أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - عن أيِّ سلامٍ نتحدّث… حين يصبح قتلُ الغزيّين خطاباً سياسياً؟














المزيد.....

عن أيِّ سلامٍ نتحدّث… حين يصبح قتلُ الغزيّين خطاباً سياسياً؟


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 16:50
المحور: القضية الفلسطينية
    


إلى أين وصلنا؟
أن يخرج مسؤولٌ في حكومة الاحتلال أمام العالم، علناً ومن دون خجل، ليدعو إلى قتل عشرات البشر في غزة كل ليلة، ويتحدث عن أناسٍ وكأنهم «لا يستحقون الحياة»، فهذه ليست مجرد عبارةٍ سياسية يمكن أن تمرّ كغيرها من التصريحات. إنها لحظةٌ تكشف إلى أيِّ حدٍّ يمكن أن ينحدر الخطاب السياسي حين تُنتزع من الإنسان إنسانيته، ويُختزل وجوده إلى رقمٍ في حصيلة الموت.

أيُّ عقلٍ يقبل أن يصبح قتل البشر رقماً في حديث مسؤول؟ وأيُّ ضميرٍ إنسانيٍّ يستطيع أن يسمع مثل هذا الخطاب ثم يواصل الصمت؟

الحياة ليست امتيازاً تمنحه الحكومات، ولا حقّاً يقرره جيشٌ أو مسؤول. وكرامة الإنسان وحياته ليستا ورقةً على طاولة التفاوض، ولا مسألةً تخضع لموازين القوة. فالطفل في غزة، كما الطفل في أيِّ مكانٍ في العالم، وُلد ليعيش، لا ليصبح رقماً في قائمة الضحايا.

وهنا يتجاوز السؤال حدود غزة نفسها، ليصل إلى جوهر ما تبقّى من معنى للسلام:
كيف نتحدث عن السلام، بينما يُسمح بخطابٍ ينزع عن الفلسطيني حقَّه في الحياة؟

أيُّ سلامٍ يمكن أن يُبنى فوق الخوف والقتل؟ وأيُّ مفاوضاتٍ يمكن أن تنجح حين يصبح الحديث عن قتل المدنيين جزءاً من الخطاب السياسي، وحين يتحول الموت إلى وسيلةٍ لإدارة الصراع وفرض الوقائع؟

السلام الحقيقي لا يبدأ من طاولة المفاوضات وحدها، بل من الاعتراف بالإنسان أولاً، وبحقِّه في الحياة والكرامة والأمان. قد نختلف في السياسة والحدود والأمن والمصالح، وقد تتباين الرؤى حول سبل إنهاء الصراع، لكن هناك حقيقةً لا ينبغي أن تكون موضع خلاف: حرمة الحياة البشرية ليست قضيةً سياسية.

أهل غزة ليسوا أرقاماً في نشرات الأخبار، ولا صوراً عابرةً على شاشات العالم. هم أطفالٌ ونساءٌ ورجال، لهم أسماءٌ وبيوتٌ وذكرياتٌ وأحلامٌ وحياةٌ كان ينبغي أن تستمر.

وفي هذا المشهد، لا تقع المسؤولية على من يطلق خطاب الكراهية والتحريض وحده، بل تمتد أيضاً إلى عالمٍ يخاطر بأن يعتاد سماعه. فحين تصبح الدعوة إلى قتل البشر لغةً مألوفةً في الخطاب السياسي، وحين تمرّ مأساة المدنيين أمام أعين العالم وكأنها خبرٌ عابر، فإن الخطر لا يعود محصوراً في غزة، بل يصيب المعنى الذي قامت عليه فكرة القانون والعدالة وحقوق الإنسان.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسانية ليس أن ترى الموت فحسب، بل أن تعتاده؛ أن يصبح مشهد الطفل المقتول أقل إثارةً للدهشة من مشهدٍ سياسي جديد، وأن تتحول معاناة العائلات إلى أرقامٍ تتراجع قيمتها كلما طال أمد الحرب.

غزة لا تحتاج إلى مزيدٍ من البيانات التي تُدان فيها المأساة ثم تُطوى صفحاتها، بقدر ما تحتاج إلى عدالةٍ تحمي الإنسان، وإلى حمايةٍ حقيقية للمدنيين، وإلى عالمٍ لا يزن الدماء بميزان السياسة، ولا يفرّق بين حياةٍ وحياة.

لقد دفعت غزة ثمناً يفوق قدرة الكلمات على وصفه. أمهاتٌ يدفنَ أبناءهن، وآباءٌ يبحثون بين الركام عن أثرٍ لمن أحبوا، وأطفالٌ يكبرون على أصوات القصف بدلاً من أصوات المدارس واللعب. عائلاتٌ تنتظر من العالم شيئاً بسيطاً، لكنه يبدو اليوم بعيداً: كلمةً واضحة تقول إن حياتهم ليست أقل قيمةً من حياة أيِّ إنسانٍ آخر.

وقد تنتهي الحرب يوماً، لكن الذين رحلوا لن يعودوا. والبيوت التي هُدمت لن تستعيد دفء أهلها بسهولة، والقلوب التي فقدت أبناءها ستظل تحمل غيابهم إلى آخر العمر.

وفي مدينةٍ أنهكها الموت، يبقى السؤال معلّقاً في وجه العالم، لا بوصفه سؤالاً سياسياً فحسب، بل بوصفه اختباراً للضمير:
عن أيِّ سلامٍ نتحدّث، إذا كان الإنسان لا يزال يُقتل لأنه فلسطيني؟

غزة لا تطلب أن يُنظر إليها بعين الشفقة، بل بعين الإنسانية.

ولا تطلب امتيازاً لا يُمنح لغيرها، بل حقّاً بسيطاً ينبغي أن يكون مشتركاً بين جميع البشر: أن يعيش أطفالها، وأن يأمن أهلها، وأن يكون للإنسان فيها، كما في كل مكانٍ آخر، الحقُّ في أن يولد ويعيش ويحلم دون أن يتحول إلى هدف.

ستنتهي الحرب يوماً، لكن السؤال الذي سيبقى أطول من الحرب نفسها هو: ماذا فعل العالم حين كان الموت يُعلن عنه، وحين كان الإنسان يُجرَّد من إنسانيته أمام عينيه؟

إن السلام الذي لا يحمي الحياة ليس سلاماً، والعدالة التي لا تشمل الجميع ليست عدالة.

أما غزة، فستبقى شاهدةً على زمنٍ كان فيه العالم أمام امتحانٍ إنسانيٍّ واضح؛ امتحانٍ لا يُقاس بما قيل في المؤتمرات، بل بما فُعل حين كان الأطفال ينتظرون أن يُسمح لهم ببساطة… أن يعيشوا.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخيمة التي خرجت من الغبار... حكاية رجل حفظ بداية ناجي العلي ...
- رسمة الخيمة... حين وصلتُ إلى طريق مسدود في البحث عن ناجي الع ...
- ناجي العلي... يوم كان الموت يحيط بنا
- حين تنادي الجبال أبناءها… ولا يعودون
- ناجي العلي… الرصاصة التي قتلت الرسام ولم تقتل الحكاية
- إِلى أين؟... من دُرُوبِ النّكبة إِلى حُلمِ العودة
- غزة... حين سقطت الأقنعة
- غزة… حين صمد أبناء النكبة وخذلتهم الأمة
- محمود الباشا... شاعرُ المخيّم الذي حمل فلسطين في صوته
- أحمد الياباني... حين يموت الحلم قبل أن يموت أصحابه
- في وداع رحمة يوسف كايد (أم عادل)
- التغريبة الفلسطينية... حين يتحول الفن إلى ذاكرة وطن
- حتّى الأوكسجين... هل سيُصبح بحاجةٍ إلى ترخيص؟
- أولاد نزار بنات.. ورثة الحكاية
- نزار بنات وجيهان الحروب… حين يكون الوفاء سيرةً لا تُروى إلا ...
- العدالة المذبوحة: قصة نزار بنات والقاضي محمود خليف
- نزار بنات... لم يكن يملك سوى هاتفٍ وكلمات
- نزار بنات... رجلٌ اغتيلت أحلامه، وتُرك وحيداً
- نزار بنات كما عرفه شاكر اطميزه: حكايةُ صداقةٍ لم تنتهِ بالمو ...
- يوسف نصّار يروي: نزار بنات... خمسون شيكلاً وقطة جريحة


المزيد.....




- طائرتان تقتربان بشكل لافت من سقف ملعب.. شاهد ما حدث في جنوب ...
- الأردن.. الملكة رانيا العبدالله تحتفل بعيد ميلادها مع حفيدات ...
- فيديو منسوب لـ-حريق بحاملة طائرات أمريكية جراء صواريخ إيراني ...
- الحرب بين أميركا وإيران.. أربع قراءات حول هوية الرابح الحقيق ...
- سيول مفاجئة في غراند كانيون: فقدان أكثر من 20 شخصا
- دفن مؤقت لجثث مجهولة الهوية من دون طقوس دينية.. غضب يلاحق ال ...
- معجبو مايكل جاكسون يرقصون على -ثريلر- احتفالا بعيد ميلاد ملك ...
- قادة أميركيون يحذرون هيغسيث: إطالة العمليات واسعة النطاق ضد ...
- 200 راكب دراجة نارية يتجمعون في كاستل غاندولفو لمباركة الدرا ...
- مصر.. من مراسم تشييع ابنة نجلاء فتحي


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - عن أيِّ سلامٍ نتحدّث… حين يصبح قتلُ الغزيّين خطاباً سياسياً؟