دولة.. العثور على 163 طفلا مفقو ...
- السفير الأمريكي الأسبق: دعم الناتو لأوكرانيا -مأساة- والتصعي ...
- الولايات المتحدة تقصف إيران لأول مرة منذ شهر وطهران تتوعد با ...
- قلق إسرائيلي من انفجار الضفة.. إرهاب المستوطنين يهدد بإشعال ...
- الأردن: اعتراض صواريخ اخترقت المجال الجوي للمملكة


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - الشيخ سمير… حين يُغلق الموت قلباً كان مفتوحاً للجميع