أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - طائرة ورقية من غزة تُربك منظومة الاحتلال














المزيد.....

طائرة ورقية من غزة تُربك منظومة الاحتلال


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 15:19
المحور: القضية الفلسطينية
    


حين تتحول لعبة الأطفال إلى ذاكرةٍ تطارد المستوطنين، تصبح الأشياء الصغيرة أكبر من حجمها.

لم تكن الطائرة الورقية التي ارتفعت من بين ركام غزة تحمل قنبلة، ولا صاروخاً، ولم يكن في خيطها ما يشبه السلاح.

كانت مجرد لعبة طفل: قطعة ورق، وخيط، وعصا صغيرة، صنعها طفلٌ فقد بيته ومدرسته وأصدقاءه، لكنه لم يفقد رغبته في أن يرفع عينيه إلى السماء.

وهنا تكمن المفارقة.

في غزة، حيث تهدمت البيوت، وتراكم الركام فوق الذكريات، وفقد أطفالٌ ألعابهم ودفاترهم وأحلامهم، بقيت أشياء صغيرة تقاوم: قطعة كرتون، وخيط، وعصا رفيعة، وطفلٌ يحاول أن يصنع من الخراب شيئاً يشبه الحياة.

ما أعظم شعباً يستطيع، وسط كل هذا الموت، أن يبحث عن مساحة صغيرة للفرح.

فالطائرة الورقية ليست سلاحاً، لكنها تذكير بأن غزة لم تتحول إلى مقبرة صامتة، وأن الطفل الفلسطيني الذي حُرم من ملعبه ومدرسته وبيته، ما زال قادراً على رفع عينيه إلى السماء.

هم يملكون الطائرات الحربية، والفلسطيني يملك طائرة ورقية.

هم يرسلون الحديد والنار إلى البيوت، والطفل يرسل ورقةً إلى السماء.

ومع ذلك، يمكن لورقة معلقة بخيط أن توقظ الخوف في منظومةٍ اعتادت أن ترى نفسها محصنةً خلف الجدران والأسلاك والسلاح.

ليس لأن اللعبة قوية، بل لأن الخوف قد يجعل الأشياء الصغيرة تبدو أكبر مما هي عليه.

لقد حاول الاحتلال، طوال عقود، أن يزرع الخوف في تفاصيل الحياة الفلسطينية: في الطريق، والمدرسة، والبيت، والشجرة، والمستقبل.

لكن هناك شيئاً لا تستطيع القوة العسكرية مصادرته: القدرة على تحويل الألم إلى معنى.

لهذا تبدو الطائرة الورقية القادمة من بين الركام أكثر من قطعة ورق في السماء.

إنها صورة طفلٍ فقد البيت، لكنه لم يفقد السماء.

وصورة مدينةٍ تُقصف، ثم يخرج من بين حجارتها طفل يبحث عن خيط وورقة، كأنه يقول للعالم:

ما زلنا هنا.

والأشد قسوة أن الرد على هذا المشهد يأتي بالتهديد والتصعيد والتهجير؛ كأن المطلوب ليس فقط إخضاع الإنسان الفلسطيني، بل محو المكان الذي يعيش فيه، والذاكرة التي يحملها، وحتى المساحة الصغيرة التي يحاول أن يصنع فيها شيئاً من طفولته.

لكن التاريخ لا يُكتب دائماً بالأسلحة الثقيلة.

أحياناً تكتبه يد طفل صغيرة، تمسك خيطاً وترفع طائرة ورقية فوق مدينة مدمرة.

فالاحتلال يستطيع أن يهدم بيتاً، ويقتلع شجرة، ويقتل إنساناً؛ لكنه لا يستطيع أن يمنع طفلاً من النظر إلى السماء.

وهنا تكمن قوة المشهد كله:

حين يُنتزع من الإنسان الكثير، يصبح تمسكه بأبسط الأشياء إعلاناً بأنه لم يُهزم.

قد يسقط الركام على البيت، وقد يغيب الأب، وتُفقد الأم، وتُدفن طفولة كاملة تحت الأنقاض.

لكن من بين الحجارة قد تظهر يد صغيرة تحمل ورقةً وخيطاً، وتعيد إلى السماء شيئاً من لونها.

عندها، لا تعود الطائرة الورقية مجرد لعبة.

تصبح شاهداً على طفلٍ كان يريد أن يلعب، فوجد نفسه في مواجهة حرب.

وشاهداً على شعبٍ حاولوا أن يجعلوه يخاف، فبقي قادراً على الحلم.

وشاهداً على أن القوة، مهما بلغت، لا تستطيع أن تنتزع من الإنسان رغبته في الحياة.

من بين الركام، تطير الطائرات الورقية...

ومن بين الخوف، يولد الأمل.

لهذا تحديداً تكتسب ورقةٌ معلقة بخيط كل هذه الدلالة:

أن يبقى الفلسطيني قادراً على أن يحلم، حتى عندما لا يبقى له سوى السماء.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نورا عوض إبراهيم (أم سعيد)... حين قالت للاحتلال: «زلامنا فوق ...
- عن أيِّ سلامٍ نتحدّث… حين يصبح قتلُ الغزيّين خطاباً سياسياً؟
- الخيمة التي خرجت من الغبار... حكاية رجل حفظ بداية ناجي العلي ...
- رسمة الخيمة... حين وصلتُ إلى طريق مسدود في البحث عن ناجي الع ...
- ناجي العلي... يوم كان الموت يحيط بنا
- حين تنادي الجبال أبناءها… ولا يعودون
- ناجي العلي… الرصاصة التي قتلت الرسام ولم تقتل الحكاية
- إِلى أين؟... من دُرُوبِ النّكبة إِلى حُلمِ العودة
- غزة... حين سقطت الأقنعة
- غزة… حين صمد أبناء النكبة وخذلتهم الأمة
- محمود الباشا... شاعرُ المخيّم الذي حمل فلسطين في صوته
- أحمد الياباني... حين يموت الحلم قبل أن يموت أصحابه
- في وداع رحمة يوسف كايد (أم عادل)
- التغريبة الفلسطينية... حين يتحول الفن إلى ذاكرة وطن
- حتّى الأوكسجين... هل سيُصبح بحاجةٍ إلى ترخيص؟
- أولاد نزار بنات.. ورثة الحكاية
- نزار بنات وجيهان الحروب… حين يكون الوفاء سيرةً لا تُروى إلا ...
- العدالة المذبوحة: قصة نزار بنات والقاضي محمود خليف
- نزار بنات... لم يكن يملك سوى هاتفٍ وكلمات
- نزار بنات... رجلٌ اغتيلت أحلامه، وتُرك وحيداً


المزيد.....




- رئيس المرحلة الانتقالية في مالي يوافق على دعوة تبون لزيارة ا ...
- الرئيس الإيراني لقائد الجيش الباكستاني: البلطجة والغطرسة الأ ...
- وزيرة خارجية هنغاريا تؤكد معارضة بلادها لانضمام أوكرانيا الس ...
- عقود مليارية وتعاون دفاعي استراتيجي وتوافق في ملفات سوريا وه ...
- ميروشنيك يشبه تصريحات رئيس فنلندا حول استهداف نظام كييف المر ...
- فاغنكنخت تتوقع خسارة فادحة لحزب ميرتس في انتخابات ساكسونيا-أ ...
- الولايات المتحدة تعلن استعدادها لتسهيل المفاوضات بين موسكو و ...
- الدكتور/ محمد يوسف يكتب السد الإثيوبي: بين شفافية المعلومة و ...
- ألمانيا تقر أعمق إصلاح لأجهزة الاستخبارات في تاريخها الحديث ...
- عبر الخريطة التفاعلية.. تفاصيل المشهد الميداني في الضفة الغر ...


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - طائرة ورقية من غزة تُربك منظومة الاحتلال